التاريخ 971
غزوة بدر الكبرى
وُصُولِ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى قُرْبِ الْمَدِينَةِ وَحَذَرِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بِالْعِيرِ وَقَدْ خَافَ خَوْفًا شَدِيدًا، حَتَّى دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَبْطَأَ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو النَّفِيرَ، حَتَّى وَرَدَ بَدْرًا وَهُوَ خَائِفٌ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُصْبِحُونَ فِيهَا عَلَى مَاءِ بَدْرٍ جَعَلَتِ الْعِيرُ تُقْبِلُ بِوُجُوهِهَا إِلَى مَاءِ بَدْرٍ، وَكَانُوا بَاتُوا مِنْ وَرَاءِ بَدْرٍ، آخِرَ لَيْلَتِهِمْ، وَهُمْ عَلَى أَنْ يُصَبِّحُوا بَدْرًا إِنْ لَمْ يُعْتَرَضْ لَهُمْ، فَمَا انْقَادَتِ الْعِيرُ لَهُمْ حَتَّى ضَرَبُوهَا بِالْعُقُلِ وَهِيَ تُرَجِّعُ الْحَنِينَ، فَتَوَارَدَا إِلَى مَاءِ بَدْرٍ وَمَا بِهَا إِلَى الْمَاءِ مِنْ حَاجَةٍ، لَقَدْ شَرِبَتْ بِالْأَمْسِ، وَجَعَلَ أَهْلُ الْعِيرِ يَقُولُونَ: هَذَا شَيْءٌ مَا صَنَعْتِهِ مَعَنَا مُنْذُ خَرَجْنَا، وَغَشِيَتْهُمْ ظُلْمَةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى مَا يُبْصِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شَيْئًا. وَتَقَدَّمَ أَبُو سُفْيَانَ أَمَامَ الْعِيرِ حَذِرًا حَتَّى وَرَدَ الْمَاءَ فَرَأَى مَجْدِيَّ -بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ فَيَاءٍ مَمْدُودَةٍ كَيَاءِ النَّسَبِ- ابْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيَّ فَقَالَ لَهُ: هَلْ أَحْسَسْتَ أَحَدًا ؟ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أُنْكِرُهُ غَيْرَ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ -يَعْنِي بَسْبَسًا وَعَدِيًّا- قَدْ أَنَاخَا إِلَى هَذَا التَّلِّ، ثُمَّ اسْتَقَيَا فِي شَنٍّ لَهُمَا، ثُمَّ انْطَلَقَا، فَأَتَى أَبُو سُفْيَانَ مُنَاخَهُمَا فَأَخَذَ مِنْ أَبِعَارِ بَعِيرَيْهِمَا، فَفَتَّتَهُ فَإِذَا فِيهِ النَّوَى، فَقَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ. فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ سَرِيعًا فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَسَاحَلَ بِهَا، وَتَرَكَ بَدْرًا بِيَسَارٍ، وَانْطَلَقَ حَتَّى أَسْرَعَ فَسَارَ لَيْلًا وَنَهَارًا فَرَقًا مِنَ الطَّلَبِ. وَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ قَدْ أَحْرَزَ عِيرَهُ أَرْسَلَ إِلَى قُرَيْشٍ قَيْسَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ: إِنَّكُمْ إِنَّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ وَرِجَالَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَقَدْ نَجَّاهَا اللَّهُ، فَارْجِعُوا، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا -وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ، يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهِ سُوقٌ كُلَّ عَامٍ- فَنُقِيمَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَنَنْحَرَ الْجُزُرَ، وَنُطْعَمَ الطَّعَامَ، وَنُسْقَى الْخَمْرَ، وَتَعْزِفَ عَلَيْنَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعَ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا، فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا. وَكَرِهَ أَهْلُ الرَّأْيِ الْمَسِيرَ، وَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مِمَّنْ أَبْطَأَ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبِّهٍ، حَتَّى بَكَّتَهُمْ أَبُو جَهْلٍ بِالْجُبْنِ، وَأَعَانَهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ. وَأَجْمَعُوا الْمَسِيرَ. وَقَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ -وَكَانَ حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ-: يَا بَنِي زُهْرَةَ قَدْ نَجَّى اللَّهُ أَمْوَالَكُمْ، وَخَلَّصَ لَكُمْ صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَإِنَّمَا نَفَرْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ، فَاجْعَلُوا بِي جُبْنَهَا وَارْجِعُوا، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا فِي غَيْرِ ضَيْعَةٍ، لَا مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ، فَرَجَعُوا، وَكَانُوا نَحْوَ الْمِائَةِ، وَيُقَالُ: ثَلَاثُمِائَةٍ، فَمَا شَهِدَهَا زُهْرِيٌّ إِلَّا رَجُلَيْنِ هُمَا عَمَّا مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَقُتِلَا كَافِرَيْنِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَلَحِقَ قَيْسُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ أَبَا سُفْيَانَ فَأَخْبَرَهُ مَجِيءَ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: وَاقَوْمَاهْ! هَذَا عَمَلُ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ، وَاغْتَبَطَتْ بَنُو زُهْرَةَ بَعْدُ بِرَأْيِ الْأَخْنَسِ، فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مُطَاعًا مُعَظَّمًا، وَأَرَادَتْ بَنُو هَاشِمٍ الرُّجُوعَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ أَبُو جَهْلٍ وَقَالَ: لَا تُفَارِقُنَا هَذِهِ الْعِصَابَةُ حَتَّى نَرْجِعَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَكَانَتْ بَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَعَ النَّفِيرِ، فَلَمَّا بَلَغُوا ثَنِيَّةَ لَفْتٍ عَدَلُوا فِي السَّحَرِ إِلَى السَّاحِلِ مُنْصَرِفِينَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَادَفَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: يَا بَنِي عَدِيٍّ، كَيْفَ رَجَعْتُمْ، لَا فِي الْعِيرِ وَلَا فِي النَّفِيرِ ؟ قَالُوا: أَنْتَ أَرْسَلْتَ إِلَى قُرَيْشٍ أَنْ تَرْجِعَ، وَيُقَالُ: بَلْ لَقِيَهُمْ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.