Tarikh (al-Tabari) 6425
The Year 617
مُلْكِ التَّتَرِ هَمَذَانَ وَقَتْلِ أَهْلِهَا لَمَّا تَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ الْإِسْلَامِيُّ عَادَ التَّتَرُ إِلَى هَمَذَانَ فَنَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَكَانَ لَهُمْ بِهَا شِحْنَةٌ يَحْكُمُ فِيهَا، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ لِيَطْلُبَ مِنْ أَهْلِهَا مَالًا وَثِيَابًا، وَكَانُوا قَدْ اسْتَنْفَذُوا أَمْوَالَهُمْ فِي طُولِ الْمُدَّةِ، وَكَانَ رَئِيسُ هَمَذَانَ شَرِيفًا عَلَوِيًّا، وَهُوَ مِنْ بَيْتِ رِئَاسَةٍ قَدِيمَةٍ لِهَذِهِ الْمَدِينَةِ، هُوَ الَّذِي يَسْعَى فِي أُمُورِ أَهْلِ الْبَلَدِ مَعَ التَّتَرِ، وَيُوصِلُ إِلَيْهِمْ مَا يَجْمَعُهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَلَمَّا طَلَبُوا الْآنَ مِنْهُمُ الْمَالَ لَمْ يَجِدْ أَهْلُ هَمَذَانَ مَا يَحْمِلُونَهُ إِلَيْهِمْ، فَحَضَرُوا عِنْدَ الرَّئِيسِ وَمَعَهُ إِنْسَانٌ فَقِيهٌ قَدْ قَامَ فِي اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ عَلَى الْكُفَّارِ قِيَامًا مُرْضِيًا، فَقَالُوا لَهُمَا: هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ قَدْ أَفْنَوْا أَمْوَالَنَا، وَلَمْ يَبْقَ لَنَا مَا نُعْطِيهِمْ، وَقَدْ هَلَكْنَا مِنْ أَخْذِهِمْ أَمْوَالَنَا، وَمَا يَفْعَلُهُ النَّائِبُ عَنْهُمْ بِنَا مِنَ الْهَوَانِ. وَكَانُوا قَدْ جَعَلُوا بِهَمَذَانَ شِحْنَةً لَهُمْ يَحْكُمُ فِي أَهْلِهَا بِمَا يَخْتَارُهُ، فَقَالَ الشَّرِيفُ: إِذَا كُنَّا نَعْجِزُ عَنْهُمْ فَكَيْفَ الْحِيلَةُ ؟ فَلَيْسَ لَنَا إِلَّا مُصَانَعَتُهُمْ بِالْأَمْوَالِ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ أَشَدُّ عَلَيْنَا مِنَ الْكُفَّارِ وَأَغْلَظُوا لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَقَالَ: أَنَا وَاحِدٌ مِنْكُمْ، فَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ. فَأَشَارَ الْفَقِيهُ بِإِخْرَاجِ شِحْنَةِ التَّتَرِ مِنَ الْبَلَدِ وَالِامْتِنَاعِ فِيهِ، وَمُقَاتَلَةِ التَّتَرِ ; فَوَثَبَ الْعَامَّةُ عَلَى الشِّحْنَةِ فَقَتَلُوهُ وَامْتَنَعُوا فِي الْبَلَدِ، فَتَقَدَّمَ التَّتَرُ إِلَيْهِمْ وَحَصَرُوهُمْ، وَكَانَتِ الْأَقْوَاتُ مُتَعَذِّرَةً فِي تِلْكَ الْبِلَادِ جَمِيعِهَا، لِخَرَابِهَا، وَقَتْلِ أَهْلِهَا، وَجَلَاءِ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ، فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى الطَّعَامِ إِلَّا قَلِيلًا، وَأَمَّا التَّتَرُ فَلَا يُبَالُونَ بِعَدَمِ الْأَقْوَاتِ لِأَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ إِلَّا اللَّحْمَ، وَلَا تَأْكُلُ دَوَابُّهُمْ إِلَّا نَبَاتَ الْأَرْضِ، حَتَّى إِنَّهَا تَحْفِرُ بِحَوَافِرِهَا الْأَرْضَ عَنْ عُرُوقِ النَّبَاتِ فَتَأْكُلُهَا. فَلَمَّا حَصَرُوا هَمَذَانَ قَاتَلَهُمْ أَهْلُهَا وَالرَّئِيسُ وَالْفَقِيهُ فِي أَوَائِلِهِمْ، فَقُتِلَ مِنَ التَّتَرِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجُرِحَ الْفَقِيهُ عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ، وَافْتَرَقُوا، ثُمَّ خَرَجُوا مِنَ الْغَدِ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، وَقُتِلَ أَيْضًا مِنَ التَّتَرِ أَكْثَرُ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَجُرِحَ الْفَقِيهُ أَيْضًا عِدَّةَ جِرَاحَاتٍ وَهُوَ صَابِرٌ، وَأَرَادُوا أَيْضًا الْخُرُوجَ، الْيَوْمَ الثَّالِثَ، فَلَمْ يُطِقِ الْفَقِيهُ الرُّكُوبَ، وَطَلَبَ النَّاسُ الرَّئِيسَ الْعَلَوِيَّ فَلَمْ يَجِدُوهُ، كَانَ قَدْ هَرَبَ فِي سِرْبٍ صَنَعَهُ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ هُوَ وَأَهْلُهُ إِلَى قَلْعَةٍ هُنَاكَ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ فَامْتَنَعَ فِيهَا. فَلَمَّا فَقَدَهُ النَّاسُ بَقُوا حَيَارَى لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ، إِلَّا أَنَّهُمُ اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ إِلَى أَنْ يَمُوتُوا، فَأَقَامُوا فِي الْبَلَدِ وَلَمْ يَخْرُجُوا مِنْهُ. وَكَانَ التَّتَرُ قَدْ عَزَمُوا عَلَى الرَّحِيلِ عَنْهُمْ لِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَرَوْا أَحَدًا خَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَلَدِ طَمِعُوا وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ضَعْفِ أَهْلِهِ، فَقَصَدُوهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ بِالسَّيْفِ، وَقَاتَلَهُمُ النَّاسُ فِي الدُّرُوبِ، فَبَطَلَ السِّلَاحُ لِلزَّحْمَةِ، وَاقْتَتَلُوا بِالسَّكَاكِينِ، فَقُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَوِيَ التَّتَرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَفْنَوْهُمْ قَتْلًا، وَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا مَنْ كَانَ عَمِلَ لَهُ نَفَقًا يَخْتَفِي فِيهِ، وَبَقِيَ الْقَتْلُ فِي الْمُسْلِمِينَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَلْقَوُا النَّارَ فِي الْبَلَدِ فَأَحْرَقُوهُ وَرَحَلُوا عَنْهُ إِلَى مَدِينَةِ أَرْدَوِيلَ. وَقِيلَ كَانَ السَّبَبُ فِي مُلْكِهَا أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ لَمَّا شَكَوْا إِلَى الرَّئِيسِ الشَّرِيفِ مَا يَفْعَلُ بِهِمُ الْكُفَّارُ، أَشَارَ عَلَيْهِمْ بِمُكَاتَبَةِ الْخَلِيفَةِ لِيُنْفِذَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا مَعَ أَمِيرٍ يَجْمَعُ كَلِمَتَهُمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يُنْهِي إِلَيْهِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالذُّلِّ، وَمَا يَرْكَبُهُمْ بِهِ الْعَدُوُّ مِنَ الصَّغَارِ وَالْخِزْيِ، وَيَطْلُبُ نَجْدَةً وَلَوْ أَلْفَ فَارِسٍ مَعَ أَمِيرٍ يُقَاتِلُونَ مَعَهُ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَارَ الْقُصَّادُ بِالْكُتُبِ أَرْسَلَ بَعْضُ مَنْ عَلِمَ بِالْحَالِ إِلَى التَّتَرِ يُعْلِمُهُمْ ذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَذُوهُمْ وَأَخَذُوا الْكُتُبَ مِنْهُمْ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الرَّئِيسِ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ الْحَالَ، فَجَحَدَ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ كُتُبَهُ وَكُتُبَ الْجَمَاعَةِ، فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ التَّتَرُ حِينَئِذٍ وَقَاتَلُوهُمْ، وَجَرَى فِي الْقِتَالِ كَمَا ذَكَرْنَا.
Grades by grader
No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade