MajelisNoteDalilدليل

Tarikh (al-Tabari) 5955

Then the year 559 AH began

ذِكْرُ وَفَاةِ جَمَالِ الدِّينِ الْوَزِيرِ  وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ وفاته وما حدث وهو في حبسه فِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ الْأَصْفَهَانِيُّ، وَزِيرُ قُطْبِ الدِّينِ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، فِي شَعْبَانَ مَقْبُوضًا، وَكَانَ قَدْ قُبِضَ عَلَيْهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، فَبَقِيَ فِي الْحَبْسِ نَحْوَ سَنَةٍ. حَكَى لِي إِنْسَانٌ صُوفِيٌّ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْقَاسِمِ كَانَ مُخْتَصًّا بِخِدْمَتِهِ فِي الْحَبْسِ، قَالَ: لَمْ يَزَلْ مَشْغُولًا فِي مَحْبِسِهِ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أُنْقَلَ مِنَ الدَّسْتِ إِلَى الْقَبْرِ، فَلَمَّا مَرِضَ قَالَ لِي فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ ! إِذَا جَاءَ طَائِرٌ أَبْيَضُ إِلَى الدَّارِ، فَعَرِّفْنِي. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي قَدِ اخْتَلَطَ عَقْلُهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَكْثَرَ السُّؤَالَ عَنْهُ، وَإِذَا طَائِرٌ أَبْيَضُ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَدْ سَقَطَ، فَقُلْتُ: جَاءَ الطَّائِرُ، فَاسْتَبْشَرَ، ثُمَّ قَالَ: جَاءَ الْحَقُّ، وَأَقْبَلَ عَلَى الشَّهَادَةِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ طَارَ ذَلِكَ الطَّائِرُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ رَأَى شَيْئًا فِي مَعْنَاهُ. وَدُفِنَ بِالْمَوْصِلِ عِنْدَ فَتْحِ الْكَرَامِيِّ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، نَحْوَ سَنَةٍ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ حَرَمِ النَّبِيِّ، ﷺ، فِي رِبَاطٍ بَنَاهُ لِنَفْسِهِ هُنَاكَ، وَقَالَ لِأَبِي الْقَاسِمِ: بَيْنِي وَبَيْنَ أَسَدِ الدِّينِ شِيرِكُوهْ عَهْدٌ، مَنْ مَاتَ مِنَّا قَبْلَ صَاحِبِهِ حَمَلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَفَنَهُ بِهَا فِي التُّرْبَةِ الَّتِي عَمِلَهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَامْضِ إِلَيْهِ وَذَكِّرْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَارَ أَبُو الْقَاسِمِ إِلَى شِيرِكُوهْ فِي الْمَعْنَى، فَقَالَ لَهُ شِيرِكُوهْ: كَمْ تُرِيدُ ؟ فَقَالَ: أُرِيدَ أُجْرَةَ جَمَلٍ يَحْمِلُهُ وَجَمَلٍ يَحْمِلُنِي وَزَادِي، فَانْتَهَرَهُ، وَقَالَ: مِثْلُ جَمَالِ الدِّينِ يُحْمَلُ هَكَذَا إِلَى مَكَّةَ، وَأَعْطَاهُ مَالًا صَالِحًا ; لِيَحْمِلَ مَعَهُ جَمَاعَةً يَحُجُّونَ عَنْ جَمَالِ الدِّينِ، وَجَمَاعَةً يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ تَابُوتِهِ إِذَا حُمِلَ، وَإِذَا نَزَلَ عَنِ الْجَمَلِ، وَإِذَا وَصَلَ إِلَى مَدِينَةٍ يَدْخُلُ أُولَئِكَ الْقُرَّاءُ يُنَادُونَ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ يَجْتَازُ بِهَا، وَأَعْطَاهُ أَيْضًا مَالًا لِلصَّدَقَةِ عَنْهُ، فَصُلِّي عَلَيْهِ فِي تَكْرِيتَ، وَبَغْدَادَ، وَالْحِلَّةِ، وَفَيْدَ، وَمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَجْتَمِعُ لَهُ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنَ الْخَلْقِ مَا لَا يُحْصَى، وَلَمَّا أَرَادُوا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ بِالْحِلَّةِ صَعِدَ شَابٌّ عَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ، وَأَنْشَدَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: سَرَى نَعْشُهُ فَوْقَ الرِّقَابِ وَطَالَمَا سَرَى جُودُهُ فَوْقَ الرِّكَابِ وَنَائِلُهْ     يَمُرُّ عَلَى الْوَادِي فَتُثْنِي رِمَالُهُ عَلَيْهِ وَبِالنَّادِي فَتُثْنِي أَرَامِلُهْ فَلَمْ نَرَ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَطَافُوا بِهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ بِالْحَرَمِ الشَّرِيفِ، وَبَيْنَ قَبْرِهِ وَقَبْرِ النَّبِيِّ، ﷺ، نَحْوَ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا. سيرته ومناقبه وَأَمَّا سِيرَتُهُ فَكَانَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَسْخَى النَّاسِ، وَأَكْثَرَهُمْ بَذْلًا لِلْمَالِ، رَحِيمًا بِالْخَلْقِ، مُتَعَطِّفًا عَلَيْهِمْ، عَادِلًا فِيهِمْ، فَمِنْ أَعْمَالِهِ الْحَسَنَةِ: أَنَّهُ جَدَّدَ بِنَاءَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ بِمِنًى، وَغَرِمَ عَلَيْهِ أَمْوَالًا جَسِيمَةً، وَبَنَى الْحِجْرَ بِجَانِبِ الْكَعْبَةِ، وَزَخْرَفَ الْكَعْبَةَ وَذَهَّبَهَا، وَعَمَلَهَا بِالرُّخَامِ، وَلَمَّا أَرَادَ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ هَدِيَّةً جَلِيلَةً، وَطَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ عِيسَى أَمِيرِ مَكَّةَ هَدِيَّةً كَثِيرَةً، وَخِلَعًا سَنِيَّةً، مِنْهَا عِمَامَةٌ مُشْتَرَاهَا ثَلَاثُمِائَةِ دِينَارٍ، حَتَّى مَكَّنَهُ مِنْ ذَلِكَ. وَعَمَّرَ أَيْضًا الْمَسْجِدَ الَّذِي عَلَى جَبَلِ عَرَفَاتٍ وَالدَّرَجِ الَّتِي يُصْعَدُ فِيهَا إِلَيْهِ، وَكَانَ النَّاسُ يَلْقُونَ شِدَّةً فِي صُعُودِهِمْ، وَعَمِلَ بِعَرَفَاتٍ أَيْضًا مَصَانِعَ لِلْمَاءِ، وَأَجْرَى الْمَاءَ إِلَيْهَا مِنْ نَعْمَانَ فِي طُرُقٍ مَعْمُولَةٍ تَحْتَ الْأَرْضِ، فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَالٌ كَثِيرٌ. وَكَانَ يَجْرِي الْمَاءُ فِي الْمَصَانِعِ كُلَّ سَنَةٍ أَيَّامَ عَرَفَاتٍ، وَبَنَى سُورًا عَلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ، ﷺ، وَعَلَى فَيْدَ، وَبَنَى لَهَا أَيْضًا فَصِيلًا. وَكَانَ يُخْرِجُ عَلَى بَابِ دَارِهِ، كُلَّ يَوْمٍ، لِلصَّعَالِيكِ وَالْفُقَرَاءِ مِائَةَ دِينَارٍ أَمِيرِيٍّ، هَذَا سِوَى الْإِدْرَارَاتِ وَالتَّعَهُّدَاتِ لِلْأَئِمَّةِ وَالصَّالِحِينَ وَأَرْبَابِ الْبُيُوتَاتِ. وَمِنْ أَبْنِيَتِهِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا الْجِسْرُ الَّذِي بَنَاهُ عَلَى دِجْلَةَ عِنْدَ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ بِالْحَجَرِ الْمَنْحُوتِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالْكِلْسِ، فَقُبِضَ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ، وَبَنَى عِنْدَهَا أَيْضًا جِسْرًا كَذَلِكَ عَلَى النَّهْرِ الْمَعْرُوفِ بِالْإِرْبَادِ، وَبَنَى الرُّبُطَ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَيَكْفِيهِ أَنَّ ابْنَ الْخُجَنْدِيِّ، رَئِيسَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِأَصْفَهَانَ، قَصَدَهُ وَابْنُ الْكَافِي قَاضِي هَمَذَانَ، فَأَخْرَجَ عَلَيْهِمَا مَالًا عَظِيمًا، وَكَانَتْ صَدَقَاتُهُ وَصِلَاتُهُ مِنْ أَقَاصِي خُرَاسَانَ إِلَى حُدُودِ الْيَمَنِ. وَكَانَ يَشْتَرِي الْأَسْرَى كُلَّ سَنَةٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، هَذَا مِنَ الشَّامِ حَسْبُ، سِوَى مَا يَشْتَرِي مِنَ الْكَرَجِ. حَكَى لِي وَالِدِي عَنْهُ قَالَ: كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَرَى جَمَالَ الدِّينِ، إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ، يَأْخُذُ مِنْهُ وَمِنَ الْحَلْوَى وَيَتْرُكُهُ فِي خُبْزٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكُنْتُ أَنَا وَمَنْ يَرَاهُ نَظُنُّ أَنَّهُ يَحْمِلُهُ إِلَى أُمِّ وَلَدِهِ عَلِيٍّ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ فِي بَعْضِ السِّنِينَ جَاءَ إِلَى الْجَزِيرَةِ مَعَ قُطْبِ الدِّينِ، وَكُنْتُ أَتَوَلَّى دِيوَانَهَا، وَحَمَلَ جَارِيَتَهُ أُمَّ وَلَدِهِ إِلَى دَارِي ; لِتَدْخُلَ الْحَمَّامَ، فَبَقِيَتْ فِي الدَّارِ أَيَّامًا، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ فِي الْخِيَامِ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَعَلَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ، ثُمَّ تَفَرَّقَ النَّاسُ، فَقُمْتُ، فَقَالَ: اقْعُدْ، فَقَعَدْتُ، فَلَمَّا خَلَا الْمَكَانُ قَالَ لِي: قَدْ آثَرْتُكَ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَإِنَّنِي فِي الْخِيَامِ مَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَفْعَلَ مَا كُنْتُ أَفْعَلُهُ، خُذْ هَذَا الْخُبْزَ، وَاحْمِلْهُ أَنْتَ فِي كُمِّكَ فِي هَذَا الْمَنْدِيلِ، وَاتْرُكِ الْحَمَاقَةَ مِنْ رَأْسِكَ، وَعُدْ إِلَى بَيْتِكَ، فَإِذَا رَأَيْتَ فِي طَرِيقِكَ فَقِيرًا يَقَعُ فِي نَفْسِكَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ، فَاقْعُدْ أَنْتَ بِنَفْسِكَ، وَأَطْعِمْهُ هَذَا الطَّعَامَ، قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، وَكَانَ مَعِي جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَفَرَّقْتُهُمْ فِي الطَّرِيقِ ; لِئَلَّا يَرَوْنِي أَفْعَلُ ذَلِكَ، وَبَقِيتُ فِي غِلْمَانِي، فَرَأَيْتُ فِي مَوْضِعٍ إِنْسَانًا أَعْمَى، وَعِنْدَهُ أَوْلَادُهُ وَزَوْجَتُهُ، وَهُمْ مِنَ الْفَقْرِ فِي حَالٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْتُ عَنْ دَابَّتِي إِلَيْهِمْ، وَأَخْرَجْتُ الطَّعَامَ وَأَطْعَمْتُهُمْ إِيَّاهُ، وَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: تَجِيءُ غَدًا بُكْرَةً إِلَى دَارِ فُلَانٍ، أَعْنِي دَارِي، وَلَمْ أُعَرِّفْهُ نَفْسِي، فَإِنَّنِي آخُذُ لَكَ مِنْ صَدَقَةِ جَمَالِ الدِّينِ شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبْتُ إِلَيْهِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مَا الَّذِي فَعَلْتَ فِي الَّذِي قُلْتُ لَكَ ؟ فَأَخَذْتُ أَذْكُرُ لَهُ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِدَوْلَتِهِمْ، فَقَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكَ إِنَّمَا أَسْأَلُكَ عَنِ الطَّعَامِ الَّذِي سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، فَذَكَرْتُ لَهُ الْحَالَ، فَفَرِحَ ثُمَّ قَالَ: بَقِيَ أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ لِلرَّجُلِ يَجِيءُ إِلَيْكَ هُوَ وَأَهْلُهُ، فَتَكْسُوهُمْ وَتُعْطِيهِمْ دَنَانِيرَ، وَتُجْرِي لَهُمْ كُلَّ شَهْرٍ دِينَارًا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ قُلْتُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَجِيءَ إِلَيَّ، فَازْدَادَ فَرَحًا، وَفَعَلْتُ بِالرَّجُلِ مَا قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ يَصِلُ إِلَيْهِ رَسْمُهُ حَتَّى قُبِضَ. وَلَهُ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِثِيَابِهِ مِنْ عَلَى بَدَنِهِ فِي بَعْضِ السِّنِينَ الَّتِي تَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ فِيهَا.

Grades by grader

No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade

Something wrong with this text or grade? Tell us