التاريخ 4011
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي يَزِيدَ لَمَّا تَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى أَبِي يَزِيدَ، أَقَامَ الْمَنْصُورُ يَتَجَهَّزُ لِلْمَسِيرِ فِي أَثَرِهِ، ثُمَّ رَحَلَ أَوَاخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَلَدِ مَذَامًا الصِّقِلِّيَّ، فَأَدْرَكَ أَبَا يَزِيدَ وَهُوَ مُحَاصِرٌ مَدِينَةَ بَاغَايَةَ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ دُخُولَهَا لَمَّا انْهَزَمَ، فَمُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَحَصَرَهَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَنْصُورُ وَقَدْ كَادَ يَفْتَحُهَا، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ هَرَبَ أَبُو يَزِيدَ، وَجَعَلَ كُلَّمَا قَصَدَ مَوْضِعًا يَتَحَصَّنُ فِيهِ، سَبَقَهُ الْمَنْصُورُ، حَتَّى وَصَلَ طَبَنَةَ، فَوَصَلَتْ رُسُلُ مُحَمَّدِ بْنِ خَزَرٍ الزُّنَاتِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ أَبِي يَزِيدَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ الْمَنْصُورُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْصُدَ أَبَا يَزِيدَ، وَاسْتَمَرَّ الْهَرَبُ بِأَبِي يَزِيدَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى جَبَلِ الْبَرْبَرِ وَيُسَمَّى بَرْزَالَ، وَأَهْلُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَسَلَكَ الرِّمَالَ لِيَخْتَفِيَ أَثَرُهُ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَعَادَ إِلَى نَوَاحِي مَقْبَرَةَ وَالْمَنْصُورُ ( بِهَا، فَكَمَّنَ أَبُو يَزِيدَ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ عَسْكَرُ الْمَنْصُورِ رَآهُمْ، فَحَذَّرُوا مِنْهُمْ، فَعَبَّأَ حِينَئِذٍ أَبُو يَزِيدَ أَصْحَابَهُ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ مَيْمَنَةُ الْمَنْصُورِ )، وَحَمَلَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى جَبَلِ سَالَّاتَ، وَرَحَلَ الْمَنْصُورُ فِي أَثَرِهِ، ( فَدَخَلَ مَدِينَةَ الْمَسِيلَةِ، وَرَحَلَ فِي أَثَرِ أَبِي يَزِيدَ ) فِي جِبَالٍ وَعِرَةٍ، وَأَوْدِيَةٍ عَمِيقَةٍ خَشِنَةِ الْأَرْضِ، فَأَرَادَ الدُّخُولَ وَرَاءَهُ، فَعَرَّفَهُ الْأَدِلَّاءُ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَمْ يَسْلُكْهَا جَيْشٌ قَطُّ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ الْعَسْكَرِ، فَبَلَغَ عَلِيقُ كُلِّ دَابَّةٍ دِينَارًا وَنِصْفًا، وَبَلَغَتْ قِرْبَةُ الْمَاءِ دِينَارًا، وَإِنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ رِمَالٌ وَقِفَارُ بِلَادِ السُّودَانِ، لَيْسَ فِيهَا عِمَارَةٌ، وَإِنَّ أَبَا يَزِيدَ اخْتَارَ الْمَوْتَ جُوعًا وَعَطَشًا عَلَى الْقَتْلِ بِالسَّيْفِ. فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ، رَجَعَ إِلَى بِلَادِ صِنْهَاجَةَ، فَوَصَلَ إِلَى مَوْضِعٍ يُسَمَّى قَرْيَةَ دَمُرَهُ، فَاتَّصَلَ بِهِ الْأَمِيرُ زِيرِي بْنُ مَنَادٍ الصِّنْهَاجِيُّ الْحِمْيَرِيُّ بِعَسَاكِرِ صِنْهَاجَةَ، وَزِيرِي هَذَا هُوَ جَدُّ بَنِي بَادِيسَ مُلُوكِ إِفْرِيقِيَّةَ - كَمَا يَأْتِي ذِكْرُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَكْرَمَهُ الْمَنْصُورُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَوَصَلَ كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ خَزَرٍ يَذْكُرُ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ أَبُو يَزِيدَ مِنَ الرِّمَالِ. وَمَرِضَ الْمَنْصُورُ مَرَضًا شَدِيدًا أَشَفَى مِنْهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ مِنْ مَرَضِهِ، رَحَلَ إِلَى الْمَسِيلَةِ ثَانِيَ رَجَبٍ، وَكَانَ أَبُو يَزِيدَ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا لَمَّا بَلَغَهُ مِنْ مَرَضِ الْمَنْصُورِ، وَحَصَرَهَا، فَلَمَّا قَصَدَهُ الْمَنْصُورُ، هَرَبَ مِنْهُ يُرِيدُ بِلَادَ السُّودَانِ، فَأَبَى ذَلِكَ بَنُو كَمْلَانَ وَهَوَارَةَ وَخَدَعُوهُ، وَصَعِدَ إِلَى جِبَالِ كُتَامَةَ وَعَجِيسَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَتَحَصَّنَ بِهَا وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا، وَصَارُوا يَنْزِلُونَ يَتَخَطَّفُونَ النَّاسَ، فَسَارَ الْمَنْصُورُ عَاشِرَ شَعْبَانَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَنْزِلْ أَبُو يَزِيدَ، فَلَمَّا عَادَ نَزَلَ إِلَى سَاقَةِ الْعَسْكَرِ، فَرَجَعَ الْمَنْصُورُ، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ فَانْهَزَمَ أَبُو يَزِيدَ، وَأَسْلَمَ أَوْلَادَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَلَحِقَهُ فَارِسَانِ فَعَقَرَا فَرَسَهُ فَسَقَطَ عَنْهُ، فَأَرْكَبَهُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَهُ زِيرِي بْنُ مُنَادٍ فَطَعَنَهُ فَأَلْقَاهُ، وَكَثُرَ الْقِتَالُ عَلَيْهِ، فَخَلَّصَهُ أَصْحَابُهُ وَخَلَصُوا مَعَهُ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ. ثُمَّ سَارَ الْمَنْصُورُ فِي أَثَرِهِ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَاقْتَتَلُوا أَيْضًا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى الْهَزِيمَةِ لِضِيقِ الْمَكَانِ وَخُشُونَتِهِ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَبُو يَزِيدَ أَيْضًا، وَاحْتَرَقَتْ أَثْقَالُهُ وَمَا فِيهَا، وَطَلَعَ أَصْحَابُهُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ يَرْمُونَ بِالصَّخْرِ، وَأَحَاطَ الْقِتَالُ ( بِالْمَنْصُورِ وَتَوَاخَذُوا بِالْأَيْدِي، وَكَثُرَ الْقَتْلُ ) حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ الْفَنَاءُ، وَافْتَرَقُوا عَلَى السَّوَاءِ، وَالْتَجَأَ أَبُو يَزِيدَ إِلَى قَلْعَةِ كُتَامَةَ، وَهِيَ مَنِيعَةٌ، فَاحْتَمَى بِهَا. وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ( أَتَى إِلَى الْمَنْصُورِ ) جُنْدٌ لَهُ مَنْ كُتَامَةَ بِرَجُلٍ ظَهَرَ فِي أَرْضِهِمُ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِقَتْلِهِ، وَأَقْبَلَتْ هَوَارَةُ وَأَكْثَرُ مَنْ مَعَ أَبِي يَزِيدَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمُ الْمَنْصُورُ، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ كُتَامَةَ، فَحَصَرَ أَبَا يَزِيدَ فِيهَا، وَفَرَّقَ جُنْدَهُ حَوْلَهَا، فَنَاشَبَهُ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ الْقِتَالَ، وَزَحَفَ إِلَيْهَا الْمَنْصُورُ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَفِي آخِرِهَا مَلَكَ أَصْحَابُهُ بَعْضَ الْقَلْعَةِ، وَأَلْقَوْا فِيهَا النِّيرَانَ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ ( وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَدَخَلَ أَبُو يَزِيدَ ) وَأَوْلَادُهُ وَأَعْيَانُ أَصْحَابِهِ إِلَى قَصْرٍ فِي الْقَلْعَةِ، فَاجْتَمَعُوا فِيهِ، فَاحْتَرَقَتْ أَبْوَابُهُ وَأَدْرَكَهُمُ الْقَتْلُ، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِإِشْعَالِ النَّارِ فِي شِعَارِي الْجَبَلِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ لِئَلًا يَهْرَبَ أَبُو يَزِيدَ، فَصَارَ اللَّيْلُ كَالنَّهَارِ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ، خَرَجَ أَصْحَابُهُ وَهُمْ يَحْمِلُونَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ، وَحَمَلُوا عَلَى النَّاسِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَأَفْرَجُوا لَهُمْ، فَنَجَوْا بِهِ، وَنَزَلَ مِنَ الْقَلْعَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأُخِذُوا، فَأَخْبَرُوا بِخُرُوجِ أَبِي يَزِيدَ، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ يَطْلُبُهُ، وَقَالَ: مَا أَظُنُّهُ إِلَّا قَرِيبًا مِنَّا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أُتِيَ بِأَبِي يَزِيدَ، وَذَلِكَ أَنَّ ثَلَاثَةً مِنْ أَصْحَابِهِ حَمَلُوهُ مِنَ الْمَعْرَكَةِ ثُمَّ وَلَّوْا عَنْهُ، وَإِنَّمَا حَمَلُوهُ لِقُبْحِ عَرَجِهِ، فَذَهَبَ لِيَنْزِلَ مِنَ الْوَعْرِ، فَسَقَطَ فِي مَكَانٍ صَعْبٍ، فَأُدْرِكَ فَأُخِذَ وَحُمِلَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ - تَعَالَى، وَالنَّاسُ يُكَبِّرُونَ حَوْلَهُ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ إِلَى سَلْخِ الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَمَاتَ مِنَ الْجِرَاحِ الَّتِي بِهِ، فَأَمَرَ بِإِدْخَالِهِ فِي قَفَصٍ عُمِلَ لَهُ، وَجَعَلَ مَعَهُ قِرْدَيْنِ يَلْعَبَانِ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ بِسَلْخِ جِلْدِهِ وَحَشَاهُ تِبْنًا، وَأَمَرَ بِالْكُتُبِ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ بِالْبِشَارَةِ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ عِدَّةُ خَوَارِجَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ خَزَرٍ، فَظَفِرَ بِهِ الْمَنْصُورُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ يُرِيدُ نُصْرَةَ أَبِي يَزِيدَ، وَخَرَجَ أَيْضًا فَضْلُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، وَأَفْسَدَ وَقَطَعَ الطَّرِيقَ، فَغَدَرَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى الْمَنْصُورِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ [ وَثَلَاثِمِائَةٍ ] أَيْضًا، وَعَادَ الْمَنْصُورُ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، فَدَخَلَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه