Tarikh (al-Tabari) 6298
The year 600 of the Hijrah
عَوْدِ شِهَابِ الدِّينِ مِنَ الْهِنْدِ وَحَصْرِهِ خُوَارِزْمَ وَانْهِزَامِهِ مِنَ الْخَطَا فِي سَنَةُ سِتِّمِائَةٍ، فِي رَمَضَانَ، عَادَ شِهَابُ الدِّينِ الْغُورِيُّ إِلَى خُرَاسَانَ مِنْ قَصْدِ الْهِنْدِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ حَصْرُ خُوَارِزْمَ شَاهْ هَرَاةَ، وَمَوْتُ أَلْب غَازِي نَائِبَهُ بِهَا، فَعَادَ حَنِقًا عَلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَلَمَّا بَلَغَ مَيْمَنْدَ عَدَلَ عَلَى طَرِيقٍ أُخْرَى قَاصِدًا إِلَى خُوَارِزْمَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُوَارِزْمُ شَاهْ يَقُولُ لَهُ: ارْجِعْ إِلَيَّ لِأُحَارِبَكَ، وَإِلَّا سِرْتُ إِلَى هَرَاةَ، وَمِنْهَا إِلَى غَزْنَةَ. وَكَانَ خُوَارِزْمُ شَاهْ قَدْ سَارَ مِنْ سَرَخْسَ إِلَى مَرْوَ، فَأَقَامَ بِظَاهِرِهَا، فَأَعَادَ إِلَيْهِ شِهَابُ الدِّينِ جَوَابَهُ: لَعَلَّكَ تَنْهَزِمُ كَمَا فَعَلْتَ تِلْكَ الدَّفْعَةَ، لَكِنَّ خُوَارِزْمَ تَجْمَعُنَا، فَفَرَّقَ خُوَارِزْمُ شَاهْ عَسَاكِرَهُ، وَأَحْرَقَ مَا جَمَعَهُ مِنَ الْعَلَفِ، وَرَحَلَ يُسَابِقُ شِهَابَ الدِّينِ إِلَى خُوَارِزْمَ، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا، فَقَطَعَ الطَّرِيقَ وَأَجْرَى الْمِيَاهَ فِيهَا، فَتَعَذَّرَ عَلَى شِهَابِ الدِّينِ سُلُوكُهَا، وَأَقَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُصْلِحُهَا حَتَّى أَمْكَنَهُ الْوُصُولُ إِلَى خُوَارِزْمَ، وَالتَقَى الْعَسْكَرَانِ بِسُوقَرَا، وَمَعْنَاهُ الْمَاءُ الْأَسْوَدُ، فَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ كَثُرَ الْقَتْلَى فِيهِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَمِمَّنْ قُتِلَ مِنَ الْغُورِيَّةِ الْحُسَيْنُ الْمَرْغَنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأُسِرُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْخُوَارِزْمِيَّةِ. فَأَمَرَ شِهَابُ الدِّينِ بِقَتْلِهِمْ فَقُتِلُوا. وَأَرْسَلَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى الْأَتْرَاكِ الْخَطَا يَسْتَنْجِدُهُمْ، وَهُمْ حِينَئِذٍ أَصْحَابُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، فَاسْتَعَدُّوا، وَسَارُوا إِلَى بِلَادِ الْغُورِيَّةِ، فَلَمَّا بَلَغَ شِهَابَ الدِّينِ ذَلِكَ عَادَ عَنْ خُوَارِزْمَ، فَلَقِيَ أَوَائِلَهُمْ فِي صَحْرَاءِ أَنْدَخُوِي أَوَّلَ صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، فَقَتَلَ فِيهِمْ وَأَسَرَ كَثِيرًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي دَهَمَهُ مِنَ الْخَطَا مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ انْهَزَمَ الْحُسَيْنُ بْنُ خَرْمِيلَ صَاحِبُ طَالْقَانَ، وَتَبِعَهُ النَّاسُ، وَبَقِيَ شِهَابُ الدِّ?نِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَقَتَلَ بِيَدِهِ أَرْبَعَةَ أَفْيَالٍ لِأَنَّهَا أَعْيَتْ، وَأَخَذَ الْكُفَّارُ فِيلَيْنِ، وَدَخَلَ شِهَابُ الدِّينِ أَنْدَخُوِي فِيمَنَ مَعَهُ، وَحَصَرَهُ الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُمْ فِيلًا آخَرَ، فَفَعَلَ وَخَلُصَ. وَوَقَعَ الْخَبَرُ فِي جَمِيعِ بِلَادِهِ بِأَنَّهُ قَدْ عُدِمَ، وَكَثُرَتِ الْأَرَاجِيفُ بِذَلِكَ، ثُمَّ وَصَلَ إِلَى الطَّالْقَانِ فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ، وَقَدْ قُتِلَ أَكْثَرُ عَسْكَرِهِ، وَنُهِبَتْ خَزَائِنُهُ جَمِيعُهَا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ، فَأَخْرَجَ لَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ خَرْمِيلَ صَاحِبُ الطَّالْقَانِ خِيَامًا وَجَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَسَارَ إِلَى غَزْنَةَ، وَأَخَذَ مَعَهُ الْحُسَيْنَ بْنَ خَرْمِيلَ ; لِأَنَّهُ قِيلَ لَهُ عَنْهُ إِنَّهُ شَدِيدُ الْخَوْفِ لِانْهِزَامِهِ، وَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا سَارَ السُّلْطَانُ هَرَبْتُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ، وَجَعَلَهُ أَمِيرَ حَاجِبَ. وَلَمَّا وَقَعَ الْخَبَرُ بِقَتْلِهِ جَمَعَ تَاجُ الدِّينِ أَلْدِزُ، وَهُوَ مَمْلُوكٌ اشْتَرَاهُ شِهَابُ الدِّينِ، أَصْحَابَهُ وَقَصَدَ قَلْعَةَ غَزْنَةَ لِيَصْعَدَ إِلَيْهَا، فَمَنَعَهُ مُسْتَحْفِظُهَا، فَعَادَ إِلَى دَارِهِ، فَأَقَامَ بِهَا، وَأَفْسَدَ الْخُلْجُ وَسَائِرُ الْمُفْسِدِينَ فِي الْبِلَادِ، وَقَطَعُوا الطُّرُقَ، وَقَتَلُوا كَثِيرًا، فَلَمَّا عَادَ شِهَابُ الدِّينِ إِلَى غَزْنَةَ بَلَغَهُ مَا فَعَلَهُ أَلْدِزُ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ سَائِرُ الْمَمَالِيكِ، فَأَطْلَقُهُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ، وَسَارَ شِهَابُ الدِّينِ فِي الْبِلَادِ، فَقَتَلَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ مِنْ تِلْكَ الْأُمَمِ نَفَرًا كَثِيرًا. وَكَانَ لَهُ أَيْضًا مَمْلُوكٌ آخَرُ اسْمُهُ أَيْبَكُ بَالْ تَرْ، فَسَلِمَ مِنَ الْمَعْرَكَةِ وَلَحِقَ بِالْهِنْدِ، وَدَخَلَ الْمُولِتَانَ، وَقَتَلَ نَائِبَ السُّلْطَانِ بِهَا وَمَلَكَ الْبَلَدَ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ السُّلْطَانِيَّةَ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَالَ: قُتِلَ السُّلْطَانُ، وَأَنَا السُّلْطَانُ، وَكَانَ يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُحَسِّنُهُ لَهُ إِنْسَانٌ اسْمُهُ عُمَرُ بْنُ يَزَانَ، وَكَانَ زِنْدِيقًا، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، وَجَمَعَ الْمُفْسِدِينَ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ، فَأَخَافَ الطَّرِيقَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ فَسَارَ إِلَى الْهِنْدِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا، فَأَخَذُوهُ وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ [ يَزَانَ ] فَقَتَلَهُمَا أَقْبَحَ قِتْلَةٍ، وَقَتَلَ مَنْ وَافَقَهُمَا، فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّمِائَةٍ، وَلَمَّا رَآهُمْ قَتْلَى قَرَأَ ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ) الْآيَةَ، وَأَمَرَ شِهَابُ الدِّينِ فَنُودِيَ فِي جَمِيعِ بِلَادِهِ بِالتَّجَهُّزِ لِقِتَالِ الْخَطَا وَغَزْوِهِمْ وَالْأَخْذِ بِثَأْرِهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ انْهِزَامِهِ أَنَّهُ لَمَّا عَادَ إِلَى الْخَطَا مِنْ خُوَارِزْمَ فَرَّقَ عَسْكَرَهُ فِي الْمَفَازَةِ الَّتِي فِي طَرِيقِهِ لِقِلَّةِ الْمَاءِ، وَكَانَ الْخَطَا قَدْ نَزَلُوا عَلَى طَرِيقِ الْمَفَازَةِ، فَكُلَّمَا خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِهِ طَائِفَةٌ فَتَكُوا فِيهِمْ بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَمَنْ سَلِمَ مِنْ عَسْكَرِهِ انْهَزَمَ نَحْوَ الْبِلَادِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ أَحَدٌ يُعْلِمُ الْحَالَ، وَجَاءَ شِهَابُ الدِّينِ فِي سَاقَةِ الْعَسْكَرِ فِي عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَلَمْ يَعْلَمِ الْحَالَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْبَرِّيَّةِ لَقِيَهُ الْخَطَا مُسْتَرِيحِينَ، وَهُوَ وَمَنْ مَعَهُ قَدْ تَعِبُوا وَأُعْيُوا، وَكَانَ الْخَطَا أَضْعَافَ أَصْحَابِهِ، فَقَاتَلَهُمْ عَامَّةَ نَهَارِهِ، وَحَمَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ، وَحَصَرُوهُ فِي أَنْدَخُوِي، فَجَرَى بَيْنَهُمْ فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَصَافًّا مِنْهَا مَصَافٌّ وَاحِدٌ كَانَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغَدِ بُكْرَةً، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ سَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ لَيْلًا سِرًّا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ بُكْرَةً كَأَنَّهُمْ قَدْ أَتَوْهُ مَدَدًا مِنْ بِلَادِهِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ خَافَهُ الْخَطَا، وَقَالَ لَهُمْ صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ وَكَانَ مُسْلِمًا، وَهُوَ فِي طَاعَةِ الْخَطَا، وَقَدْ خَافَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ إِنْ هُمْ ظَفِرُوا بِشِهَابِ الدِّينِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَا تَجِدُونَهُ قَطُّ أَضْعَفَ مِنْهُ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَفَازَةِ، وَمَعَ ضَعْفِهِ وَتَعَبِهِ وَقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ لَمْ نَظْفَرْ بِهِ، وَالْأَمْدَادُ أَتَتْهُ وَكَأَنَّكُمْ بِعَسَاكِرِهِ، وَقَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ، وَحِينَئِذٍ نَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْهُ فَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالرَّأْيُ لَنَا الصُّلْحُ مَعَهُ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فِي الصُّلْحِ. وَكَانَ صَاحِبُ سَمَرْقَنْدَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَعَرَّفَهُ الْحَالَ سِرًّا، وَأَمَرَهُ بِإِظْهَارِ الِامْتِنَاعِ مِنَ الصُّلْحِ أَوَّلًا وَالْإِجَابَةِ إِلَيْهِ أَخِيرًا، فَلَمَّا أَتَتْهُ الرُّسُلُ امْتَنَعَ، وَأَظْهَرَ الْقُوَّةَ بِانْتِظَارِ الْأَمْدَادِ، وَطَالَ الْكَلَامُ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ الْخَطَا لَا يَعْبُرُونَ النَّهْرَ إِلَى بِلَادِهِ، وَلَا هُوَ يَعْبُرُهُ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَرَجَعُوا عَنْهُ وَخَلُصَ هُوَ وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَالْبَاقِي نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ.
Grades by grader
No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade