MajelisNoteDalilدليل

Tarikh (al-Tabari) 6210

Then the year 587 AH began

رَحِيلِ الْفِرِنْجِ إِلَى نَاحِيَةِ عَسْقَلَانَ وَتَخْرِيبِهَا   لَمَّا فَرَغَ الْفِرِنْجُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - مِنْ إِصْلَاحِ أَمْرِ عَكَّا، بَرَزُوا مِنْهَا فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ، وَسَارُوا مُسْتَهَلَّ شَعْبَانَ نَحْوَ حَيْفَا مَعَ شَاطِئِ الْبَحْرِ لَا يُفَارِقُونَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ بِرَحِيلِهِمْ نَادَى فِي عَسْكَرِهِ بِالرَّحِيلِ فَسَارُوا. وَكَانَ عَلَى الْيَزَكِ ذَلِكَ الْيَوْمَ الْمَلِكُ الْأَفْضَلُ وَلَدُ صَلَاحِ الدِّينِ، وَمَعَهُ سَيْفُ الدِّينِ إِيَازَكُوشُ وَعِزُّ الدِّينِ جُورْدِيكَ، وَعِدَّةٌ مِنْ شُجْعَانِ الْأُمَرَاءِ، فَضَايَقُوا الْفِرِنْجَ فِي مَسِيرِهِمْ، وَأَرْسَلُوا عَلَيْهِمْ مِنَ السِّهَامِ مَا كَادَ يَحْجُبُ الشَّمْسَ، وَوَقَعُوا عَلَى سَاقَةِ الْفِرِنْجِ، فَقَتَلُوا مِنْهَا جَمَاعَةً، وَأَسَرُوا جَمَاعَةً. وَأَرْسَلَ الْأَفْضَلُ إِلَى وَالِدِهِ يَسْتَمِدُّهُ وَيُعَرِّفُهُ الْحَالَ، فَأَمَرَ الْعَسَاكِرَ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَاعْتَذَرُوا بِأَنَّهُمْ مَا رَكِبُوا بِأُهْبَةِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا كَانُوا عَلَى عَزْمِ الْمَسِيرِ لَا غَيْرَ، فَبَطَلَ الْمَدَدُ وَعَادَ مَلِكُ الْإِنْكِلْتَارِ إِلَى سَاقَةِ الْفِرِنْجِ، فَحَمَاهَا، وَجَمَعَهُمْ، وَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا حَيْفَا. فَنَزَلُوا بِهَا. وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بِقَيْمُونَ - قَرْيَةٌ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ - وَأَحْضَرَ الْفِرِنْجُ مِنْ عَكَّا عِوَضَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَأُسِرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَعِوَضَ مَا هَلَكَ مِنَ الْخَيْلِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى قَيْسَارِيَّةَ، وَالْمُسْلِمُونَ يُسَايِرُونَهُمْ وَيَتَخَطَّفُونَ مِنْهُمْ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ فَيَقْتُلُونَهُ، لِأَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ كَانَ قَدْ أَقْسَمَ أَنَّهُ لَا يَظْفَرُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَتَلَهُ بِمَنْ قَتَلُوا مِمَّنْ كَانَ بِعَكَّا. فَلَمَّا قَارَبُوا قَيْسَارِيَّةَ لَاصَقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَنَالُوا مِنْهُمْ نَيْلًا كَثِيرًا، وَنَزَلَ الْفِرِنْجُ بِهَا، وَبَاتَ الْمُسْلِمُونَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا نَزَلُوا خَرَجَ مِنَ الْفِرِنْجِ جَمَاعَةٌ فَأَبْعَدُوا عَنْ جَمَاعَتِهِمْ، فَأَوْقَعَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْيَزَكِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَأَسَرُوا، ثُمَّ سَارُوا مِنْ قَيْسَارِيَّةَ إِلَى أَرْسُوفَ. وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ سَبَقُوهُمْ إِلَيْهَا، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ مُسَايَرَتُهُمْ لِضِيقِ الطَّرِيقِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهِمْ حَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً مُنْكَرَةً وَأَلْحَقُوهُمْ بِالْبَحْرِ، وَدَخَلَهُ بَعْضُهُمْ فَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ. فَلَمَّا رَأَى الْفِرِنْجُ ذَلِكَ اجْتَمَعُوا، وَحَمَلَتِ الْخَيَّالَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ. وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْخَيَّالَةِ وَالسُّوقَةِ قَدْ أَلِفُوا الْقِيَامَ وَقْتَ الْحَرْبِ قَرِيبًا مِنَ الْمَعْرَكَةِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ كَانُوا عَلَى حَالِهِمْ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ قُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَالْتَجَأَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى الْقَلْبِ، وَفِيهِ صَلَاحُ الدِّينِ. فَلَوْ عَلِمَ الْفِرِنْجُ أَنَّهَا هَزِيمَةٌ لَتَبِعُوهُمْ وَاسْتَمَرَّتِ الْهَزِيمَةُ وَهَلَكَ الْمُسْلِمُونَ، لَكِنْ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ شَعَرَةٌ كَثِيرَةُ الشَّجَرِ فَدَخَلُوهَا، وَظَنَّهَا الْفِرِنْجُ مَكِيدَةً، فَعَادُوا، وَزَالَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ ضِيقٍ، وَقُتِلَ مِنَ الْفِرِنْجِ كَنْدٌ كَبِيرٌ مِنْ طَوَاغِيتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ الْجَيْشُ فَرَّ عَنِ السُّلْطَانِ فِي أَوَّلِ الْوَاقِعَةِ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ سِوَى سَبْعَةَ عَشَرَ مُقَاتِلًا، وَهُوَ ثَابِتٌ صَابِرٌ وَالْكُوسُ تُدَقُّ لَا تَفْتُرُ وَالْأَعْلَامُ مَنْشُورَةٌ ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ فَكَانَتِ النُّصْرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْكَرَّةُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَمْلُوكٌ لِصَلَاحِ الدِّينِ اسْمُهُ أَيَازُ الطَّوِيلُ، وَهُوَ مِنَ الْمَوْصُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ وَالشَّهَامَةِ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ. فَلَمَّا نَزَلَ الْفِرِنْجُ نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ وَأَعِنَّةُ خَيْلِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ سَارَ الْفِرِنْجُ إِلَى يَافَا فَنَزَلُوهَا، وَلَمْ يَكُنْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَمَلَكُوهَا. وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْسُوفَ مِنَ الْهَزِيمَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ، سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْهُمْ إِلَى الرَّمْلَةِ، وَاجْتَمَعَ بِأَثْقَالِهِ بِهَا، وَجَمَعَ الْأُمَرَاءَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَفْعَلُ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَخْرِيبِ عَسْقَلَانَ. وَقَالُوا لَهُ: قَدْ رَأَيْتَ مَا كَانَ مِنَّا بِالْأَمْسِ، وَإِذَا جَاءَ الْفِرِنْجُ إِلَى عَسْقَلَانَ وَوَقَفْنَا فِي وُجُوهِهِمْ نَصُدُّهُمْ عَنْهَا، فَهُمْ لَا شَكَّ يُقَاتِلُونَنَا لِنَنْزَاحَ عَنْهَا فَيَنْزِلُوا عَلَيْهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ عُدْنَا إِلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ عَلَى عَكَّا وَيَعْظُمُ الْأَمْرُ عَلَيْنَا، لِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ قَوِيَ بِأَخْذِ عَكَّا وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَسْلِحَةِ وَغَيْرِهَا، وَضَعُفْنَا نَحْنُ بِمَا خَرَجَ عَنْ أَيْدِينَا، وَلَمْ تَطُلِ الْمُدَّةُ حَتَّى نَسْتَجِدَّ غَيْرَهَا. فَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِتَخْرِيبِهَا، وبَاتَ السُّلْطَانُ لَيْلَتَهُ مُفَكِّرًا فِي ذَلِكَ، وَلَمَّا أَصْبَحَ وَقَدْ أَوْقَعَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ أَنَّ خَرَابَهَا هُوَ الْمَصْلَحَةُ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِمَنْ حَضَرَهُ وَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَمَوْتُ جَمِيعِ أَوْلَادِي أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ تَخْرِيبِ حَجَرٍ وَاحِدٍ مِنْهَا، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ هَذَا فِيهِ مُصْلِحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ طَلَبَ الْوُلَاةَ وَأَمَرَهُمْ بِتَخْرِيبِ الْبَلَدِ سَرِيعًا قَبْلَ وُصُولِ الْعَدُوِّ الْمَخْذُولِ فَشَرَعَ النَّاسُ فِي خَرَابِهِ، وَأَهْلُهُ وَمَنْ حَضَرَهُ يَتَبَاكُونَ عَلَى حُسْنِهِ وَطِيبِ مَقِيلِهِ وَكَثْرَةِ زُرُوعِهِ وَثِمَارِهِ وَغَزَارَةِ أَنْهَارِهِ وَنَضَارَةِ أَزْهَارِهِ، وَأُلْقِيَتِ النِّيرَانُ فِي أَرْجَائِهِ وَجَوَانِبِهِ وَخُرِّبَتْ قُصُورُهُ وَدُورُهُ وَأَسْوَاقُهُ وَرِحَابُهُ، وَأُتْلِفَ مَا فِيهِ مِنَ الْغَلَّاتِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَحْوِيلُهَا وَلَا نَقْلُهَا، وَلَمْ يَزَلِ الْخَرَابُ وَالْحَرِيقُ فِيهِ إِلَى سَلْخِ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَهَلَكَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ الَّتِي لِلسُّلْطَانِ وَالرَّعِيَّةِ مَا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ، وَعُفِيَ أَثَرُهَا حَتَّى لَا يَبْقَى لِلْفِرِنْجِ فِي قَصْدِهَا مَطْمَعٌ. وَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِتَخْرِيبِهَا أَقَامُوا مَكَانَهُمْ وَلَمْ يَسِيرُوا إِلَيْهَا، وَكَانَ الْمَرْكِيسُ، لَعَنَهُ اللَّهُ لَمَّا أَخَذَ الْفِرِنْجُ عَكَّا قَدْ أَحَسَّ مِنْ مَلِكِ إِنْكِلْتَارَ الْغَدْرَ بِهِ، فَهَرَبَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى مَدِينَةِ صُورَ، وَهِيَ لَهُ وَبِيَدِهِ، وَكَانَ رَجُلُ الْفِرِنْجِ رَأْيًا وَشَجَاعَةً، وَكُلُّ هَذِهِ الْحُرُوبِ هُوَ أَثَارَهَا. فَلَمَّا خُرِّبَتْ عَسْقَلَانُ أَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ إِنْكِلْتَارَ يَقُولُ لَهُ: مِثْلُكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَلِكًا وَيَتَقَدَّمَ عَلَى الْجُيُوشِ، تَسْمَعُ أَنَّ صَلَاحَ الدِّينِ قَدْ خَرَّبَ عَسْقَلَانَ، وَتُقِيمُ مَكَانَكَ يَا جَاهِلُ ؟ لَمَّا بَلَغَكَ أَنَّهُ قَدْ شَرَعَ فِي تَخْرِيبِهَا كُنْتَ سِرْتَ إِلَيْهِ مُجِدًّا فَرَحَّلْتَهُ وَمَلَكْتَهَا صَفْوًا بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا حِصَارٍ، فَإِنَّهُ مَا خَرَّبَهَا إِلَّا وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ حِفْظِهَا، وَحَقِّ الْمَسِيحِ لَوْ أَنَّنِي مَعَكَ كَانَتْ عَسْقَلَانُ الْيَوْمَ بِأَيْدِينَا لَمْ يُخَرَّبْ مِنْهَا غَيْرُ بُرْجٍ وَاحِدٍ. فَلَمَّا خُرِّبَتْ عَسْقَلَانُ رَحَلَ صَلَاحُ الدِّينِ عَنْهَا ثَانِيَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَمَضَى إِلَى الرَّمْلَةِ فَخَرَّبَ حِصْنَهَا وَخَرَّبَ كَنِيسَةَ لُدٍّ، وَفِي مُدَّةِ مُقَامِهِ لِتَخْرِيبِ عَسْقَلَانَ كَانَتِ الْعَسَاكِرُ مَعَ الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ تُجَاهَ الْفِرِنْجِ، ثُمَّ سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْقُدْسِ بَعْدَ تَخْرِيبِ الرَّمْلَةِ، فَاعْتَبَرَهُ وَمَا فِيهِ مِنْ سِلَاحٍ وَذَخَائِرَ، وَقَرَّرَ قَوَاعِدَهُ وَأَسْبَابَهُ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَعَادَ إِلَى الْمُخَيَّمِ ثَامِنَ رَمَضَانَ. وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ خَرَجَ مَلِكُ إِنْكِلْتَارَ مِنْ يَافَا. وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ مِنْ مُعَسْكَرِهِمْ، فَوَقَعَ بِهِ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَادَ مَلِكُ إِنْكِلْتَارَ يُؤْسَرُ، فَفَدَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِنَفْسِهِ، فَتَخَلَّصَ الْمَلِكُ وَأُسِرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ. وَفِيهَا أَيْضًا كَانَتْ وَقْعَةٌ بَيْنَ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْفِرِنْجِ انْتَصَرَ [ فِيهَا ] الْمُسْلِمُونَ.

Grades by grader

No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade

Something wrong with this text or grade? Tell us