التاريخ 3415
سنة خمس وخمسين ومائتين
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ الصَّفَّارِ عَلَى كَرْمَانَ وَفِي سنة خمس وخمسين ومائتين كَانَتْ مُحَارَبَةٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ وَبَيْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشِ بْنِ شِبْلٍ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ شِبْلٍ كَانَ عَلَى فَارِسَ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُعْتَزِّ يَطْلُبُ كَرْمَانَ، وَيَذْكُرُ عَجْزَ الطَّاهِرِيَّةِ، وَأَنَّ يَعْقُوبَ قَدْ غَلَبَهُمْ عَلَى سِجِسْتَانَ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَدْ تَبَاطَأَ بِحَمْلِ خَرَاجِ فَارِسَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزُّ بِوِلَايَةِ كَرْمَانَ، وَكَتَبَ إِلَى يَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ بِوِلَايَتِهَا أَيْضًا، يَلْتَمِسُ إِغْرَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِصَاحِبِهِ لِيُسْقِطَ مَؤُونَةَ الْهَالِكِ عَنْهُ، وَيَنْفَرِدَ بِالْآخَرِ. وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُظْهِرُ طَاعَةً لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَالْمُعْتَزُّ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا، فَأَرْسَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ طَوْقَ بْنَ الْمُغَلِّسِ إِلَى كَرْمَانَ، وَسَارَ يَعْقُوبُ إِلَيْهَا، فَسَبَقَهُ طَوْقٌ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَأَقْبَلَ يَعْقُوبُ حَتَّى بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَرْمَانَ مَرْحَلَةٌ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرَيْنِ لَا يَتَقَدَّمُ إِلَى طَوْقٍ، وَلَا طَوْقٌ يَخْرُجُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَظْهَرَ الِارْتِحَالَ إِلَى سِجِسْتَانَ، فَارْتَحَلَ مَرْحَلَتَيْنِ، وَبَلَغَ طَوْقًا ارْتِحَالُهُ فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ فِي حَرْبِهِ، وَتَرَكَ كَرْمَانَ، فَوَضَعَ آلَةَ الْحَرْبِ، وَقَعَدَ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمَلَاهِي. وَاتَّصَلَ بِيَعْقُوبَ إِقْبَالُ طَوْقٍ عَلَى الشُّرْبِ، فَكَّرَ رَاجِعًا، فَطَوَى الْمَرْحَلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَشْعُرْ طَوْقٌ إِلَّا بِغَبَرَةِ عَسْكَرِهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ: غَبَرَةُ الْمَوَاشِي، فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعِ مِنْ مُوَافَاةِ يَعْقُوبَ، فَأَحَاطَ بِهِ وَأَصْحَابِهِ، ( فَذَهَبَ أَصْحَابُهُ ) يُرِيدُونَ الْمُنَاهَضَةَ وَالدَّفْعَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ يَعْقُوبُ لِأَصْحَابِهِ: أَفْرِجُوا لِلْقَوْمِ ! فَمَرُّوا هَارِبِينَ، وَخَلَّوْا كُلَّ مَا لَهُمْ، وَأَسَرَ يَعْقُوبُ طَوْقًا. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ قَدْ سَيَّرَ مَعَ طَوْقٍ فِي صَنَادِيقَ قُيُودًا لِيُقَيِّدَ بِهَا مَنْ يَأْخُذُهُ مِنْ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ، وَفِي صَنَادِيقَ أَطْوِقَةٌ وَأَسْوِرَةٌ لِيُعْطِيَهَا أَهْلَ الْبَلَاءِ مِنْ أَصْحَابِ نَفْسِهِ، فَلَمَّا غَنِمَ يَعْقُوبُ عَسْكَرَهُمْ رَأَى ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا طَوْقُ ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَأَخَذَ الْأَطْوِقَةَ وَالْأَسْوِرَةَ، فَأَعْطَاهَا أَصْحَابَهُ، وَأَخَذَ الْقُيُودَ وَالْأَغْلَالَ، فَقَيَّدَ بِهَا أَصْحَابَ عَلِيٍّ، وَلَمَّا أَخْرَجَ يَدَ طَوْقٍ لِيَضَعَ فِيهَا الْغُلَّ رَآهَا يَعْقُوبُ وَعَلَيْهَا عِصَابَةٌ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: أَصَابَتْنِي حَرَارَةٌ فَفَصَدْتُهَا. فَأَمَرَ بِنَزْعِ خُفِّ نَفْسِهِ، فَتَسَاقَطَ مِنْهُ كِسَرُ خُبْزٍ يَابِسَةٍ، فَقَالَ: يَا طَوْقُ ! هَذَا خُفِّي لَمْ أَنْزِعْهُ مُنْذُ شَهْرَيْنِ مِنْ رِجْلِي، وَخُبْزِي فِي خُفِّي مِنْهُ آكُلُ، وَأَنْتَ جَالِسٌ فِي الشُّرْبِ ؟ ثُمَّ دَخَلَ كَرْمَانَ وَمَلَكَهَا مَعَ سِجِسْتَانَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه