MajelisNoteDalilدليل

Tarikh (al-Tabari) 4463

Then the year 381 AH began

[ قُبِضَ عَلَى الطَّائِعِ فِي دَارِهِ ]   وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ تَاسِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ: قُبِضَ عَلَى الطَّائِعِ فِي دَارِهِ، وَكَانَ السَّبَبُ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْمُعَلِّمِ، وَكَانَ مِنْ خَوَاصِّ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، رَكِبَ إِلَى الطَّائِعِ وَوَصَّى وَقْتَ دُخُولِهِ أَنْ لَا يَمْنَعَ أَحَدًا مِنَ الْحِجَابِ، ثُمَّ سَارَ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ فِي الْجَيْشِ، فَدَخَلَ وَقَدْ جَلَسَ الطَّائِعُ فِي صَدْرِ الرِّوَاقِ مِنْ دَارِ السَّلَامِ، مُتَقَلِّدًا سَيْفًا، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ، قَبَّلَ الْأَرْضَ وَطُرِحَ لَهُ كُرْسِيٌّ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ. [ وَتَقَدَّمَ ] أَصْحَابُ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ فَجَذَبُوا الطَّائِعَ بِحَمَائِلِ سَيْفِهِ مِنْ سَرِيرِهِ، وَتَكَاثَرَ الدَّيْلَمُ، فَلُفَّ فِي كِسَاءٍ وَحُمِلَ إِلَى بَعْضِ الزَّبَازِبِ، وَأُصْعِدَ بِهِ إِلَى الْخِزَانَةِ فِي دَارِ الْمَمْلَكَةِ، [ وَاخْتَلَطَ النَّاسُ ] وَقَدَّرَ أَكْثَرُ الْجَيْشِ وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِهَذَا الْأَمْرِ أَنَّ الْقَبْضَ عَلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَتَشَاغَلُوا بِالنَّهْبِ وَأَخْذِ ثِيَابِ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالشُّهُودِ، وَقُبِضَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ حَاجِبِ النُّعْمَانِ فِي آخَرِينَ، إِلَى أَنْ قُرِّرَ عَلَيْهِمْ مَالٌ فَاسْتُوْفِيَ مِنْهُمْ. وَاحْتِيطَ عَلَى الْحَجَرِ وَالْخَزَائِنِ وَالْخَدَمِ وَالْحَوَاشِي، وَخَرِسَتِ الْأُخْتُ زَوْجَةُ الطَّائِعِ، وَانْصَرَفَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى دَارِهِ، وَأُظْهِرَ أَمْرُ الْقَادِرِ بِاللَّهِ، وَنُودِيَ بِذَلِكَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَكُتِبَ إِلَى الطَّائِعِ كِتَابٌ بِخَلْعِ نَفْسِهِ وَتَسْلِيمِهِ الْأَمْرَ إِلَى الْقَادِرِ بِاللَّهِ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ الْأَشْرَافُ وَالْقُضَاةُ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ ثَانِيَ يَوْمِ الْقَبْضِ. وَأُنْفِذَ إِلَى الْقَادِرِ وَأَذِنَ الطَّائِعُ وَالْكِتَابُ عَلَيْهِ بِخَلْعِهِ نَفْسَهُ، وَتَسْلِيمِهِ الْأَمْرَ إِلَى [ الْقَادِرِ بِاللَّهِ ]، وَحُثَّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ، وَشَغَّبَ الدَّيْلَمُ وَالْأَتْرَاكُ يُطَالِبُونَ بِرَسْمِ الْبَيْعَةِ، وَخَرَجُوا إِلَى قَبْرِ النُّذُورِ، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ، وَمَنَعُوا مِنَ الْخُطْبَةِ بِاسْمِ الْقَادِرِ [ فِي ] يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنَ الشَّهْرِ. فَقِيلَ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عَبْدَكَ وَخَلِيفَتَكَ الْقَادِرَ بِاللَّهِ، وَلَمْ يُسَمَّ، ثُمَّ أَرْضَى الْوُجُوهَ وَالْأَكَابِرَ، وَوَقَعَ السُّكُونُ، وَأُخِذَتِ الْبَيْعَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى الرِّضَا وَالطَّاعَةِ، وَأُقِيمَتِ الْخُطْبَةُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّالِثَ مِنْ رَمَضَانَ بَاسِمِ الْقَادِرِ، وَحُوِّلَ مَنْ دَارِ الْخِلَافَةِ جَمِيعُ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْمَالِ وَالثِّيَابِ، وَالْأَوَانِي، وَالْمَصَاغِ، وَالْفُرُوشِ، وَالْآلَاتِ، وَالْعُدَدِ، وَالسِّلَاحِ، وَالْخَدَمِ، وَالْجَوَارِي، وَالدَّوَابِّ، وَالرَّصَاصِ، وَالرُّخَامِ، وَالْخَشَبِ السَّاجِ وَالتَّمَاثِيلِ. طواف بهاء الدولة دار الخلافة وَطَافَ بِهَاءُ الدَّوْلَةِ دَارَ الْخِلَافَةِ مَجْلِسًا مَجْلِسًا، وَاسْتَقْرَاهَا مَوْضِعًا مَوْضِعًا، وَانْتُخِبَ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، فَدَخَلُوهَا وَشَعَّثُوا أَبْنِيَتَهَا، وَقَلَعُوا مِنْ أَبْوَابِهَا وَشَبَابِيكِهَا، ثُمَّ مُنِعُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَامَ مُهَذِّبُ الدَّوْلَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ الَّذِي كَانَ الْقَادِرُ هَرَبَ إِلَيْهِ بِالْبَطَائِحِ بِتَجْهِيزِهِ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَالِ، وَالْفُرُوشِ، وَالْآلَاتِ أَكْثَرَ شَيْءٍ وَأَحْسَنَهُ، وَأَعْطَاهُ طَيَّارًا كَانَ بَنَاهُ لِنَفْسِهِ، وَشَيَّعَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَاسِطٍ اجْتَمَعَ الْجُنْدُ وَطَالَبُوهُ [ بِرَسْمِ ] الْبَيْعَةِ، وَمَنَعُوهُ مِنَ الصُّعُودِ، إِلَّا بَعْدَ إِطْلَاقِ مَالِهَا، وَجَرَتْ مَعَهُمْ خُطُوبٌ انْتَهَتْ إِلَى أَنْ وُعِدُوا بِإِجْرَائِهِمْ مَجْرَى الْبَغْدَادِيِّينَ فِيمَا يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ أُمُورُهُمْ، فَرَفَضُوا، وَسَارَ، وَكَانَ مَقَامُهُ بِالْبُطَيْحَةِ مُنْذُ حَصَلَ فِيهَا إِلَى أَنْ خَرَجَ عَنْهَا سَنَتَيْنِ وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهَا. ورود القادر بالله البطيحة وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى كَاتِبُ مُهَذِّبِ الدَّوْلَةِ: لَمَّا وَرَدَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ الْبُطَيْحَةَ وَأَقَامَ عِنْدَنَا كُنْتُ أَغَشَاهُ يَوْمَيْنِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ كَالنَّوْبَةِ فِي خِدْمَتِهِ، فَإِذَا حَضَرْتُ تَنَاهَى فِي الْإِنَاءِ لِي وَالْإِخْفَاءِ بِي، وَالرَّفْعِ مِنْ مَجْلِسِي، وَالزِّيَادَةِ فِي بَسْطِي، وَأَجْتَهِدُ فِي تَقْبِيلِ يَدِهِ فَيَمْنَعُنِيهَا وَلَا يُمْكِنُنِي مِنْهَا، فَاتَّفَقَ أَنْ دَخَلْتُ إِلَيْهِ يَوْمًا عَلَى رَسْمِي، فَوَجَدْتُهُ مُتَأَهِّبًا تَأَهُّبًا لَمْ أَعْرِفْ سَبَبَهُ، وَلَا جَرَتْ لَهُ بِهِ عَادَةٌ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مَا عَوَّدَنِيهِ مِنَ الْإِكْرَامِ وَالرَّفْعِ مِنْ مَجْلِسِي وَالْإِقْبَالِ عَلَيَّ وَالْبَسْطِ، وَجَلَسْتُ دُونَ مَوْضِعِي، فَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنِّي، وَرُمْتُ تَقْبِيلَ يَدِهِ، فَمَدَّهَا إِلَيَّ، وَشَاهَدْتُ مِنْ أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ مَا اشْتَدَّ وُجُومِي لَهُ، وَاخْتَلَفَتْ فِيَّ الظُّنُونُ فِيهِ، وَقُلْتُ لَهُ عِنْدَ رُؤْيَتِي مَا رَأَيْتُهُ، وَإِنْكَارِي مَا أَنْكَرْتُهُ: أَيُؤْذَنُ لِي فِي الْكَلَامِ ؟ قَالَ: قُلْ. قُلْتُ: أَرَى الْيَوْمَ مِنَ الِانْقِبَاضِ عَنِّي مَا قَدْ أَوْحَشَنِي، وَخِفْتُ أَنْ يَكُونَ لِزَلَّةٍ كَانَتْ مِنِّي، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ فَمِنْ حُكْمِ التَّفْضِيلِ إِشْعَارِي بِهِ لِأَطْلُبَ بِالْعُذْرِ مَخْرَجًا مِنْهُ، وَأَسْتَعِينَ بِالْأَخْلَاقِ الشَّرِيفَةِ فِي الْعَفْوِ عَنْهُ، فَأَجَابَنِي بِوَقَارٍ: اسْمَعْ أُخْبِرْكَ، رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِي مَنَامِي كَأَنَّ نَهْرَكُمْ هَذَا - وَأَوْمَأَ إِلَى نَهْرِ الصَّلِيقِ - قَدِ اتَّسَعَ حَتَّى صَارَ فِي عَرْضِ دِجْلَةَ دُفُعَاتٍ، وَكَأَنَّنِي مُتَعَجِّبٌ مِنْ ذَلِكَ، وَسِرْتُ عَلَى ضَفَّتَيْهِ، مُتَأَمِّلًا لِأَمْرِهِ وَمُسْتَظْرِفًا لِعَظْمِهِ، فَرَأَيْتُ دَسْتَاهِيجَ قَنْطَرَةٍ فَقُلْتُ: تُرَى مَنْ قَدْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِعَمَلِ قَنْطَرَةٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَعَلَى هَذَا الْبَحْرِ الْكَبِيرِ وَصَعْدَتِهِ ؟ ! وَكَانَ وَثِيقًا مُحْكَمًا، وَمَدَدْتُ عَيْنِي فَإِذَا بِإِزَائِهِ مِثْلُهُ، فَزَالَ عَنِّي الشَّكُّ فِي أَنَّهُمَا دَسْتَاهِيجُ قَنْطَرَةٍ، وَأَقْبَلْتُ أَصْعَدُ وَأُصَوِّبُ فِي التَّعَجُّبِ. وَبَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ عَلَيْهِ رَأَيْتُ شَخْصًا قَدْ قَابَلَنِي مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ [ الْآخَرِ وَنَادَانِي ] وَقَالَ: يَا أَحْمَدُ، تُرِيدُ أَنْ تَعْبُرَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَمَدَّ يَدَهُ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَيَّ وَأَخَذَنِي وَعَبَّرَنِي، فَهَالَنِي أَمْرُهُ [ وَفِعْلُهُ ] وَقُلْتُ لَهُ: وَقَدْ تَعَاظَمَنِي فِعْلُهُ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَهَذَا الْأَمْرُ صَائِرٌ إِلَيْكَ، وَيَطُولُ عُمْرُكَ فِيهِ، فَأَحْسِنْ فِي وَلَدِي، وَشِيعَتِي. فَمَا انْتَهَى الْخَلِيفَةُ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ حَتَّى سَمِعْنَا صِيَاحَ الْفَلَّاحِينَ وَضَجِيجَ نَاسٍ، فَسَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: وَرَدَ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَإِذَا هُمُ الْوَارِدُونَ لِلْإِصْعَادِ بِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَتِ الْخِلَافَةُ لَهُ، وَأُنْفِذَ مَعَهُمْ قِطْعَةٌ مِنْ أُذُنِ الطَّائِعِ لِلَّهِ، فَعَاوَدْتُ تَقْبِيلَ يَدِهِ وَرِجْلِهِ، وَخَاطَبْتُهُ بِإِمْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَايَعْتُهُ، وَكَانَ مِنْ إِصْعَادِهِ وَإِصْعَادِي مَعَهُ مَا كَانَ. كتاب القادر بالله إلى بهاء الدولة قَالَ هِلَالٌ: وَجَدْتُ كِتَابًا كَتَبَهُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ مِنَ الصَّلِيقِ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ نُسْخَتُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ الْإِمَامِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى بَهَاءِ الدَّوْلَةِ وَضِيَاءِ الْمِلَّةِ أَبِي نَصْرِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَتَاجِ الْمِلَّةِ مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكَ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ ﷺ تَسْلِيمًا. أَمَّا بَعْدُ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ وَأَدَامَ عِزَّكَ وَتَأْيِيدَكَ، وَأَحْسَنَ إِمْتَاعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِكَ، وَبِالنِّعْمَةِ فِيكَ وَعِنْدَكَ، فَإِنَّ كِتَابَكَ الْوَارِدَ فِي صُحْبَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ - رَعَاهُ اللَّهُ - عَرَضَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ تَالِيًا لِمَا تَقَدَّمَهُ، وَشَافِعًا مَا سَبَقَهُ وَمُتَضَمِّنًا مِثْلَ مَا حَوَاهُ الْكِتَابُ قَبْلَهُ مِنْ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَكَ الْخَاصِّ، وَالْعَامِّ، بِمَشْهَدٍ مِنْكَ عَلَى خَلْعِ الْعَاصِي الْمُتَلَقِّبِ بِالطَّائِعِ عَنِ الْإِمَامَةِ، وَنَزَعَهُ عَنْ مَنْصِبِ الْخِلَافَةِ لِبَوَائِقِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَسُوءِ نِيَّتِهِ الْمَدْخُولَةِ، وَإِشْهَادِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِنُكُولِهِ وَعَجْزِهِ، وَإِبْرَائِهِ الْكَافَّةَ مِنْ بَيْعَتِهِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ عَهْدِهِ وَذِمَّتِهِ، وَمُبَادَرَةِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ إِلَى الْمُبَايَعَةِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِصْفَاقِهِمْ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهَا بِانْشِرَاحٍ فِي صُدُورِهِمْ، وَانْفِسَاحٍ مِنْ آمَالِهِمْ، وَاسْتِتْبَابِ ذَلِكَ بِتَلَطُّفِكَ مِنْ حُسْنِ الِارْتِيَادِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَانْتِظَامِهِ بِغَضَبِكَ لِلَّهِ وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى نَادَيْتَ بِشِعَارِهِ فِي الْآفَاقِ، وَأَقَمْتَ الدَّعْوَةَ لِلَّهِ فِي الْأَقْطَارِ، وَرَفَعْتَ مِنْ شَأْنِ الْحَقِّ مَا كَانَ الْعَاصِي خَفَضَهُ، وَقُمْتَ مِنْ عِمَادِ الدِّينِ مَا كَانَ الْمَخْلُوعُ رَفَضَهُ، وَوَقَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَحَاطَ عِلْمُهُ بِجَمِيعِهِ، وَوَجَدَكَ، أَدَامَ اللَّهُ تَأْيِيدَكَ، قَدِ انْفَرَدْتَ بِهَذِهِ الْمَأْثَرَةِ، وَاسْتَحْقَقْتَ بِهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى جَلِيلَ الْأَثَرَةِ. وَمِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ سِنِيَّ الْمَنْزِلَةِ، وَعَلَى الْمَرْتَبَةِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْمَنْزِلَةُ عَلَيْكَ مَوْقُوفَةً، كَمَا كَانَتِ الظُّنُونُ فِيهَا إِلَيْكَ مَصْرُوفَةً، حَتَّى فُزْتَ بِهَا بِمَا يَبْقَى لَكَ فِي الدُّنْيَا ذِكْرُهُ وَفَخْرُهُ، وَفِي الْآخِرَةِ ثَوَابُهُ وَأَجْرُهُ، فَأَحْسَنَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مُكَافَأَتَكَ، وَأَجْزَلَ عَاجِلًا وَآجِلًا مُجَازَاتَكَ، وَشَمَلَكَ مِنْ تَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ وَمَعُونَتِهِ وَتَأْيِيدِهِ، بِمَا يُدِيمُ نَصْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِكَ وَظَفَرَهُ عَلَى يَدِكَ، وَجَعَلَكَ أَبَدًا مَخْصُوصًا بِفَضْلِ السَّابِقَةِ فِي وَلَائِهِ، مُتَوَحِّدًا بِتَقَدُّمِ الْقَدَمِ فِي أَصْفَائِهِ، فَقَدْ أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ سَيْفَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَعْدَائِهِ، وَالْحَاظِيَ دُونَ غَيْرِكَ بِجَمِيلِ رَأْيِكَ، وَالْمُسْتَبِدَّ بِحِمَايَةِ حَوْزَتِهِ، وَرِعَايَةِ رَعِيَّتِهِ، وَالسِّفَارَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَدَائِعِ اللَّهِ عِنْدَهُ. وَقَدْ بَرَزَتْ رَايَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الصَّلِيقِ مُتَوَجِّهَةً نَحْوَ سَرِيرِهِ الَّذِي حَرَسْتَهُ، وَمُسْتَقَرَّ عِزِّهِ الَّذِي شَيَّدْتَهُ، وَدَارَ مَمْلَكَتِهِ الَّتِي أَنْتَ عِمَادُهَا، وَرَحَى دَوْلَتِهِ الَّتِي أَنْتَ قُطْبُهَا، مُعْتَقِدًا لَكَ مَا يَعْتَقِدُ فِي الْمُخَلِّصِ طَاعَةً وَمُشَايَعَةً، وَالْمُهَذِّبِ نِيَّةً وَطَوِيَّةً مِنْ صُنُوفِ الِاخْتِصَاصِ الَّذِي لَا يَضْرِبُ مَعَكَ فِيهِ بِسَهْمٍ دَانٍ وَلَا قَاصٍ، وَتُوُفِّيَ عَلَى كُلِّ سَالِفٍ، وَيَفُوتُ كُلَّ آنِفٍ، وَيُعْجِزُ كُلَّ مُنَاوٍ، وَيُفْحِمُ كُلَّ مُسَامٍ وَمُسَاوٍ، وَلَا يُبْقِي أَحَدٌ إِلَّا عِلْمَ أَنَّهُ مُنْزَاحٌ عَنْكَ، غَيْرُ مُتَوَازٍ لَكَ فَأَحْبَبْتُ لِمَحَلِّكَ وَقِصَرِ خَطَئِهِ عَنْ مُجَازَاتِكَ، وَوَقَعَ دُونَ مَوْقِعِكَ، وَتَزَحْزَحَ لَكَ عَنْ مَوْضِعِكَ، وَقَدْ وَجَدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، كَلَأَهُ اللَّهُ مُصَدِّقًا بِفِعْلِهِ وَصْفَكَ، مُحَقِّقًا ثَنَاءَكَ، مُسْتَوْجِبًا لِمَا أَهَّلْتَهُ وَرَشَّحْتَهُ لِلْقِيَامِ بِهِ مِنَ الْمَسِيرِ فِي خِدْمَتِهِ، وَالْحُقُوقِ فِيمَا يُبْدِيهِ لَهُ، وَعَلِمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّكَ لَمْ تَتَلَقَّهُ، إِلَّا بِأَوْثَقِ خَوَاصِّكَ فِي نَفْسِكَ، وَأَوْفَرِهِمْ عِنْدَكَ؛ فَاحْمَدْ فِي ذَلِكَ اعْتِمَادَكَ، وَإِضَافَةً إِلَى سَوَالِفِ أَمْثَالِهِ مِنْكَ، فَاعْلَمْ ذَلِكَ أَدَامَ اللَّهُ تَأْيِيدَكَ، وَأَجَرَ عَلَى عَادَتِكَ الْحَسْنَاءِ وَطَرِيقَتِكَ الْمُثْلَى فِي النِّيَابَةِ تُبْقِي، وَوَاصَلَ حَضْرَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِنْهَاءِ، وَالْمُطَالَعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَكُتِبَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِثَلَاثِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ.

Grades by grader

No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade

Something wrong with this text or grade? Tell us