Tarikh (al-Tabari) 6270
Then the year 595 AH began
رَحِيلِ عَسْكَرِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ عَنْ مَارْدِينَ فِي سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ زَالَ الْحِصَارُ عَنْ مَارْدِينَ، وَرَحَلَ عَسْكَرُ الْمَلِكِ الْعَادِلِ عَنْهَا مَعَ وَلَدِهِ الْمَلِكِ الْكَامِلِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَادِلَ لَمَّا حَصَرَ مَارْدِينَ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَغَيْرِهِ مِنْ مُلُوكِ دِيَارِ بَكْرٍ وَالْجَزِيرَةِ، وَخَافُوا إِنْ مَلَكَهَا أَنْ لَا يُبْقِيَ عَلَيْهِمْ، إِلَّا أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ مَنْعِهِ [ حَمَلَهُمْ ] عَلَى طَاعَتِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْعَزِيزُ، صَاحِبُ مِصْرَ، وَمَلَكَ الْأَفْضَلُ مِصْرَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَادِلِ اخْتِلَافٌ، وَأَرْسَلَ أَحَدَ عَسْكَرِ مِصْرَ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى مُوَافَقَتِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا رَحَلَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ عَنْ مَارْدِينَ إِلَى دِمَشْقَ - كَمَا ذَكَرْنَاهُ - بَرَزَ نُورُ الدِّينِ أَرَسِلَانُ شَاه بْنُ مَسْعُودِ بْنِ مَوْدُودٍ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ، عَنْهَا ثَانِيَ شَعْبَانَ، وَسَارَ إِلَى دُنَيْسَرَ فَنَزَلَ عَلَيْهَا، وَوَافَقَهُ ابْنُ عَمِّهِ قُطْبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ زِنْكِي بْنِ مَوْدُودٍ صَاحِبُ سِنْجَارَ، وَابْنُ عَمِّهِ الْآخَرِ مُعِزُّ الدِّينِ سَنْجَرُ شَاهْ بْنُ غَازِي بْنِ مَوْدُودٍ صَاحِبُ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ بِدُنَيْسَرَ إِلَى أَنْ عَيَّدُوا عِيدَ الْفِطْرِ، ثُمَّ سَارُوا عَنْهَا سَادِسَ شَوَّالٍ وَنَزَلُوا بِحَرْزَمَ، وَتَقَدَّمَ الْعَسْكَرُ إِلَى تَحْتِ الْجَبَلِ لِيَرْتَادُوا مَوْضِعًا لِلنُّزُولِ. وَكَانَ أَهْلُ مَارْدِينَ قَدْ عُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ عِنْدَهُمْ، وَكَثُرَتِ الْأَمْرَاضُ فِيهِمْ، حَتَّى إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ كَانَ لَا يُطِيقُ الْقِيَامَ، فَلَمَّا رَأَى النِّظَامُ، وَهُوَ الْحَاكِمُ فِي دَوْلَةِ صَاحِبِهَا، ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْعَادِلِ فِي تَسْلِيمِ الْقَلْعَةِ إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ذَكَرَهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يَتْرُكَهُمْ يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمِيرَةِ مَا يُقَوِّتُهُمْ، حَسْبُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَتَحَالَفُوا عَلَيْهِ وَرَفَعُوا أَعْلَامَهُمْ إِلَى رَأْسِ الْقَلْعَةِ، وَجَعَلَ وَلَدُ الْعَادِلِ بِبَابِ الْقَلْعَةِ أَمِيرًا لَا يَتْرُكُ شَيْئًا يَدْخُلُهَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ إِلَّا مَا يَكْفِيهِمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَأَعْطَى مَنْ بِالْقَلْعَةِ ذَلِكَ الْأَمِيرَ شَيْئًا، فَمَكَّنَهُمْ مِنْ إِدْخَالِ الذَّخَائِرِ الْكَثِيرَةِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُمْ خَبَرُ وُصُولِ نُورِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ عَسْكَرُهُ إِلَى ذَيْلِ جَبَلِ مَارْدِينَ، قَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ الْمَلِكَ الْكَامِلَ بْنَ الْعَادِلِ نَزَلَ بِعَسْكَرٍ مِنْ رَبَضِ مَارْدِينَ إِلَى لِقَاءِ نُورِ الدِّينِ وَقِتَالِهِ، وَلَوْ أَقَامُوا بِالرَّبَضِ لَمْ يُمْكِنْ نُورَ الدِّينِ وَلَا غَيْرَهُ الصُّعُودُ إِلَيْهِمْ، وَلَا إِزَالَتَهُمْ، لَكِنْ نَزَلُوا لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، فَلَمَّا أَصْحَرُوا مِنَ الْجَبَلِ اقْتَتَلُوا، وَكَانَ مِنْ عَجِيبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّ قُطْبَ الدِّينِ - صَاحِبَ سِنْجَارَ - قَدْ وَاعَدَ الْعَسْكَرَ الْعَادِلِيَّ أَنْ يَنْهَزِمَ إِذَا الْتَقَوْا، وَلَمْ يُعْلِمْ بِذَلِكَ أَحَدًا مِنَ الْعَسْكَرِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ الْعَسْكَرُ الْعَادِلِيُّ وَاصْطَفَّتِ الْعَسَاكِرُ لِلْقِتَالِ أَلْجَأَتْ قُطْبَ الدِّينِ الضَّرُورَةُ بِالزَّحْمَةِ إِلَى أَنْ وَقَفَ فِي سَفْحِ شِعْبِ جَبَلِ مَارْدِينَ لَيْسَ إِلَيْهِ طَرِيقٌ لِلْعَسْكَرِ الْعَادِلِيِّ، وَلَا يَرَى الْحَرْبَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُورِ الدِّينِ، فَفَاتَهُ مَا أَرَادَهُ مِنَ الِانْهِزَامِ، فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ وَاقْتَتَلُوا، وَحَمَلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ نُورُ الدِّينِ بِنَفْسِهِ، وَاصْطَلَى الْحَرْبُ، [ فَأَلْقَى ] النَّاسُ أَنْفُسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَانْهَزَمَ الْعَسْكَرُ الْعَادِلِيُّ وَصَعِدُوا فِي الْجَبَلِ إِلَى الرَّبَضِ، وَأُسِرَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، فَحَمَلُوا إِلَى بَيْنِ يَدَيْ نُورِ الدِّينِ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَوَعَدَهُمُ الْإِطْلَاقَ إِذَا انْفَصَلُوا، وَلَمْ يَظُنَّ أَنَّ الْمَلِكَ الْكَامِلَ وَمَنْ مَعَهُ يَرْحَلُونَ عَنْ مَارْدِينَ سَرِيعًا، فَجَاءَهُمْ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ فِي الْحِسَابِ، فَإِنَّ الْمَلِكَ الْكَامِلَ لَمَّا صَعِدَ إِلَى الرَّبَضِ رَأَى أَهْلَ الْقَلْعَةِ قَدْ نَزَلُوا إِلَى الَّذِينَ جَعَلَهُمْ بِالرَّبَضِ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَقَاتَلُوهُمْ وَنَالُوا مِنْهُمْ وَنَهَبُوهُمْ، فَأَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْجَمِيعِ، فَأَعْمَلُوا رَأْيَهُمْ عَلَى مُفَارَقَةِ الرَّبَضِ لَيْلًا، فَرَحَلُوا لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ شَوَّالٍ، وَتَرَكُوا كَثِيرًا مِنْ أَثْقَالِهِمْ وَرِحَالِهِمْ وَمَا أَعَدُّوهُ، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الْقَلْعَةِ، وَلَوْ ثَبَتَ الْعَسْكَرُ الْعَادِلِيُّ بِمَكَانِهِ لَمْ يُمَكِّنْ أَحَدًا أَنْ يَقْرَبَ مِنْهُمْ. وَلَمَّا رَحَلُوا نَزَلَ صَاحِبُ مَارْدِينَ حُسَامُ الدِّينِ يَوْلَقُ بْنُ إِيلِغَازِي إِلَى نُورِ الدِّينِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى حِصْنِهِ، وَعَادَ أَتَابِكُ إِلَى دُنَيْسَرَ، وَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ عَلَى عَزْمِ قَصْدِ حَرَّانَ وَحَصَرِهَا. فَأَتَاهُ الرَّسُولُ مِنَ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ وَالسِّكَّةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَتَغَيَّرَتْ نِيَّةُ نُورِ الدِّينِ، وَفَتَرَ عَزْمُهُ عَنْ نُصْرَتِهِمْ، فَعَزَمَ عَلَى الْعُودِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَهُوَ يُقَدِّمُ إِلَى الْعَرْضِ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى إِذْ أَصَابَهُ مَرَضٌ، فَتَحَقَّقَ عَزْمُ الْعُودِ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَعَادَ إِلَيْهَا، وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى الْمَلِكِ الْأَفْضَلِ وَالْمَلِكِ الظَّاهِرِ يَعْتَذِرُ عَنْ عَوْدِهِ بِمَرَضِهِ، فَوَصَلَ الرَّسُولُ ثَانِيَ ذِي الْحِجَّةِ إِلَيْهِمْ وَهُمْ عَلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ عَوْدُ نُورِ الدِّينِ مِنْ سَعَادَةِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَإِنَّهُ كَانَ هُوَ وَكُلُّ مَنْ عِنْدَهُ يَنْتَظِرُونَ مَا يَجِيءُ مِنْ أَخْبَارِهِ. فَإِنَّ مَنْ بِحَرَّانَ اسْتَسْلَمُوا فَقَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ عَادَ، فَلَمَّا عَادَ جَاءَ الْمَلِكُ الْكَامِلُ إِلَى حَرَّانَ، وَكَانَ قَدْ سَارَ عَنْ مَارْدِينَ إِلَى مَيَّافَارِقِينَ، فَلَمَّا رَجَعَ نُورُ الدِّينِ سَارَ الْكَامِلُ إِلَى حَرَّانَ، وَسَارَ إِلَى أَبِيهِ بِدِمَشْقَ - عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ -، فَازْدَادَ بِهِ قُوَّةً، وَالْأَفْضَلُ وَمَنْ مَعَهُ ضَعْفًا.
Grades by grader
No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade