التاريخ 1305
صلح الحديبية
قَالَ نافع: كَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وقتادة وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ومحمد بن إسحاق وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ فِي رَمَضَانَ، وَكَانَتْ فِي شَوَّالٍ ، وَهَذَا وَهْمٌ، وَإِنَّمَا كَانَتْ غَزَاةُ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ، وَقَدْ قَالَ أبو الأسود عَنْ عروة: إِنَّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، عَلَى الصَّوَابِ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أنس أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: ( اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ). فَذَكَرَ مِنْهَا عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ شَهْرَ رَمَضَانَ وَشَوَّالًا، وَخَرَجَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مُعْتَمِرًا، لَا يُرِيدُ حَرْبًا. [ نُمَيْلَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ. [ اسْتِنْفَارُ الرَّسُولِ النَّاسَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاسْتَنْفَرَ الْعَرَبَ وَمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَوَادِي مِنْ الْأَعْرَابِ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، وَهُوَ يَخْشَى مِنْ قُرَيْشٍ الَّذِي صَنَعُوا، أَنْ يَعْرِضُوا لَهُ بِحَرْبِ أَوْ يَصُدُّوهُ عَنْ الْبَيْتِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْأَعْرَابِ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ الْعَرَبِ، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ لِيَأْمَنَ النَّاسُ مِنْ حَرْبِهِ، وَلِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهُ إنَّمَا خَرَجَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ وَمُعَظِّمًا لَهُ. [ عِدَّةُ الرِّجَالِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: عَنْ مِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، لَا يُرِيدُ قِتَالًا، وَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَكَانَ النَّاسُ سَبْعَ مِئَةِ رَجُلٍ، فَكَانَتْ كُلُّ بَدَنَةٍ عَنْ عَشَرَةِ نَفَرٍ. وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِيمَا بَلَغَنِي، يَقُولُ: كُنَّا أَصْحَابَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِئَةً. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ إِسْحَاقَ؛ مِنْ أَنَّ أَصْحَابَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ، وَهُوَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَفَقُّهًا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ؛ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْبُدْنَ كُنَّ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَكُلٌّ مِنْهَا عَنْ عَشَرَةٍ، عَلَى اخْتِيَارِهِ، فَيَكُونُ الْمُهِلُّونَ سَبْعَمِائَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُهْدِيَ كُلُّهُمْ، وَلَا أَنْ يُحْرِمَ كُلُّهُمْ أَيْضًا؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ طَائِفَةً مِنْهُمْ، فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، وَلَمْ يُحْرِمْ أَبُو قَتَادَةَ حَتَّى قَتَلَ ذَلِكَ الْحِمَارَ الْوَحْشِيَّ، فَأَكَلَ مِنْهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَحَمَلُوا مِنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ: أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ. وَقِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقِعْدَةِ، لَا يُرِيدُ حَرْبًا، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ، وَقِيلَ: أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُمِائَةٍ [ الرَّسُولُ وَبِشْرُ بْنُ سُفْيَانَ ] قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا كَانَ بِعُسْفَانَ لَقِيَهُ بِشْرُ بْنُ سُفْيَانَ الْكَعْبِيُّ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ بُسْرٌ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ قُرَيْشٌ، قَدْ سَمِعْتُ بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجُوا مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، وَقَدْ نَزَلُوا بِذِي طُوًى، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدَّمُوهَا إلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ لَقَدْ أَكَلَتْهُمْ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ الْعَرَبِ، فَإِنْ هُمْ أَصَابُونِي كَانَ الَّذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَافِرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، فَوَاَللَّهِ لَا أَزَالُ أُجَاهِدُ عَلَى الَّذِي بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ الَّتِي هُمْ بِهَا ؟ [ تَجَنُّبُ الرَّسُولِ لِقَاءَ قُرَيْشٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعْرًا أَجْرَلَ بَيْنَ شِعَابٍ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهُ، وَقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَفْضَوْا إلَى أَرْضٍ سَهْلَةٍ عِنْدَ مُنْقَطِعِ الْوَادِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنَّاسِ: قُولُوا نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَنَتُوبُ إلَيْهِ فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ إنَّهَا لَلْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ. فَلَمْ يَقُولُوهَا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ فَقَالَ: اُسْلُكُوا ذَاتَ الْيَمِينِ بَيْنَ ظَهْرَيْ الْحَمْشِ، فِي طَرِيقٍ ( تُخْرِجُهُ ) عَلَى ثَنِيَّةِ الْمُرَارِ مَهْبِطِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ قَالَ: فَسَلَكَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا رَأَتْ خَيْلُ قُرَيْشٍ قَتَرَةَ الْجَيْشِ قَدْ خَالَفُوا عَنْ طَرِيقِهِمْ، رَجَعُوا رَاكِضِينَ إلَى قُرَيْشٍ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إذَا سَلَكَ، فِي ثَنِيَّةِ الْمُرَارِ بَرَكَتْ نَاقَتُهُ، فَقَالَتْ النَّاسُ: خَلَأَتْ النَّاقَةُ، قَالَ: مَا خَلَأَتْ وَمَا هُوَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ عَنْ مَكَّةَ. لَا تَدْعُونِي قُرَيْشٌ الْيَوْمَ إلَى خُطَّةٍ يَسْأَلُونَنِي فِيهَا صِلَةَ الرَّحَمِ إلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إيَّاهَا ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: انْزِلُوا؛ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا بِالْوَادِي مَاءٌ نَنْزِلُ عَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ. فَأَعْطَاهُ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَنَزَلَ بِهِ فِي قَلِيبٍ مِنْ تِلْكَ الْقُلُبِ. فَغَرَّزَهُ فِي جَوْفِهِ، فَجَاشَ بِالرَّوَّاءِ حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ عَنْهُ بِعَطَنٍ. [ الَّذِي نَزَلَ بِسَهْمِ الرَّسُولِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَسْلَمَ: أَنَّ الَّذِي نَزَلَ فِي الْقَلِيبِ بِسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ دَارِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَائِلَةَ بْنِ سَهْمِ بْنِ مَازِنِ بْنِ سَلَامَانِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ أَبِي حَارِثَةَ، وَهُوَ سَائِقُ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَفْصَى بْنُ حَارِثَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ زَعَمَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ كَانَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي نَزَلْتُ بِسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ. [ شِعْرٌ لِنَاجِيَةَ يُثْبِتُ أَنَّهُ حَامِلٌ سَهْمَ الرَّسُولِ ] وَقَدْ أَنْشَدَتْ أَسْلَمُ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرٍ قَالَهَا نَاجِيَةُ، قَدْ ظَنَنَّا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نَزَلَ بِالسَّهْمِ، فَزَعَمَتْ أَسْلَمُ أَنَّ جَارِيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ أَقْبَلَتْ بِدَلْوِهَا، وَنَاجِيَةُ فِي الْقَلِيبِ يَمِيحُ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَتْ: يَا أَيُّهَا الْمَائِحُ دَلْوَى دُونَكَا إنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا يُثْنُونَ خَيْرًا وَيُمَجِّدُونَكَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: إنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَمْدَحُونَكَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ نَاجِيَةُ، وَهُوَ فِي الْقَلِيبِ يَمِيحُ عَلَى النَّاسِ: قَدْ عَلِمَتْ جَارِيَةٌ يَمَانِيَهْ أَنِّي أَنَا الْمَائِحُ وَاسْمِي نَاجِيَهْ وَطَعْنَةٍ ذَاتِ رَشَاشٍ وَاهِيَهْ طَعَنْتُهَا عِنْدَ صُدُورِ الْعَادِيَهْ [ بُدَيْلٌ وَرِجَالُ خُزَاعَةَ بَيْنَ الرَّسُولِ وَقُرَيْشٍ ] قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَاهُ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ، فِي رِجَالٍ مِنْ خُزَاعَةَ، فَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ: مَا الَّذِي جَاءَ بِهِ ؟ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا، وَإِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لِلْبَيْتِ، وَمُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِبِشْرِ بْنِ سُفْيَانَ، فَرَجَعُوا إلَى قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ، إنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَأْتِ لِقِتَالِ، وَإِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا هَذَا الْبَيْتَ، فَاتَّهَمُوهُمْ وَجَبَهُوهُمْ وَقَالُوا: وَإِنْ كَانَ جَاءَ وَلَا يُرِيدُ قِتَالًا، فَوَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً أَبَدًا، وَلَا تَحَدَّثَ بِذَلِكَ عَنَّا الْعَرَبُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مُسْلِمُهَا وَمُشْرِكُهَا، لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِمَكَّةَ. [ مِكْرَزٌ رَسُولُ قُرَيْشٍ إلَى الرَّسُولِ ] قَالَ: ثُمَّ بَعَثُوا إلَيْهِ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ، أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا قَالَ: هَذَا رَجُلٌ غَادِرٌ فَلَمَّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَلَّمَهُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَأَصْحَابِهِ؛ فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. [ الْحُلَيْسُ رَسُولٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى الرَّسُولِ ] ثُمَّ بَعَثُوا إلَيْهِ الْحُلَيْسَ بْنَ عَلْقَمَةَ أَوْ ابْنَ زَبَّانَ، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَ الْأَحَابِيشِ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ؛ فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إنَّ هَذَا مِنْ قَوْمٍ يَتَأَلَّهُونَ فَابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَى الْهَدْيَ يَسِيلُ عَلَيْهِ مِنْ عُرْضِ الْوَادِي فِي قَلَائِدِهِ، وَقَدْ أَكَلَ أَوْبَارَهُ مِنْ طُولِ الْحَبْسِ عَنْ مَحِلِّهِ، رَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَصِلْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إعْظَامًا لَمَا رَأَى، فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ. قَالَ: فَقَالُوا لَهُ: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ لَا عِلْمَ لَكَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ الْحُلَيْسَ غَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللَّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ، وَلَا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ. أَيُصَدُّ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ مَنْ جَاءَ مُعَظِّمًا لَهُ وَاَلَّذِي نَفْسُ الْحُلَيْسِ بِيَدِهِ، لَتُخَلُّنَّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ، أَوْ لَأَنْفِرَنَّ بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. قَالَ: فَقَالُوا لَهُ: مَهْ، كُفَّ عَنَّا يَا حُلَيْسُ حَتَّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا مَا نَرْضَى بِهِ [ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ رَسُولٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى الرَّسُولِ ] قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: ثُمَّ بَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَا يَلْقَى مِنْكُمْ مَنْ بَعَثْتُمُوهُ إلَى مُحَمَّدٍ إذْ جَاءَكُمْ مِنْ التَّعْنِيفِ وَسُوءِ اللَّفْظِ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّكُمْ وَالِدٌ وَإِنِّي وَلَدٌ - وَكَانَ عُرْوَةُ لِسُبَيْعَةَ بِنْتِ عَبْدِ شَمْسٍ - وَقَدْ سَمِعْتُ بِاَلَّذِي نَابَكُمْ، فَجَمَعْتُ مَنْ أَطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي، ثُمَّ جِئْتُكُمْ حَتَّى آسَيْتُكُمْ بِنَفْسِي؛ قَالُوا: صَدَقْتُ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَجَمَعْتَ أَوْشَابَ النَّاسِ، ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ إلَى بَيْضَتِكَ لِتَفُضَّهَا بِهِمْ، إنَّهَا قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ. قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا. وَاَيْمُ اللَّهِ، لِكَأَنِّي بِهَؤُلَاءِ قَدْ انْكَشَفُوا عَنْكَ غَدًا. قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاعِدٌ؛ فَقَالَ: اُمْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِي، أَنَحْنُ نَنْكَشِفُ عَنْهُ ؟ قَالَ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَكَافَأْتُكَ بِهَا، وَلَكِنْ هَذِهِ بِهَا قَالَ: ثُمَّ جَعَلَ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُكَلِّمُهُ. قَالَ: وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَاقِفٌ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيدِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَقْرَعُ يَدَهُ إذَا تَنَاوَلَ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَقُولُ: اُكْفُفْ يَدَكَ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إلَيْكَ؛ قَالَ: فَيَقُولُ عُرْوَةُ: وَيْحَكَ مَا أَفَظَّكَ وَأَغْلَظَكَ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَخِيكَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ؛ قَالَ: أَيْ غُدَرُ، وَهَلْ غَسَلْتُ سَوْأَتَكَ إلَّا بِالْأَمْسِ. - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَرَادَ عُرْوَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَبْلَ إسْلَامِهِ قَتَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَالِكٍ. مِنْ ثَقِيفٍ. فَتَهَايَجَ الْحَيَّانِ مِنْ ثَقِيفٍ: بَنُو مَالِكٍ رَهْطُ الْمَقْتُولِينَ، وَالْأَحْلَافُ رَهْطُ الْمُغِيرَةِ، فَوَدَى عُرْوَةُ الْمَقْتُولِينَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً، وَأَصْلَحَ ذَلِكَ الْأَمْرَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَحْوٍ مِمَّا كَلَّمَ بِهِ أَصْحَابَهُ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا. فَقَامَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ رَأَى مَا يَصْنَعُ بِهِ أَصْحَابُهُ، لَا يَتَوَضَّأُ إلَّا ابْتَدَرُوا وُضُوءَهُ، وَلَا يَبْصُقُ بُصَاقًا إلَّا ابْتَدَرُوهُ. وَلَا يَسْقُطُ مِنْ شَعْرِهِ شَيْءٌ إلَّا أَخَذُوهُ. فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنِّي قَدْ جِئْتُ كِسْرَى فِي مُلْكِهِ، وَقَيْصَرَ فِي مُلْكِهِ. وَالنَّجَاشِيَّ فِي مُلْكِهِ. وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا فِي قَوْمٍ قَطُّ مِثْلَ مُحَمَّدٍ فِي أَصْحَابِهِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ لِشَيْءِ أَبَدًا، فَرَوْا رَأْيَكُمْ. [ خِرَاشٌ رَسُولُ الرَّسُولِ إلَى قُرَيْشٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا خِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيَّ، فَبَعَثَهُ إلَى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، وَحَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الثَّعْلَبُ، لِيُبَلِّغَ أَشْرَافَهُمْ عَنْهُ مَا جَاءَ لَهُ، فَعَقَرُوا بِهِ جَمْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَتْهُ الْأَحَابِيشُ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. [ النَّفَرُ الْقُرَشِيُّونَ الَّذِينَ أَرْسَلَتْهُمْ قُرَيْشٌ لِلْعُدْوَانِ ثُمَّ عَفَا عَنْهُمْ الرَّسُولُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا بَعَثُوا أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ أَوْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يُطِيفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِيُصِيبُوا لَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا، فَأُخِذُوا أَخْذًا، فَأُتِيَ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَعَفَا عَنْهُمْ، وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، و قَدْ كَانُوا رَمَوْا فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجَارَةِ وَالنَّبْلِ. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ « الْحُدَيْبِيَةِ » إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا ثَلَاثُونَ شَابًّا عَلَيْهِمِ السِّلَاحُ فَثَارُوا إِلَى وُجُوهِنَا، فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَخَذَ اللَّهُ بِأَسْمَاعِهِمْ - وَلَفْظُ الْحَاكِمِ بِأَبْصَارِهِمْ - فَقُمْنَا إِلَيْهِمْ فَأَخَذْنَاهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَلْ جِئْتُمْ فِي عَهْدِ أَحَدٍ وَهَلْ جَعَلَ لَكُمْ أَحَدٌ أَمَانًا» ؟ فَقَالُوا: لَا. فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [سُورَةُ الْفَتْحِ 24]. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ « الْحُدَيْبِيَةِ » هَبَطَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي السِّلَاحِ مِنْ قِبَلِ جَبَلِ التَّنْعِيمِ يُرِيدُونَ غِرَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَأُخِذُوا فَعَفَا عَنْهُمْ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرُ لَنَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ ابْنُ زُنَيْمٍ اطَّلَعَ الثَّنِيَّةَ «يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ » فَرَمَاهُ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا، فَأَتَوْا بِاثْنَيْ عَشَرَ فَارِسًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «هَلْ لَكُمْ عَهْدٌ أَوْ ذِمَّةٌ» ؟ قَالُوا: لَا. فَأَرْسَلَهُمْ. عثمان ؓ رسول رسول الله ﷺ إلى قريش وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُدَيْبِيَةَ فَزِعَتْ قُرَيْشٌ لِنُزُولِهِ إِلَيْهِمْ، فَأَحَبَّ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لِيَبْعَثَهُ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَخَافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسِي وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي لَهَا، وَلَيْسَ بِهَا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مَنْ يَمْنَعُنِي، وَإِنْ أَحْبَبْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ. فَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ أَعَزَّ بِمَكَّةَ مِنِّي، وَأَكْثَرَ عَشِيرَةً وَأَمْنَعَ، وَأَنَّهُ يُبَلِّغُ لَكَ مَا أَرَدْتَ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُثْمَانَ فَقَالَ: «اذْهَبْ إِلَى قُرَيْشٍ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ وَإِنَّمَا جِئْنَا عَمَّارًا، وَادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ». وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ رِجَالًا بِمَكَّةَ مُؤْمِنِينَ وَنِسَاءٍ مُؤْمِنَاتٍ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِمْ وَيُبَشِّرَهُمْ بِالْفَتْحِ، وَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى - وَشِيكًا أَنْ يُظْهِرَ دِينَهُ بِمَكَّةَ حَتَّى لَا يُسْتَخْفَى فِيهَا بِالْإِيمَانِ. فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ إِلَى قُرَيْشٍ فَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِبَلْدَحٍ فَقَالُوا: أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ لِأَدْعُوَكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَإِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَتَدْخُلُونَ فِي الدِّينِ كَافَّةً، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مُظْهِرٌ دِينَهُ وَمُعِزٌّ نَبِيَّهُ، وَأُخْرَى: تُكْفَوْنَ وَيَكُونُ الَّذِي يَلِي هَذَا الْأَمْرَ مِنْهُ غَيْرُكُمْ، فَإِنْ ظُفِرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَلِكَ مَا أَرَدْتُمْ، وَإِنْ ظَفَرَ كُنْتُمْ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ تَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، أَوْ تُقَاتِلُوا وَأَنْتُمْ وَافِرُونَ جَامُّونَ. إِنَّ الْحَرْبَ قَدْ نَهَكَتْكُمْ وَأَذْهَبَتِ الْأَمَاثِلَ مِنْكُمْ. وَأُخْرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُكُمْ إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالِ أَحَدٍ، إِنَّمَا جَاءَ مُعْتَمِرًا، مَعَهُ الْهَدْيُ، عَلَيْهِ الْقَلَائِدُ يَنْحَرُهُ وَيَنْصَرِفُ. فَقَالُوا: قَدْ سَمِعْنَا مَا تَقُولُ، وَلَا كَانَ هَذَا أَبَدًا، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً، فَارْجِعْ إِلَى صَاحِبِكَ فَأَخْبِرْهُ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْنَا. وَلَقِيَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ - وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَرَحَّبَ بِهِ أَبَانُ وَأَجَارَهُ، وَقَالَ: لَا تُقَصِّرْ عَنْ حَاجَتِكَ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ فَرَسٍ كَانَ عَلَيْهِ فَحَمَلَ عُثْمَانَ عَلَى السَّرْجِ وَرَدِفَ وَرَاءَهُ وَقَالَ: أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ لَا تَخَفْ أَحَدًا بَنُو سَعِيدٍ أَعِزَّةُ الْحَرَمِ فَدَخَلَ بِهِ مَكَّةَ، فَأَتَى عُثْمَانَ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ - رَجُلًا رَجُلًا - فَجَعَلُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَا يَدْخُلُهَا عَلَيْنَا أَبَدًا، وَدَخَلَ عَلَى قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَدْ أَظَلَّكُمْ حَتَّى لَا يُسْتَخْفَى بِمَكَّةَ الْيَوْمَ بِالْإِيمَانِ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، وَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السَّلَامَ. وَلَمَّا فَرَغَ عُثْمَانُ مِنْ رِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى قُرَيْشٍ قَالُوا لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَقَامَ عُثْمَانُ بِمَكَّةَ ثَلَاثًا يَدْعُو قُرَيْشًا. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ - وَهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ عُثْمَانُ -: خَلَصَ عُثْمَانُ مِنْ بَيْنِنَا إِلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَظُنُّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَنَحْنُ مَحْصُورُونَ»، وَقَالُوا: وَمَا يَمْنَعُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ خَلَصَ إِلَيْهِ قَالَ: «ذَلِكَ ظَنِّي بِهِ أَلَّا يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ حَتَّى نَطُوفَ»، وَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ - مَرْفُوعًا - «لَوْ مَكَثَ كَذَا كَذَا سَنَةً مَا طَافَ حَتَّى أَطُوفَ» فَلَمَّا رَجَعَ عُثْمَانُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْمُسْلِمُونَ لَهُ: اشْتَفَيْتَ مِنَ الْبَيْتِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ!! فَقَالَ عُثْمَانُ: بِئْسَ مَا ظَنَنْتُمْ بِي! فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ مَكَثْتُ مُقِيمًا بِهَا سَنَةً وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقِيمٌ بِالْحُدَيْبِيَةِ مَا طُفْتُ حَتَّى يَطُوفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَقَدْ دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إِلَى أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَأَبَيْتُ. فَقَالُوا: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَنَا وَأَحْسَنَنَا ظَنًّا. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِالْحِرَاسَةِ بِاللَّيْلِ، فَكَانُوا ثَلَاثَةً يَتَنَاوَبُونَ الْحِرَاسَةَ: أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ - بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ - وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ؓ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ عَلَى حَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِمَكَّةَ. وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ بَعَثَتْ لَيْلًا خَمْسِينَ رَجُلًا، عَلَيْهِمْ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ رَجَاءَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، أَوْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ غِرَّةً، فَأَخَذَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَجَاءَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَفْلَتَ مِكْرَزٌ فَخَبَّرَ أَصْحَابَهُ وَظَهَرَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ رَجُلٌ غَادِرٌ، وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ دَخَلُوا مَكَّةَ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ: كَرَزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَأَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرٍ الْعَبْدَرِيُّ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَبُو حَاطِبِ بْنُ عَمْرٍو مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ وَحَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ. قَدْ دَخَلُوا مَكَّةَ فِي أَمَانِ عُثْمَانَ، وَقِيلَ: سِرًّا، فَعُلِمَ بِهِمْ فَأُخِذُوا، وَبَلَغَ قُرَيْشًا حَبْسُ أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ مَسَكَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَجَاءَ جَمْعٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى تَرَامَوْا بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، وَأَسَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ - أَيْضًا - اثْنَيْ عَشَرَ فَارِسًا، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ابْنُ زُنَيْمٍ - وَقَدْ أَطْلَعَ الثَّنِيَّةَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ - فَرَمَاهُ الْمُشْرِكُونَ فَقَتَلُوهُ، وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى - وَأَسْلَمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ، فَلَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ وَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: سَهُلَ أَمْرُكُمْ فَقَالَ سُهَيْلٌ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ حَبْسِ أَصْحَابِكَ وَمَا كَانَ مِنْ قِتَالِ مَنْ قَاتَلَكَ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَأْيِ ذَوِي رَأْيِنَا بَلْ كُنَّا لَهُ كَارِهِينَ حِينَ بَلَغَنَا، وَلَمْ نَعْلَمْ بِهِ، وَكَانَ مِنْ سُفَهَائِنَا، فَابْعَثْ إِلَيْنَا بِأَصْحَابِنَا الَّذِينَ أَسَرْتَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَالَّذِينَ أَسَرْتَ آخِرَ مَرَّةٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي غَيْرُ مُرْسِلِهِمْ حَتَّى تُرْسِلُوا أَصْحَابِي»، فَقَالُوا: أَنْصَفْتَنَا، فَبَعَثَ سُهَيْلُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى قُرَيْشٍ بِالشُّيَيْمِ - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ - بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ التَّيْمِيُّ، فَبَعَثُوا بِمَنْ كَانَ عِنْدَهُمْ: وَهُمْ عُثْمَانُ وَالْعَشَرَةُ السَّابِقُ ذِكْرُهُمْ ؓ وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُمُ الَّذِينَ أَسَرَهُمْ، وَقَبْلَ وُصُولِ عُثْمَانَ وَمَنْ مَعَهُ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عُثْمَانَ وَمَنْ مَعَهُ قَدْ قُتِلُوا، فَكَانَ ذَلِكَ حِينَ دَعَا إِلَى الْبَيْعَةِ. [إشَاعَةُ مَقْتَلِ عُثْمَانَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ عُثْمَانُ إلَى مَكَّةَ، فَلَقِيَهُ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا، فَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَجَارَهُ حَتَّى بَلَّغَ رِسَالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ، فَبَلَّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ؛ فَقَالُوا لِعُثْمَانِ حِينَ فَرَغَ مِنْ رِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ: إنْ شِئْتُ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَطُفْ؛ فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَاحْتَبَسَتْهُ قُرَيْشٌ عِنْدَهَا، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَدْ قُتِلَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه