Tarikh (al-Tabari) 5632
Then the year 517 AH began
فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي صَفَرٍ، أَمَرَ الْمُسْتَرْشِدُ بِاللَّهِ بِبِنَاءِ سُورِ بَغْدَاذَ، وَأَنْ يُجْبَى مَا يَخْرُجُ عَلَيْهِ مِنَ الْبَلَدِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، وَجُمِعَ مِنْ ذَلِكَ مَالٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا عَلِمَ الْخَلِيفَةُ كَرَاهَةَ النَّاسِ لِذَلِكَ أَمَرَ بِإِعَادَةِ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ، فَسُرُّوا بِذَلِكَ، وَكَثُرَ الدُّعَاءُ لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْوَزِيرَ أَحْمَدَ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ بَذَلَ مِنْ مَالِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَالَ: نُقَسِّطُ الْبَاقِيَ عَلَى أَرْبَابِ الدَّوْلَةِ. وَكَانَ أَهْلُ بَغْدَاذَ يَعْمَلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ فِيهِ، وَكَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْعَمَلَ: يَعْمَلُ أَهْلُ كُلِّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدِينَ بِالطُّبُولِ وَالزُّمُورِ، وَزَيَّنُوا الْبَلَدَ، وَعَمِلُوا فِيهِ الْقِبَابَ. وَكَانَ قَدْ كَتَبَ الْقَاضِي أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ الرُّطَبِيِّ إِلَى الْمُسْتَرْشِدِ قِصَّةً يَقُولُ فِيهَا: "الْخَادِمُ أَدَامَ اللَّهُ ظِلَّ الْمَوَاقِفِ الْمُقَدَّسَةِ طَالِعٌ بِمَا يَعْتَقِدُ إِنْ أَدَّاهُ أَدَّى حَقَّ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَتَمَهُ كَانَ مُقَصِّرًا فِي تَأْدِيَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَعَالِمًا أَنَّ اللَّهَ يَسْأَلُهُ عَنْهُ، فَلَوْ فَرَضَ فِي وَقْتِهِ قَضَاءَ شَخْصٍ يَقُولُ لَهُ يَا أَحْمَدُ بْنَ سَلَامَةَ قَدْ خَدَمْتَ الْعِلْمَ مُنْذُ الصِّبَا حَتَّى انْتَهَيْتَ إِلَى سِنِّ الشُّيُوخِ، وَطُولُ الْعُمْرِ فِي خِدْمَةِ الْعِلْمِ نِعْمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِنِعْمَةٍ وَخَدَمْتَ إِمَامَ الْعَصْرِ خِدْمَةً زَالَ عَنْهَا الِارْتِيَابُ عِنْدَهُ فِيمَا تُنْهِيهِ، وَعَرَفْتَ بِحُكْمِ مُخَالَطَتِكَ لِأَبْنَاءِ الزَّمَانِ أَنَّ النَّاصِحَ قَلِيلٌ وَالْمُشْفِقَ نَادِرٌ، وَهُوَ أَدَامَ اللَّهُ أَيَّامَهُ بِنَجْوَةٍ عَمَّا تَتَحَدَّثُ بِهِ الرَّعِيَّةُ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ حَقَائِقُ الْأَحْوَالِ إِلَّا مِنْ جَانِبٍ مَخْصُوصٍ، فَمَا عُذْرُكَ عِنْدَ اللَّهِ فِي كِتْمَانِكَ وَلَسْتَ مِمَّنْ يُرَادُ وَأَمْثَالُكَ إِلَّا لِقَوْلِ حَقٍّ وَإِيرَادِ صِدْقٍ لَا لِعِمَارَةٍ وَلَا لِجَمْعِ مَالٍ، فَلَمْ يَجِدْ لِنَفْسِهِ جَوَابًا يَقُومُ عُذْرُهُ عِنْدَهُ فَكَيْفَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا الْوَقْتُ الَّذِي قَدْ تَجَدَّدُ فِيهِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ فِي خَدَمِهِ وَإِثَارَةِ مَالٍ مِنْ جِبَايَةٍ يُغَرِّرُ بِنَفْسِهِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَبِمَجْدِ مَوْلَانَا وَأَوْلَى الْأَوْقَاتِ بِاسْتِمَالَةِ الْقُلُوبِ وَإِذَاعَةِ الصَّدَقَاتِ وَأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ هَذَا الْوَقْتُ وَحَقِّ اللَّهِ يَا مَوْلَانَا أَنَّ الَّذِي تَتَحَدَّثُ بِهِ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ يَعُودُ مِنْ مَعِيشَتِهِ وَيَأْوِي إِلَى مَنْزِلِهِ فَيَدْعُو بِالنَّصْرِ وَالْحِفْظِ لِلدَّوْلَةِ قَدْ صَارُوا يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْأَمَاكِنِ شَاكِينَ مِمَّا قَدِ الْتَمَسَ مِنْهُمْ، وَيَقُولُونَ كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ مُصَادَرَةً فَنَعْجَبُ وَنَحْنُ الْآنُ فِي كَنَفِ الْإِمَامَةِ الْمُعَظَّمَةِ نُشَاهِدُ وَنَرَى، وَالنَّاسُ بَيْنَ مُحْسِنِ الظَّنِّ وَمُسِيءٍ، وَالْمُحْسِنُ يَقُولُ: مَا يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا يَجْرِي فَيُقِرُّ عَلَيْهِ، وَالْمُسِيءُ الظَّنِّ يَقُولُ: الْفَاعِلُ لِهَذَا أَقَلُّ أَنْ يُقْدِمَ عَلَيْهِ إِلَّا عَنْ عِلْمٍ وَرِضًا، وَقَدْ كَادَ كُلُّ ذِي وَلَاءٍ وَشَفَقَةٍ يَضِلُّ وَيَتَبَلَّدُ، وَفِي يَوْمِنَا هَذَا حَضَرَ عِنْدَ الْخَادِمِ شَيْخٌ فَقِيهٌ يُعْرَفُ بِإِسْمَاعِيلَ الْأَرْمَوِيِّ وَالْخَادِمِ يَذْكُرُ الدَّرْسَ، فَقَالَ: لِيَبْكِ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ كَانَ بَاكِيًا وَحُكِيَ أَنَّ لَهُ دُوَيْرَاتٍ بِالْجَعْفَرِيَّةِ أُجْرَتُهَا دِينَارٌ قَدْ طُولِبَ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ، فَيَا مَوْلَانَا اللَّهَ اللَّهَ فِي الدِّينِ وَالدَّوْلَةِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا الِاعْتِصَامُ، فَمَا هَذَا الْأَمْرُ مِمَّا يُهْمَلُ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُشَاعَ عَنَّا هَذَا الْفِعْلُ الَّذِي لَا مَسَاغَ لَهُ فِي الشَّرْعِ وَيُجْعَلَ الْخَلْقُ شُهُودًا وَمَا يَخْلُو فِي أَعْدَاءِ الدَّوْلَةِ مَنْ يَكُونُ لَهُ مُكَاتِبٌ وَمُخْبِرٌ يَرْفَعُ هَذَا إِلَيْهِمْ، فَمَا يَبْلُعُ الْأَعْدَاءُ فِي الْقَدْحِ إِلَى مِثْلِ هَذَا وَمَا الْمَالُ وَلِمَاذَا يُرَادُ إِلَّا لِإِنْجَادِ الْأَنْصَارِ وَالْأَوْلِيَاءِ، وَهَلْ تَنْصَرِفُ الْحُقُوقُ الْمَشْرُوعَةُ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذَا، وَلَيْسَ إِلَّا عَزْمَةً مِنَ الْعَزَمَاتِ الشَّرِيفَةِ يَصْلُحُ بِهَا ضَمَائِرُ النَّاسِ وَيُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ مَا أُخِذَ مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَا أُخِذَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ بَاقِيًا أُعِيدَ، وَإِنْ مَسَّتْ حَاجَةٌ إِلَيْهِ عُومِلُوا فِيهِ، وَكَتَبَ قَرْضًا عَلَى الْخَزَائِنِ الْمَعْمُورَةِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مُضَاهِيًا لِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَوَائِدُ الشَّرِيفَةُ عِنْدَ النَّهَضَاتِ الَّتِي سَبَقَتْ وَاقْتَرَنَ بِهَا النَّظَرُ فِي تَقْدِيمِ الصَّدَقَاتِ، وَخِتَامِ الْخَتَمَاتِ وَالْخَادِمِ وَإِنْ أَطَالَ فَإِنَّهُ يَعُدُّ مَا ذَكَرَهُ ذَمْرًا بِالْعَرْضِ لِكَثْرَةِ مَا عَلَى قَلْبِهِ مِنْهُ وَالْأَمْرُ أَعْلَى". وَكَانَ الِابْتِدَاءُ بِعِمَارَةِ السُّورِ يَوْمَ السَّبْتِ النِّصْفَ مِنْ صَفَرَ، وَكَانَ كُلُّ أُسْبُوعٍ تَعْمَلُ أَهْلُ مَحَلَّةٍ وَيَخْرُجُونَ بِالطُّبُولِ وَالْجَنْكَاتِ، وَعَزَمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى خِتَانِ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ إِخْوَتِهِ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ، فَأَذِنَ لِلنَّاسِ أَنْ يُعَلِّقُوا بِبَغْدَادَ فَعُلِّقَتْ، وَعَمِلَ النَّاسُ الْقِبَابَ، وَعَمِلَتْ خَاتُونُ قُبَّةً بِبَابِ النُّوبِيِّ، وَعَلَّقَتْ عَلَيْهَا مِنَ الثِّيَابِ الدِّيبَاجِ وَالْجَوَاهِرِ مَا أَدْهَشَ النَّاسَ، وَعَمِلَتْ قُبَّةً فِي دَرْبِ الدَّوَابِّ عَلَى بَابِ الشَّيِيدِ الْعُلْوِيِّ، وَعَلَيْهَا غَرَائِبُ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَنُصِبَ عَلَيْهَا سِتْرَانِ مِنَ الدِّيبَاجِ الرُّومِيِّ، وَمِقْدَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرِينَ ذِرَاعًا فِي عِشْرِينَ، وَعَلَى أَحَدِهِمَا اسْمُ الْمُتَّقِي لِلَّهِ، وَعَلَى الْآخَرِ الْمُعْتَزُّ بِاللَّهِ، وَأَظْهَرَ النَّاسُ مُخَبَّئَاتِهِمْ مِنَ الثِّيَابِ وَالْجَوْهَرِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ.
Grades by grader
No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade