Tarikh (al-Tabari) 6468
The Year 622
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ. فِي سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ لَيْلَةَ الْأَحَدِ الْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ، زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ بِالْمَوْصِلِ ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ، وَغَيْرِهَا زَلْزَلَةً مُتَوَسِّطَةً. وَفِيهَا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ بِالْمَوْصِلِ، وَدِيَارِ الْجَزِيرَةِ جَمِيعِهَا، فَأَكَلَ النَّاسُ الْمَيْتَةَ ، وَالْكِلَابَ وَالسَّنَانِيرَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ كَثِيرَةً. وَلَقَدْ دَخَلْتُ يَوْمًا إِلَى دَارِي، فَرَأَيْتُ الْجَوَارِيَ يَقْطَعْنَ اللَّحْمَ لِيَطْبُخْنَهُ، فَرَأَيْتُ سَنَانِيرَ اسْتَكْثَرْتُهَا فَعَدَدْتُهَا، فَكَانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ سِنَّوْرًا، وَرَأَيْتُ اللَّحْمَ فِي هَذَا الْغَلَاءِ فِي الدَّارِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنَ السَّنَانِيرِ لِعَدَمِهَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْمَرَّتَيْنِ كَثِيرٌ. وَغَلَا مَعَ الطَّعَامِ كُلُّ شَيْءٍ فَبِيعَ رِطْلُ الشَّيْرِجِ بِقِيرَاطَيْنِ بَعْدَ أَنْ كَانَ بِنِصْفِ قِيرَاطٍ قَبْلَ الْغَلَاءِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَكَانَ كُلُّ سِتِّينَ رِطْلًا بِدِينَارٍ. وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ السِّلْقَ وَالْجَزَرَ وَالشَّلْجَمَ بِيعَ كُلَّ خَمْسِ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، وَبِيعَ الْبَنَفْسَجُ كُلُّ سِتَّةِ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، وَبِيعَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ كُلُّ سَبْعَةِ أَرْطَالٍ بِدِرْهَمٍ، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ. فَإِنَّ الدُّنْيَا مَا زَالَتْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، إِذَا غَلَتِ الْأَسْعَارُ، مَتَى جَاءَ الْمَطَرُ رَخُصَتْ، إِلَّا هَذِهِ السَّنَةَ، فَإِنَّ الْأَمْطَارَ مَا زَالَتْ مُتَتَابِعَةً مِنْ أَوَّلِ الشِّتَاءِ إِلَى آخِرِ الرَّبِيعِ، وَكُلَّمَا جَاءَ الْمَطَرُ غَلَتِ الْأَسْعَارُ، وَهَذَا مَا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، فَبَلَغَتِ الْحِنْطَةُ مَكُّوكًا وَثُلُثًا بِدِينَارٍ وَقِيرَاطٍ، يَكُونُ وَزْنُهُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ رِطْلًا دَقِيقًا بِالْبَغْدَادِيِّ، وَكَانَ الْمِلْحُ مَكُّوكٌ بِدِرْهَمٍ، فَصَارَ الْمَكُّوكُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَكَانَ الْأَرُزُّ مَكُّوكٌ بِاثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَصَارَ الْمَكُّوكُ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَكَانَ التَّمْرُ كُلُّ أَرْبَعَةِ أَرْطَالٍ وَخَمْسَةُ أَرْطَالٍ بِقِيرَاطٍ، فَصَارَ كُلُّ رِطْلَيْنِ بِقِيرَاطٍ. وَمِنْ عَجِيبِ مَا يُحْكَى أَنَّ السُّكَّرَ النَّادِرَ الْأَسْمَرَ كَانَ كُلُّ رِطْلٍ بِدِرْهَمٍ وَرُبُعٍ، وَكَانَ السُّكَّرُ الْأُبْلُوجُ الْمِصْرِيُّ النَّقِيُّ كُلُّ رِطْلٍ بِدِرْهَمَيْنِ، فَصَارَ السُّكَّرُ الْأَسْمَرُ كُلُّ رِطْلٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَنِصْفٍ، وَالسُّكَّرُ الْأُبْلُوجُ كُلُّ رِطْلٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَرُبُعٍ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْأَمْرَاضَ لَمَّا كَثُرَتْ وَاشْتَدَّ الْوَبَاءُ، قَالَتِ النِّسَاءُ: هَذِهِ الْأَمْرَاضُ بَارِدَةٌ، وَالسُّكَّرُ الْأَسْمَرُ حَارٌّ فَيَنْفَعُ مِنْهَا، وَالْأُبْلُوجُ بَارِدٌ يُقَوِّيهَا، وَتَبِعَهُنَّ الْأَطِبَّاءُ اسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِنَّ وَلِجَهْلِهِمْ، فَغَلَا الْأَسْمَرُ بِهَذَا السَّبَبِ، وَهَذَا مِنَ الْجَهْلِ الْمُفْرِطِ. وَمَا زَالَتِ الْأَشْيَاءُ هَكَذَا إِلَى أَوَّلِ الصَّيْفِ، وَاشْتَدَّ الْوَبَاءُ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ وَالْمَرَضُ فِي النَّاسِ، فَكَانَ يُحْمَلُ عَلَى النَّعْشِ الْوَاحِدِ عِدَّةٌ مِنَ الْمَوْتَى، فَمِمَّنْ مَاتَ فِيهِ شَيْخُنَا عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَطِيبُ الطُّوسِيُّ، خَطِيبُ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ مِنْ صَالِحِي الْمُسْلِمِينَ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَشُهُورًا. وَفِيهَا انْخَسَفَ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ خَامِسَ عَشَرَ صَفَرٍ. وَفِيهَا هَرَبَ أَمِيرُ حَاجِّ الْعِرَاقِ، وَهُوَ حُسَامُ الدِّينِ أَبُو فِرَاسٍ الْحِلِّيُّ الْكُرْدِيُّ الْوَرَّامِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي الشَّيْخِ وَرَّامٍ، كَانَ عَمُّهُ مِنْ صَالِحِي الْمُسْلِمِينَ وَخِيَارِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحِلَّةِ السَّيْفِيَّةِ، فَارَقَ الْحَاجَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَسَارَ إِلَى مِصْرَ. حَكَى لِي بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ أَنَّهُ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى الْهَرَبِ كَثْرَةُ الْخَرْجِ فِي الطَّرِيقِ، وَقِلَّةُ الْمَعُونَةِ مِنَ الْخَلِيفَةِ، وَلَمَّا فَارَقَ الْحَاجَّ، خَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا مِنَ الْعَرَبِ، فَأَمَّنَ اللَّهُ خَوْفَهُمْ، وَلَمْ يَذْعَرْهُمْ ذَاعِرٌ فِي جَمِيعِ الطَّرِيقِ، وَوَصَلُوا آمِنِينَ، إِلَّا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْجِمَالِ هَلَكَ، أَصَابَهَا غُدَّةٌ عَظِيمَةٌ فَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَفِيهَا فِي آبَ، جَاءَ مَطَرٌ شَدِيدٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ، وَدَامَ حَتَّى جَرَتِ الْأَوْدِيَةُ، وَامْتَلَأَتِ الطُّرُقْ بِالْوَحْلِ، ثُمَّ جَاءَ الْخَبَرُ مِنَ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَالْجَزِيرَةِ وَدِيَارِ بَكْرٍ، أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا بِالْمَوْصِلِ أَحَدٌ إِلَّا وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَطَرَ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ. وَفِيهَا كَانَ فِي الشِّتَاءِ ثَلْجٌ كَثِيرٌ، وَنَزَلْتُ بِالْعِرَاقِ، فَسَمِعْتُ أَنَّهُ نَزَلَ فِي جَمِيعِ الْعِرَاقِ حَتَّى فِي الْبَصْرَةِ، أَمَّا إِلَى وَاسِطَ فَلَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا الْبَصْرَةُ فَإِنَّ الْخَبَرَ لَمْ يَكْثُرْ عِنْدَنَا بِنُزُولِهِ فِيهَا. وَفِيهَا خُرِّبَتْ قَلْعَةُ الزَّعْفَرَانِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ ، وَهِيَ حِصْنٌ مَشْهُورٌ يُعْرَفُ قَدِيمًا بِدَيْرِ الزَّعْفَرَانِ، وَهُوَ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ قَرِيبٍ مِنْ فرشَابُورَ. وَفِيهَا أَيْضًا خُرِّبَتْ قَلْعَةُ الْجَدِيدَةِ مِنْ بَلَدِ الْهَكَّارِيَّةِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ أَيْضًا، وَأُضِيفَ عَمَلُهَا وَقُرَاهَا إِلَى الْعِمَادِيَّةِ. وَفِيهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ، سَارَ جَلَالُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْمَ شَاهْ مِنْ تِبْرِيزَ إِلَى بَلَدِ الْكُرْجِ قَاصِدًا لِأَخْذِ بِلَادِهِمْ وَاسْتِئْصَالِهِمْ ، وَخَرَجَتِ السَّنَةُ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ شَيْئًا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا فَعَلَهُ بِهِمْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَفِيهَا ثَالِثَ شُبَاطَ، سَقَطَ بِبَغْدَادَ ثَلْجٌ، وَبَرَدَ الْمَاءُ بَرْدًا شَدِيدًا، وَقَوِيَ الْبَرْدُ حَتَّى مَاتَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَرَاءِ. وَفِيهَا فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ، زَادَتْ دِجلَةُ زِيَادَةً عَظِيمَةً، وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِإِصْلَاحِ سَكْرِ الْقُورَجِ، وَخَافُوا، فَبَلَغَتِ الزِّيَادَةُ قَرِيبًا مِنَ الزِّيَادَةِ الْأُولَى، ثُمَّ نَقَصَ الْمَاءُ وَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ.
Grades by grader
No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade