التاريخ 3781
ثم دخلت سنة سبع عشرة وثلاثمائة
عَوْدِ الْمُقْتَدِرِ إِلَى الْخِلَافَةِ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ سَابِعَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ بَكَّرَ النَّاسُ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ لِأَنَّهُ يَوْمُ مَوْكِبِ دَوْلَةٍ جَدِيدَةٍ، فَامْتَلَأَتِ الْمَمَرَّاتُ، وَالْمُرَاحَاتُ، وَالرِّحَابُ، وَشَاطِئُ دِجْلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَحَضَرَ الرَّجَّالَةُ الْمُصَافِيَّةُ فِي السِّلَاحِ الشَّاكِي، يُطَالِبُونَ بِحَقِّ الْبَيْعَةِ، وَرِزْقِ سَنَةٍ، وَهُمْ حَنِقُونَ بِمَا فَعَلَ بِهِمْ نَازُوكُ، وَلَمْ يَحْضُرْ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَارْتَفَعَتْ زَعَقَاتُ الرَّجَّالَةِ، فَسَمِعَ بِهَا نَازُوكُ، فَأَشْفَقَ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فِتْنَةٌ وَقِتَالٌ، فَتَقَدَّمَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَعْرِضُوا لَهُمْ، وَلَا يُقَاتِلُوهُمْ وَزَادَ شَغَبُ الرَّجَّالَةِ، وَهَجَمُوا يُرِيدُونَ الصَّحْنَ التِّسْعِينِيَّ، فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ أَصْحَابُ نَازُوكَ، وَدَخَلَ مَنْ كَانَ عَلَى الشَّطِّ بِالسِّلَاحِ، وَقَرُبَتْ زَعَقَاتُهُمْ مِنْ مَجْلِسِ الْقَاهِرِ بِاللَّهِ، وَعِنْدَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ مُقْلَةَ الْوَزِيرُ، وَنَازُوكُ، وَأَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ، فَقَالَ الْقَاهِرُ لِنَازُوكَ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَسَكِّنْهُمْ، وَطَيِّبْ قُلُوبَهُمْ ! فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَازُوكُ وَهُوَ مَخْمُورٌ، قَدْ شَرِبَ طُولَ لَيْلَتِهِ، فَلَمَّا رَآهُ الرَّجَّالَةُ تَقَدَّمُوا إِلَيْهِ لِيَشْكُوا حَالَهُمْ إِلَيْهِ فِي مَعْنَى أَرْزَاقِهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ بِأَيْدِيهِمُ السُّيُوفُ يَقْصِدُونَهُ خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ فَهَرَبَ، فَطَمِعُوا فِيهِ، فَتَبِعُوهُ، فَانْتَهَى بِهِ الْهَرَبُ إِلَى بَابٍ كَانَ هُوَ سَدَّهُ أَمْسِ، فَأَدْرَكُوهُ عِنْدَهُ، فَقَتَلُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ الْبَابِ، وَقَتَلُوا قَبْلَهُ خَادِمَهُ عَجِيبًا، وَصَاحُوا: يَا مُقْتَدِرُ، يَا مَنْصُورُ ! فَهَرَبَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي الدَّارِ مِنَ الْوَزِيرِ، وَالْحُجَّابِ، وَسَائِرِ الطَّبَقَاتِ وَبَقِيَتِ الدَّارُ فَارِغَةً، وَصَلَبُوا نَازُوكَ وَعَجِيبًا بِحَيْثُ يَرَاهُمَا مَنْ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ. ثُمَّ صَارَ الرَّجَّالَةُ إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ يَصِيحُونَ، وَيُطَالِبُونَهُ بِالْمُقْتَدِرِ، وَبَادَرَ الْخَدَمُ فَأَغْلَقُوا أَبْوَابَ دَارِ الْخَلِيفَةِ، وَكَانُوا جَمِيعُهُمْ خَدَمَ الْمُقْتَدِرِ، وَمَمَالِيكَهُ، وَصَنَائِعَهُ، وَأَرَادَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدَّارِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ الْقَاهِرُ، وَقَالَ: أَنَا فِي ذِمَامِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُسْلِمُكَ أَبَدًا، وَأَخَذَ بِيَدِ الْقَاهِرِ، وَقَالَ: قُمْ بِنَا نَخْرُجُ جَمِيعًا، وَأَدَعُو أَصْحَابِي وَعَشِيرَتِي فَيُقَاتِلُونَ مَعَكَ وَدُونَكَ. فَقَامَا لِيَخْرُجَا، فَوَجَدَا الْأَبْوَابَ مُغْلَقَةً، فَتَبِعَهُمَا فَائِقٌ وَجْهُ الْقَصْعَةِ يَمْشِي مَعَهُمَا، فَأَشْرَفَ الْقَاهِرُ مِنْ سَطْحٍ، فَرَأَى كَثْرَةَ الْجَمْعِ، فَنَزَلَ هُوَ وَابْنُ حَمْدَانَ وَفَائِقٌ، فَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ لِلْقَاهِرِ: قِفْ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، وَنَزَعَ سَوَادَهُ وَثِيَابَهُ، وَأَخَذَ جُبَّةَ صُوفٍ لِغُلَامٍ هُنَاكَ، فَلَبِسَهَا وَمَشَى نَحْوَ بَابِ النُّوبِىِّ، فَرَآهُ مُغْلَقًا وَالنَّاسُ مِنْ وَرَائِهِ، فَعَادَ إِلَى الْقَاهِرِ، وَتَأَخَّرَ عَنْهُمَا وَجْهُ الْقَصْعَةِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَدَمِ، فَأَمَرَهُمْ وَجْهُ الْقَصْعَةِ بِقَتْلِهِمَا أَخْذًا بِثَأْرِ الْمُقْتَدِرِ وَمَا صَنَعَا بِهِ، فَعَادَ إِلَيْهِمَا عَشَرَةٌ مِنَ الْخَدَمِ بِالسِّلَاحِ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْهَيْجَاءِ وَسَيْفُهُ بِيَدِهِ، وَنَزَعَ الْجُبَّةَ الصُّوفَ، وَأَخَذَهَا بِيَدِهِ الْأُخْرَى، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَانْجَفَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَغَشِيَهُمْ، فَرَمَوْهُ بِالنِّشَابِ ضَرُورَةً، فَعَادَ عَنْهُمْ، وَانْفَرَدَ عَنْهُ الْقَاهِرُ وَمَشَى إِلَى آخِرِ الْبُسْتَانِ فَاخْتَفَى مِنْهُ. وَدَخَلَ أَبُو الْهَيْجَاءِ إِلَى بَيْتٍ مِنْ سَاجٍ، وَتَقَدَّمَ الْخَدَمُ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْهَيْجَاءِ، فَوَلَّوْا هَارِبِينَ، وَدَخَلَ إِلَيْهِمْ بَعْضُ أَكَابِرِ الْغِلْمَانِ الْحُجَرِيَّةِ، وَمَعَهُ أَسْوَدَانِ بِسِلَاحٍ، فَقَصَدُوا أَبَا الْهَيْجَاءِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَرُمِيَ بِالسِّهَامِ فَسَقَطَ، فَقَصَدَهُ بَعْضُهُمْ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى، وَأَخَذَ رَأْسَهُ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ، وَمَشَى وَهُوَ مَعَهُ. وَأَمَّا الرَّجَّالَةُ فَإِنَّهُمْ لَمَّا انْتَهَوْا إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ وَسَمِعَ زَعَقَاتِهِمْ قَالَ: مَا الَّذِي تُرِيدُونَ ؟ فَقِيلَ لَهُ: نُرِيدُ الْمُقْتَدِرَ، فَأَمَرَ بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا قِيلَ لِلْمُقْتَدِرِ لِيَخْرُجَ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ تَكُونَ حِيلَةً عَلَيْهِ، فَامْتَنَعَ، وَحُمِلَ وَأُخْرِجَ إِلَيْهِمْ، فَحَمَلَهُ الرَّجَّالَةُ عَلَى رِقَابِهِمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُ دَارَ الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا حَصَلَ فِي الصَّحْنِ التِّسْعِينِيِّ اطْمَأَنَّ وَقَعَدَ، فَسَأَلَ عَنْ أَخِيهِ الْقَاهِرِ، وَعَنِ ابْنِ حَمْدَانَ، فَقِيلَ: هُمَا حَيَّانِ، فَكَتَبَ لَهُمَا أَمَانًا بِخَطِّهِ، وَأَمَرَ خَادِمًا بِالسُّرْعَةِ بِكِتَابِ الْأَمَانِ لِئَلَّا يَحْدُثَ عَلَى أَبِي الْهَيْجَاءِ حَادِثٌ، فَمَضَى بِالْخَطِّ إِلَيْهِ، ( فَلَقِيَهُ الْخَادِمُ ) الْآخَرُ وَمَعَهُ رَأْسٌ، فَعَادَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُقْتَدِرُ، وَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِهِ، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! مَنْ قَتَلَهُ ؟ فَقَالَ الْخَادِمُ: مَا نَعْرِفُ قَاتِلَهُ، وَعَظُمَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ، وَقَالَ: مَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَيُسَلِّينِي، وَيُذْهِبُ عَنِّي الْغَمَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ غَيْرُهُ. ثُمَّ أُخِذَ الْقَاهِرُ وَأُحْضِرَ عِنْدَ الْمُقْتَدِرِ، فَاسْتَدْنَاهُ، فَأَجْلَسَهُ عِنْدَهُ وَقَبَّلَ جَبِينَهُ وَقَالَ لَهُ: يَا أَخِي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَكَ، وَأَنَّكَ قُهِرْتَ، وَلَوْ لَقَّبُوكَ بِالْمَقْهُورِ لَكَانَ أَوْلَى مِنَ الْقَاهِرِ، وَالْقَاهِرُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! نَفْسِي، نَفْسِي، اذْكُرِ الرَّحِمَ الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ ! فَقَالَ لَهُ الْمُقْتَدِرُ: وَحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ لَا جَرَى عَلَيْكَ سُوءٌ مِنِّي أَبَدًا، وَلَا وَصَلَ أَحَدٌ إِلَى مَكْرُوهِكَ وَأَنَا حَيٌّ ! فَسَكَنَ وَأَخْرَجَ رَأْسَ نَازُوكَ، وَرَأْسَ أَبِي الْهَيْجَاءِ، وَشُهِّرَا، وَنُودِيَ عَلَيْهِمَا: هَذَا جَزَاءُ مَنْ عَصَى مَوْلَاهُ. وَأَمَّا بُنِّيُّ بْنُ نَفِيسٍ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشَدِّ الْقَوْمِ عَلَى الْمُقْتَدِرِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِرُجُوعِهِ إِلَى الْخِلَافَةِ، فَرَكِبَ جَوَادًا وَهَرَبَ عَنْ بَغْدَاذَ، ( وَغَيَّرَ زِيَّهُ )، وَسَارَ حَتَّى بَلَغَ الْمَوْصِلَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَسَارَ حَتَّى دَخَلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَتَنَصَّرَ. وَهَرَبَ أَبُو السَّرَايَا نَصْرُ بْنُ حَمْدَانَ أَخُو أَبِي الْهَيْجَاءِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ، وَأَحْضَرَ الْمُقْتَدِرُ أَبَا عَلِيِّ بْنَ مُقْلَةَ، وَأَعَادَهُ إِلَى وِزَارَتِهِ، وَأَطْلَقَ لِلْجُنْدِ أَرْزَاقَهُمْ وَزَادَهُمْ، وَبَاعَ مَا فِي الْخَزَائِنِ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْجَوَاهِرِ، وَأَذِنَ فِي بَيْعِ الْأَمْلَاكِ مِنَ النَّاسِ، فَبِيعَ ذَلِكَ بِأَرْخَصِ الْأَثْمَانِ، لِيُتِمَّ أُعْطِيَاتِ الْجُنْدِ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مُؤْنِسًا الْمُظَفَّرَ لَمْ يَكُنْ مُؤْثِرًا لِمَا جَرَى عَلَى الْمُقْتَدِرِ مِنَ الْخَلْعِ، وَإِنَّمَا وَافَقَ الْجَمَاعَةَ مَغْلُوبًا عَلَى رَأْيِهِ، وَلِعِلْمِهِ أَنَّهُ إِنْ خَالَفَهُمْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْمُقْتَدِرُ، وَوَافَقَهُمْ لِيُؤَمِّنُوهُ، وَسَعَى مَعَ الْغِلْمَانِ الْمُصَافِيَّةِ وَالْحُجَرِيَّةِ، وَوَضَعَ قُوَّادَهُمْ عَلَى أَنْ عَمِلُوا مَا عَمِلُوا، وَأَعَادُوا الْمُقْتَدِرَ إِلَى الْخِلَافَةِ، وَكَانَ هُوَ قَدْ قَالَ لِلْمُقْتَدِرِ، ( لَمَّا كَانَ ) فِي دَارِهِ: مَا تُرِيدُونَ أَنْ نَصْنَعَ ؟ فَلِهَذَا أَمَّنَهُ الْمُقْتَدِرُ، وَلَمَّا حَمَلُوهُ إِلَى دَارِ الْخِلَافَةِ مِنْ دَارِ مُؤْنِسٍ وَرَأَى فِيهَا كَثْرَةَ الْخَلْقِ وَالِاخْتِلَافِ عَادَ إِلَى دَارِ مُؤْنِسٍ لِثِقَتِهِ بِهِ، وَاعْتِمَادِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا هَوَى مُؤْنِسٍ مَعَ الْمُقْتَدِرِ لَكَانَ حَضَرَ عِنْدَ الْقَاهِرِ مَعَ الْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَكَانَ أَيْضًا قَتَلَ الْمُقْتَدِرَ لَمَّا طُلِبَ مِنْ دَارِهِ لِيُعَادَ إِلَى الْخِلَافَةِ. وَأَمَّا الْقَاهِرُ فَإِنَّ الْمُقْتَدِرَ حَبَسَهُ عِنْدَ وَالِدَتِهِ، فَأَحْسَنَتْ إِلَيْهِ، وَأَكْرَمَتْهُ، وَوَسَّعَتْ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ، وَاشْتَرَتْ لَهُ السَّرَارِيَ وَالْجَوَارِيَ لِلْخِدْمَةِ، وَبَالَغَتْ فِي إِكْرَامِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ( بِكُلِّ طَرِيقٍ ). وَعَادَ ابْنُ مُقْلَةَ، فَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ يُعْلِمُهُمْ بِعَوْدِ الْمُقْتَدِرِ ، وَتَرَاجَعَتِ الْأُمُورُ إِلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ بِبَغْدَادَ
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه