التاريخ 961
غزوة بدر الكبرى
مَنَامِ عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عُرْوَةَ. وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالُوا: رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ -قَبْلَ مَقْدَمِ ضَمْضَمٍ عَلَى قُرَيْشٍ بِثَلَاثِ لَيَالٍ- رُؤْيَا، فَأَصْبَحَتْ عَاتِكَةُ فَأَعْظَمَتْهَا، فَبَعَثَتْ إِلَى أَخِيهَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، لَقَدْ رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا أَفْظَعَتْنِي، لَيَدْخُلَنَّ عَلَى قَوْمِكَ مِنْهَا شَرٌّ وَبَلَاءٌ! فَقَالَ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَتْ: لَنْ أُحَدِّثَكَ حَتَّى تُعَاهِدَنِي أَنَّكَ لَا تَذْكُرُهَا، فَإِنَّهُمْ إِنْ سَمِعُوهَا آذَوْنَا وَأَسْمَعُونَا مَا لَا نُحِبُّ، فَعَاهَدَهَا الْعَبَّاسُ، فَقَالَتْ: رَأَيْتُ أَنَّ رَجُلًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ فَوْقَ الْأَبْطَحِ، فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، وَصَاحَ ثَلَاثَ صَيْحَاتٍ فَأَرَى النَّاسَ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ بَعِيرَهُ دَخَلَ بِهِ الْمَسْجِدَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ، ثُمَّ مَثَلَ بِهِ بِعِيرُهُ فَإِذَا هُوَ عَلَى رَأْسِ الْكَعْبَةِ، فَصَاحَ ثَلَاثَ صَيْحَاتٍ فَقَالَ: انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَرَى بِعِيرَهُ مَثَلَ بِهِ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ فَقَالَ: انْفِرُوا يَا آلَ غُدَرَ لِمَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَخَذَ صَخْرَةً عَظِيمَةً فَنَزَعَهَا مِنْ أَصْلِهَا فَأَرْسَلَهَا مِنْ رَأَسِ الْجَبَلِ، فَأَقْبَلَتِ الصَّخْرَةُ تَهْوِي لَهَا حِسٌّ شَدِيدٌ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْتَضَّتْ فَمَا بَقِيَتْ دَارٌ مِنْ دُورِ قَوْمِكَ وَلَا بَيْتٌ إِلَّا دَخَلَ فِيهِ فِلْقَةٌ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا فَاكْتُمِيهَا. قَالَتْ: وَأَنْتَ فَاكْتُمْهَا، لَئِنْ بَلَغَتْ هَذِهِ قُرَيْشًا لَيُؤْذُونَنَا، فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ مِنْ عِنْدِهَا فَلَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ فَتَحَدَّثَ بِهَا، وَفَشَا الْحَدِيثُ بِمَكَّةَ، حَتَّى تَحَدَّثَتْ بِهِ قُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَغَدَوْتُ لِأَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ فِي رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ لِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ لِي أَبُو جَهْلٍ: يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: مَتَى حَدَثَتْ فِيكُمْ هَذِهِ النَّبِيَّةُ ؟ قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: رُؤْيَا عَاتِكَةَ. قُلْتُ: وَمَا رَأَتْ ؟ قَالَ: مَا رَضِيتُمْ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَتَنَبَّأَ رِجَالُكُمْ حَتَّى تَتَنَبَّأَ نِسَاؤُكُمْ. وَلَفْظُ ابْنِ عُقْبَةَ: أَمَا رَضِيتُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ بِكَذِبِ الرِّجَالِ حَتَّى جِئْتُمُونَا بِكَذِبِ النِّسَاءِ، إِنَّا كُنَّا وَإِيَّاكُمْ كَفَرَسَيْ رِهَانٍ، فَاسْتَبَقْنَا الْمَجْدَ مُنْذُ حِينٍ، فَلَمَّا تَحَاكَتِ الرُّكَبُ قُلْتُمْ: مِنَّا نَبِيٌّ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا: مِنَّا نَبِيَّةٌ، فَمَا أَعْلَمُ فِي قُرَيْشٍ أَهْلَ بَيْتٍ أَكْذَبَ امْرَأَةً وَلَا رَجُلًا مِنْكُمْ -وَآذَاهُ أَشَدَّ الْأَذَى- قَدْ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ فِي رُؤْيَاهَا أَنَّهُ قَالَ: انْفِرُوا فِي ثَلَاثٍ، فَسَنَتَرَبَّصُ بِكُمْ هَذِهِ الثَّلَاثَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا مَا تَقُولُ فَسَيَكُونُ، وَإِنْ تَمْضِ الثَّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبْنَا عَلَيْكُمْ كِتَابًا أَنَّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ كَبِيرُ شَيْءٍ، إِلَّا أَنِّي جَحَدْتُ ذَلِكَ، وَأَنْكَرْتُ أَنْ تَكُونَ عَاتِكَةُ رَأَتْ شَيْئًا. وَعِنْدَ ابْنِ عُقْبَةَ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لِأَبِي جَهْلٍ: هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ ؟ فَإِنَّ الْكَذِبَ فِيكَ وَفِي أَهْلِ بَيْتِكَ، فَقَالَ مَنْ حَضَرَهَا: مَا كُنْتَ جَهُولًا يَا أَبَا الْفَضْلِ وَلَا خَرِقًا، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَائِذٍ، وَزَادَ: فَقَالَ الْعَبَّاسُ: مَهْلًا يَا مُصَفِّرَ اسْتِهِ. وَلَقِيَ الْعَبَّاسُ مِنْ عَاتِكَةَ أَذًى شَدِيدًا حِينَ أَفْشَى حَدِيثَهَا لِهَذَا الْفَاسِقِ. قَالَ الْعَبَّاسُ: فَلَمَّا أَمْسَيْتُ لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَّا أَتَتْنِي فَقَالَتْ: أَقْرَرْتُمْ لِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ أَنْ يَقَعَ فِي رِجَالِكُمْ، ثُمَّ قَدْ تَنَاوَلَ نِسَاءَكُمْ وَأَنْتَ تَسْتَمِعُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ كَبِيرُ شَيْءٍ مِمَّا سَمِعْتَ، قُلْتُ: قَدْ وَاللَّهِ فَعَلْتُ، مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ كَبِيرُ شَيْءٍ، وَايْمُ اللَّهِ لَأَتَعَرَّضَنَّ لَهُ، فَإِنْ عَادَ لَأَكْفِيكُنَّهُ قَالَ: فَغَدَوْتُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَبٌ، أَرَى أَنِّي قَدْ فَاتَنِي مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ أَمْرٌ أُحِبُّ أَنْ أُدْرِكَهُ مِنْهُ، قَالَ: فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَرَأَيْتُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ أَتَعَرَّضُهُ لِيَعُودَ لِبَعْضِ مَا قَالَ فَأَقَعَ بِهِ، وَكَانَ رَجُلًا خَفِيفًا، حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ اللِّسَانِ، حَدِيدَ النَّظَرِ، قَالَ: إِذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ الْمَسْجِدِ يَشْتَدُّ، قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا لَهُ لَعَنَهُ اللَّهُ أَكُلُّ هَذَا فَرَقٌ مِنْ أَنْ أُشَاتِمَهُ ؟ ! قَالَ: وَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ أَسْمَعْ، صَوْتَ ضَمْضَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ وَهُوَ يَصْرُخُ بِبَطْنِ الْوَادِي وَاقِفًا عَلَى بَعِيرِهِ قَدْ جَدَعَ بِعِيرَهُ، وَحَوَّلَ رَحْلَهُ، وَشَقَّ قَمِيصَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ يَا آلَ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، اللَّطِيمَةَ اللَّطِيمَةَ، أَمْوَالُكُمْ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، لَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، الْغَوْثَ الْغَوْثَ، وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا، فَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ أَشَدَّ الْفَزَعِ، وَأَشْفَقُوا مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنِّي، وَشَغَلَنِي عَنْهُ مَا جَاءَ مِنَ الْأَمْرِ. وَقَالَتْ عَاتِكَةُ: أَلَمْ تَكُنِ الرُّؤْيَا بِحَقٍّ وَجَاءَكُمْ بِتَصْدِيقِهَا فَلٌّ مِنَ الْقَوْمِ هَارِبُ فَقُلْتُمْ -وَلَمْ أَكْذِبْ-: كَذَبْتِ وَإِنَّمَا يُكَذِّبُنَا بِالصِّدْقِ مَنْ هُوَ كَاذِبُ .
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.