Tarikh (al-Tabari) 6472
The Year 623
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ جَلَالِ الدِّينِ تِفْلِيسَ . فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَامِنَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَتَحَ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمَ شَاهْ مَدِينَةَ تِفْلِيسَ مِنَ الْكُرْجِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّا قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَانْهِزَامَهُمْ مِنْهُ، وَعَوْدَهُ إِلَى تِبْرِيزَ بِسَبَبِ الْخُلْفِ الْوَاقِعِ فِيهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ فِي أَذْرَبِيجَانَ، عَادَ إِلَى بَلَدِ الْكُرْجِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، وَخَرَجَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَدَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ، فَقَصَدَ بِلَادَهُمْ، وَقَدْ عَادُوا فَحَشَدُوا وَجَمَعُوا مِنَ الْأُمَمِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمُ اللَّانَ وَاللَّكْزَ وَقَفْجَاقَ وَغَيْرَهُمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ لَا يُحْصَى، فَطَمِعُوا بِذَلِكَ، وَمَنَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمُ الْأَبَاطِيلَ، وَوَعَدَهُمُ الشَّيْطَانُ الظَّفَرَ، ( وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا )، فَلَقِيَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمُ الْكَمِينَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَوَلَّىُ الْكُرْجُ مُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوِي الْأَخُ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا الْوَالِدُ عَلَى وَلَدِهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ قَدْ أَهَمَّتُهُ نَفْسُهُ، وَأَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرُ الشَّاذُّ الَّذِي لَا يُعْبَأُ بِهِ، وَأَمَرَ جَلَالُ الدِّينِ عَسْكَرَهُ أَنْ لَا يُبْقُوا عَلَى أَحَدٍ، وَأَنْ يَقْتُلُوا مَنْ وَجَدُوا، فَتَبِعُوا الْمُنْهَزِمِينَ يَقْتُلُونَهُمْ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِقَصْدِ تِفْلِيسَ دَارِ مُلْكِهِمْ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَنْ نَقْتُلَ رِجَالَنَا تَحْتَ الْأَسْوَارِ، إِنَّمَا إِذَا أَفْنَيْتُ الْكُرْجَ، أَخَذْتُ الْبِلَادَ صَفْوًا عَفْوًا. وَلَمْ تَزَلِ الْعَسَاكِرُ تَتْبَعُهُمْ وَتَسْتَقْصِي فِي طَلَبِهِمْ إِلَى أَنْ كَادُوا يُفْنُونَهُمْ، فَحِينَئِذٍ قَصَدَ تِفْلِيسَ وَنَزَلَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَسَارَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَقَصَدَهَا لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا، وَيُبْصِرَ مَوَاضِعَ النُّزُولِ عَلَيْهَا، وَكَيْفَ يُقَاتِلُهَا، فَلَمَّا قَارَبَهَا، كَمَنَ أَكْثَرُ الْعَسْكَرِ الَّذِي مَعَهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهَا فِي نَحْوِ ثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَلَمَّا رَآهُ مَنْ بِهَا مِنَ الْكُرْجِ، طَمِعُوا فِيهِ لِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَعَهُمْ، فَظَهَرُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ، فَتَأَخَّرَ عَنْهُمْ، فَقَوِيَ طَمَعُهُمْ فِيهِ لِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، فَظَنُّوهُ مُنْهَزِمًا فَتَبِعُوهُ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا الْعَسَاكِرَ، خَرَجُوا عَلَيْهِمْ وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَخَلُوهَا، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا نَادَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِهَا بِشِعَارِ الْإِسْلَامِ، وَبَاسِمِ جَلَالِ الدِّينِ، فَأَلْقَى الْكُرْجُ بِأَيْدِيهِمْ وَاسْتَسْلَمُوا ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ قُتِلَ رِجَالُهُمْ فِي الْوَقَعَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَقَلَّ عَدَدُهُمْ، وَمُلِئَتْ قُلُوبُهُمْ خَوْفًا وَرُعْبًا، فَمَلَكَ الْمُسْلِمُونَ الْبَلَدَ عَنْوَةً وَقَهْرًا بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ فِيهِ مِنَ الْكُرْجِ، وَلَمْ يُبْقِ عَلَى كَبِيرٍ وَلَا صَغِيرٍ إِلَّا مَنْ أَذْعَنَ بِالْإِسْلَامِ، وَأَقَرَّ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ أَبْقَى عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُمْ فَتَخَتَّنُوا وَتَرَكَهُمْ. وَنَهَبَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْوَالَ، وَسَبُوا النِّسَاءَ وَاسْتَرَقُّوا الْأَوْلَادَ، وَوَصَلَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِهَا بَعْضُ الْأَذَى مِنْ قَتْلٍ وَنَهْبٍ وَغَيْرِهِ. وَتِفْلِيسُ هَذِهِ مِنْ أَحْصَنِ الْبِلَادِ وَأَمْنَعِهَا، وَهِيَ عَلَى جَانِبَيْ نَهْرِ الْكُرِّ، وَهُوَ نَهْرٌ كَبِيرٌ، وَلَقَدْ جَلَّ هَذَا الْفَتْحُ وَعَظُمَ مَوْقِعُهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ الْكُرْجَ كَانُوا قَدِ اسْتَطَالُوا عَلَيْهِمْ، وَفَعَلُوا بِهِمْ مَا أَرَادُوا، فَكَانُوا يَقْصِدُونَ أَيَّ بِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ أَرَادُوا، فَلَا يَمْنَعُهُمْ عَنْهَا مَانِعٌ، وَلَا يَدْفَعُهُمْ عَنْهَا دَافِعٌ، وَهَكَذَا أَرْزَنُ الرُّومِ، حَتَّى إِنَّ صَاحِبَهَا لَبِسَ خِلْعَةَ مَلِكِ الْكُرْجِ، وَرَفَعَ عَلَى رَأْسِهِ عَلَمًا فِي أَعْلَاهُ صَلِيبٌ، وَتَنَصَّرَ وَلَدُهُ رَغْبَةً فِي نِكَاحِ مَلِكَةِ الْكُرْجِ، وَخَوْفًا مِنْهُمْ لِيَدْفَعَ الشَّرَّ عَنْهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْقِصَّةُ، وَهَكَذَا دَرْبَنَدْ شِرْوَانَ. وَعَظُمَ أَمْرُهُمْ إِلَى حَدِّ أَنَّ رُكْنَ الدِّينِ بْنَ قَلِجْ أَرْسِلَانَ، صَاحِبَ قُونِيَّةَ وَأَقْصَرَا وَمَلَطْيَةَ وَسَائِرِ بِلَادِ الرُّومِ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ، جَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَحَشَدَ مَعَهَا غَيْرَهَا فَاسْتَكْثَرَ، وَقَصَدَ أَرْزَنَ الرُّومِ، وَهِيَ لِأَخِيهِ طُغْرُلَ شَاهْ بْنِ قَلِجْ أَرْسِلَانَ، فَأَتَاهُ الْكُرْجُ وَهَزَمُوهُ، وَفَعَلُوا بِهِ وَبِعَسْكَرِهِ كُلَّ عَظِيمٍ، وَكَانَ أَهْلُ دَرْبَنْدَ شِرْوَانَ مَعَهُمْ فِي الضَّنْكِ وَالضِّيقَةِ. وَأَمَّا أَرْمِينِيَّةُ، فَإِنَّ الْكُرْجَ دَخَلُوا مَدِينَةَ أَرْجِيشَ، وَمَلَكُوا قَرْسَ وَغَيْرَهَا، وَحَصَرُوا خِلَاطَ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - مَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأَسْرِ إِيوَانِي مُقَدَّمِ عَسَاكِرِ الْكُرْجِ لَمَلَكُوهَا، فَاضْطُرَّ أَهْلُهَا إِلَى أَنْ بَنَوْا لَهُمْ بَيْعَةً فِي الْقَلْعَةِ يُضْرَبُ فِيهَا النَّاقُوسُ، فَرَحَلُوا عَنْهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ هَذِهِ الْحَمْلَةِ. وَلَمْ يَزَلْ هَذَا الثَّغْرُ مِنْ أَعْظَمِ الثُّغُورِ ضَرَرًا عَلَى الْمُجَاوِرِينَ لَهُ مِنَ الْفُرْسِ، قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُمْ، مِنْ أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْآنَ، وَلَمْ يُقْدِمْ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ هَذَا الْإِقْدَامَ، وَلَا فَعَلَ بِهِمْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ، فَإِنَّ الْكُرْجَ مَلَكُوا تِفْلِيسَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالسُّلْطَانُ حِينَئِذٍ مَحْمُودُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ مَلِكْشَاهْ السَّلْجُوقِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ السَّلَاطِينِ مَنْزِلَةً، وَأَوْسَعِهِمْ مَمْلَكَةً، وَأَكْثَرِهِمْ عَسَاكِرَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْعِهِمْ عَنْهَا، هَذَا مَعَ سِعَةِ بِلَادِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَهُ الرَّيُّ وَأَعْمَالُهَا، وَبَلَدُ الْجَبَلِ وَأَصْفَهَانُ، وَفَارِسُ وخُوزِسْتَانُ، وَالْعِرَاقُ وَأَذْرَبِيجَانُ، وَأَرَّانُ وَأَرْمِينِيَّةُ، وَدِيَارُ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةُ، وَالْمَوْصِلُ وَالشَّامُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَعَمُهُ السُّلْطَانُ سَنْجَرٌ لَهُ خُرَاسَانُ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَكَانَ أَكْثَرُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِأَيْدِيهِمْ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ مَلَكُوهَا، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ السُّلْطَانُ مَسْعُودٌ، وَمَلَكَ إِلْدكزُ بَلَدَ الْجَبَلِ وَالرَّيَّ، وَأَصْفَهَانَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرَّانَ، وَأَطَاعَهُ صَاحِبُ خِلَاطَ، وَصَاحِبُ فَارِسَ، وَصَاحِبُ خُوزِسْتَانَ، وَجَمَعَ وَحَشَدَ لَهُمْ، وَكَانَ قُصَارَاهُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ، ثُمَّ ابْنُهُ الْبَهْلَوَانُ بَعْدَهُ، وَكَانَتِ الْبِلَادُ فِي أَيَّامِ أُولَئِكَ عَامِرَةً كَثِيرَةَ الْأَمْوَالِ وَالرِّجَالِ، فَلَمْ يُحَدِّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِالظَّفَرِ بِهَؤُلَاءِ، حَتَّى جَاءَ هَذَا السُّلْطَانُ وَالْبِلَادُ خَرَابٌ قَدْ أَضْعَفَهَا الْكُرْجُ أَوَّلًا، ثُمَّ اسْتَأْصَلَهَا التَّتَرُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَفَعَلَ بِهِمْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ، فَسُبْحَانَ مَنْ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا، قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.
Grades by grader
No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade