التاريخ 4287
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة
ذِكْرُ قَتْلِ نَقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ نَقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْمَمْلَكَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ دُمُسْتُقًا، وَالدُّمُسْتُقُ عِنْدَهُمُ الَّذِي كَانَ يَلِي بِلَادَ الرُّومِ الَّتِي هِيَ شَرْقِيَّ خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَأَكْثَرُهَا الْيَوْمَ بِيَدِ أَوْلَادِ فَلْجَ أَرْسِلَانَ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَلِيهَا يُلَقَّبُ بِالدُّمُسْتُقِ، وَكَانَ نَقْفُورُ هَذَا شَدِيدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الَّذِي أَخَذَ حَلَبَ أَيَّامَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ فَعَظُمَ شَأْنُهُ عِنْدَ الرُّومِ، وَهُوَ أَيْضًا الَّذِي فَتَحَ طَرَسُوسَ، وَالْمِصِّيصَةَ، وَأَذَنَةَ، وَعَيْنَ زَرْبَةَ، وَغَيْرَهَا. وَلَمْ يَكُنْ نَصْرَانِيَّ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْ وَلَدِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ مِنْ أَهْلِ طَرَسُوسَ يُعْرَفُ بِابْنِ الْفَقَّاسِ تَنَصَّرَ، وَكَانَ ابْنُهُ هَذَا شَهْمًا، شُجَاعًا، حَسَنَ التَّدْبِيرِ لِمَا يَتَوَلَّاهُ. فَلَمَّا عَظُمَ أَمْرُهُ وَقَوِيَ شَأْنُهُ قَتَلَ الْمَلِكَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَمَلَكَ الرُّومَ بَعْدَهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا جَمِيعَهُ. فَلَمَّا مَلَكَ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ عَلَى كُرْهٍ مِنْهَا، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ ابْنَانِ، وَجَعَلَ نَقْفُورُ هِمَّتَهُ قَصْدَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَالِاسْتِيلَاءَ عَلَيْهَا، وَتَمَّ لَهُ مَا أَرَادَ بِاشْتِغَالِ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَدَوَّخَ الْبِلَادَ وَكَانَ قَدْ بَنَى أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَقْصِدَ سَوَادَ الْبِلَادِ فَيَنْهَبَهُ وَيُخَرِّبَهُ، فَيُضْعِفَ الْبِلَادَ فَيَمْلِكُهَا، وَغَلَبَ عَلَى ثُغُورِ الْجَزَرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ وَسَبَى، وَأَسَرَ مَا يَخْرُجُ عَنِ الْحَصْرِ، وَهَابَهُ الْمُسْلِمُونَ هَيْبَةً عَظِيمَةً، وَلَمْ يَشُكُّوا فِي أَنَّهُ يَمْلِكُ جَمِيعَ الشَّامِ، وَمِصْرَ، وَالْجَزِيرَةِ وَدِيَارَ بَكْرٍ لِخُلُوِّ الْجَمِيعِ مِنْ مَانِعٍ. فَلَمَّا اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ أَتَاهُ أَمْرُ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُخْصِيَ ابْنَيِ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ لِيَنْقَطِعَ نَسْلُهُمَا، وَلَا يُعَارِضَ أَحَدٌ أَوْلَادَهُ فِي الْمُلْكِ، فَلَمَّا عَلِمَتْ أُمُّهُمَا ذَلِكَ قَلِقَتْ مِنْهُ، وَاحْتَالَتْ عَلَى قَتْلِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى ابْنِ الشَّمْشَقِيقِ، وَهُوَ الدُّمُسْتُقُ حِينَئِذٍ، وَوَافَقَتْهُ عَلَى أَنْ يَصِيرَ إِلَيْهَا فِي زِيِّ النِّسَاءِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَتْ لِزَوْجِهَا إِنَّ نِسْوَةً مِنْ أَهْلِهَا قَدْ زَارُوهَا، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ جَعَلَهُمْ فِي بَيْعَةٍ تَتَّصِلُ بِدَارِ الْمُلْكِ، وَكَانَ الشَّمْشَقِيقُ شَدِيدَ الْخَوْفِ مِنْهُ لِعِظَمِ هَيْبَتِهِ، فَاسْتَجَابَ لِلْمَرْأَةِ إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْمِيلَادِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ نَامَ، وَاسْتَقَلَّ فِي نَوْمِهِ، فَفَتَحَتِ امْرَأَتُهُ الْبَابَ وَدَخَلُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَثَارَ بِهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِهِ وَخَاصَّتِهِ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَيِّفٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَأُجْلِسَ فِي الْمُلْكِ الْأَكْبَرُ مِنْ وَلَدَيِ الْمَلِكِ الْمَقْتُولِ، وَصَارَ الْمُدَبِّرُ لَهُ ابْنَ الشَّمْشَقِيقِ، وَيُقَالُ: إِنَّ نَقْفُورَ مَا بَاتَ قَطُّ إِلَّا بِسِلَاحٍ إِلَّا تِلْكَ اللَّيْلَةَ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَتْلِهِ وَفَنَاءِ أَجَلِهِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه