التاريخ 3763
ثم دخلت سنة خمس عشرة وثلاثمائة
( وُصُولِ الْقَرَامِطَةِ إِلَى الْعِرَاقِ ) وَقَتْلِ يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ فِي سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِمَسِيرِ أَبِي طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيِّ مِنْ هَجَرَ نَحْوَ الْكُوفَةِ ثُمَّ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ مِنَ الْبَصْرَةِ بِأَنَّهُ اجْتَازَ قَرِيبًا مِنْهُمْ نَحْوَ الْكُوفَةِ. فَكَتَبَ الْمُقْتَدِرُ إِلَى يُوسُفَ بْنِ أَبِي السَّاجِ يُعَرِّفُهُ هَذَا الْخَبَرَ، وَيَأْمُرُهُ بِالْمُبَادَرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا عَنْ وَاسِطَ، آخِرَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ بِالْكُوفَةِ الْأَنْزَالَ لَهُ وَلِعَسْكَرِهِ، فَلَمَّا وَصَلَهَا أَبُو طَاهِرٍ الْهَجَرِيُّ هَرَبَ نُوَّابُ السُّلْطَانِ عَنْهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا أَبُو طَاهِرٍ، وَعَلَى تِلْكَ الْأَنْزَالِ وَالْعُلُوفَاتِ، وَكَانَ فِيهَا مِائَةُ كُرٍّ دَقِيقًا، وَأَلْفُ كُرٍّ شَعِيرًا، وَكَانَ قَدْ فَنِيَ مَا مَعَهُ مِنَ الْمِيرَةِ وَالْعَلُوفَةِ، فَقَوُوا بِمَا أَخَذُوهُ. وَوَصَلَ يُوسُفُ إِلَى الْكُوفَةِ بَعْدَ وُصُولِ الْقَرْمَطِيِّ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَكَانَ وُصُولُهُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ثَامِنَ شَوَّالٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ الْمُقْتَدِرِ، فَإِنْ أَبَوْا فَمَوْعِدُهُمُ الْحَرْبُ يَوْمَ الْأَحَدِ، فَقَالُوا: لَا طَاعَةَ عَلَيْنَا إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْمَوْعِدُ بَيْنَنَا لِلْحَرْبِ بُكْرَةَ غَدٍ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ ابْتَدَأَ أَوْبَاشُ الْعَسْكَرِ بِالشَّتْمِ وَرَمْيِ الْحِجَارَةِ، وَرَأَى يُوسُفُ قِلَّةَ الْقَرَامِطَةِ، فَاحْتَقَرَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكِلَابَ بَعْدَ سَاعَةٍ فِي يَدِي ! وَتَقَدَّمَ بِأَنْ يَكْتُبَ كِتَابَ الْفَتْحِ وَالْبِشَارَةِ بِالظَّفَرِ قَبْلَ اللِّقَاءِ تَهَاوُنًا بِهِمْ. وَزَحَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، ( فَسَمِعَ أَبُو طَاهِرٍ ) أَصْوَاتَ الْبُوقَاتِ وَالزَّعَقَاتِ، فَقَالَ لِصَاحِبٍ لَهُ: مَا هَذَا ؟ فَقَالَ: فَشَلٌ ! قَالَ: أَجَلْ، لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، فَاقْتَتَلُوا مِنْ ضَحْوَةِ النَّهَارِ، يَوْمَ السَّبْتِ، إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَاهِرٍ ذَلِكَ بَاشَرَ الْحَرْبَ بِنَفْسِهِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ يَثِقُ بِهِمْ، وَحَمَلَ بِهِمْ، فَطَحَنَ أَصْحَابَ يُوسُفَ، وَدَقَّهُمْ، فَانْهَزَمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَسَرَ يُوسُفَ وَعَدَدًا كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَسْرُهُ وَقْتَ الْمَغْرِبِ، وَحَمَلُوهُ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَوَكَّلَ بِهِ أَبُو طَاهِرٍ طَبِيبًا يُعَالِجُ جِرَاحَهُ. وَوَرَدَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَاذَ بِذَلِكَ، فَخَافَ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ مِنَ الْقَرَامِطَةِ خَوْفًا شَدِيدًا، وَعَزَمُوا عَلَى الْهَرَبِ إِلَى حُلْوَانَ وَهَمَذَانَ، وَدَخَلَ الْمُنْهَزِمُونَ بَغْدَاذَ، أَكْثَرُهُمْ رَجَّالَةٌ، حُفَاةٌ، عُرَاةٌ، وَشَاعَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الْقِرْمِطِيَّ يُرِيدُ أَنْ يَقْصِدَ بَغْدَادَ لِيَأْخُذَهَا، فَانْزَعَجَ الْمُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، وَظَنُّوا صِدْقَهُ، فَاجْتَمَعَ الْوَزِيرُ بِالْخَلِيفَةِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْأَمْوَالَ إِنَّمَا تُدَّخَرُ لِتَكَوُّنَ عَوْنًا عَلَى قِتَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَقَعْ بَعْدَ زَمَنِ الصَّحَابَةِ أَفْظَعُ مِنْهُ، قَدْ قَطَعَ هَذَا الْكَافِرُ طَرِيقَ الْحَجِّ عَلَى النَّاسِ، وَفَتَكَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَإِنَّ بَيْتَ الْمَالِ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَاطِبِ السَّيِّدَةَ - يَعْنِي أُمَّهُ - فَإِنْ كَانَ عِنْدَهَا مَالٌ قَدِ ادَّخَرَتْهُ لِشِدَّةٍ، فَهَذَا وَقْتُهُ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّهِ فَكَانَتْ هِيَ الَّتِي ابْتَدَأَتْهُ بِذَلِكَ، وَبَذَلَتْ لَهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِثْلُهَا فَسَلَّمَهَا الْخَلِيفَةُ إِلَى الْوَزِيرِ لِيَصْرِفَهَا فِي تَنْفِيذِ الْجُيُوشِ نَحْوَ الْقَرَامِطَةِ فَبَرَزَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ لِيَسِيرَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِأَنَّ الْقَرَامِطَةَ قَدْ سَارُوا إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، فَأَنْفَذَ مِنْ بَغْدَاذَ خَمْسَمِائَةِ سُمَيْرِيَّةٍ فِيهَا الْمُقَاتِلَةُ لِتَمْنَعَهُمْ مِنْ عُبُورِ الْفُرَاتِ، ( وَسَيَّرَ جَمَاعَةً مِنَ الْجَيْشِ إِلَى الْأَنْبَارِ لِحِفْظِهَا، وَمَنْعِ الْقَرَامِطَةِ مِنَ الْعُبُورِ هُنَالِكَ. ثُمَّ إِنَّ الْقَرَامِطَةَ قَصَدُوا الْأَنْبَارَ، فَقَطَعَ أَهْلُهَا الْجِسْرَ، وَنَزَلَ الْقَرَامِطَةُ غَرْبَ الْفُرَاتِ، وَأَنْفَذَ أَبُو طَاهِرٍ أَصْحَابَهُ إِلَى الْحَدِيثَةِ، فَأَتَوْهُ بِسُفُنٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَهْلُ الْأَنْبَارِ بِذَلِكَ، وَعَبَرَ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْقَرَامِطَةِ، فَقَاتَلُوا عَسْكَرَ الْخَلِيفَةِ، فَهَزَمُوهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَاسْتَوْلَى الْقَرَامِطَةُ عَلَى مَدِينَةِ الْأَنْبَارِ، وَعَقَدُوا الْجِسْرَ، وَعَبَرَ أَبُو طَاهِرٍ جَرِيدَةَ وَخَلَّفَ سَوَادَهُ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ. وَلَمَّا وَرَدَ الْخَبَرُ بِعُبُورِ أَبِي طَاهِرٍ إِلَى الْأَنْبَارِ، خَرَجَ نَصْرٌ الْحَاجِبُ فِي عَسْكَرٍ جَرَّارٍ، فَلَحِقَ بِمُؤْنِسٍ الْمُظَفَّرِ، فَاجْتَمَعَا فِي نَيِّفٍ وَأَرْبَعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، سِوَى الْغِلْمَانِ وَمَنْ يُرِيدُ النَّهْبَ، وَكَانَ مِمَّنْ مَعَهُ أَبُو الْهَيْجَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمْدَانَ، وَمِنْ إِخْوَتِهِ أَبُو الْوَلِيدِ، وَأَبُو السَّرَايَا فِي أَصْحَابِهِمْ، وَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا نَهْرَ زَبَارَا، عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ بَغْدَاذَ، عِنْدَ عَقْرَقُوفَ، فَأَشَارَ أَبُو الْهَيْجَاءِ بْنُ حَمْدَانَ بِقَطْعِ الْقَنْطَرَةِ الَّتِي عَلَيْهِ، فَقَطَعُوهَا، وَسَارَ أَبُو طَاهِرٍ وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَهُمْ، فَبَلَغُوا نَهْرَ زَبَارَا، وَفِي أَوَائِلِهِمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، فَمَا زَالَ الْأَسْوَدُ يَدْنُو مِنَ الْقَنْطَرَةِ، وَالنِّشَابُ يَأْخُذُهُ، وَلَا يَمْتَنِعُ، حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْهَا، فَرَآهَا مَقْطُوعَةً، فَعَادَ وَهُوَ مِثْلُ الْقُنْفُذِ. وَأَرَادَ الْقَرَامِطَةُ الْعُبُورَ فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ لِأَنَّ النَّهْرَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَخَاضَةٌ، وَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ هَرَبَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ إِلَى بَغْدَاذَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْقَوْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ حَمْدَانَ ذَلِكَ قَالَ لِمُؤْنِسٍ: كَيْفَ رَأَيْتَ مَا أَشَرْتُ بِهِ عَلَيْكُمْ ؟ فَوَاللَّهِ لَوْ عَبَرَ الْقَرَامِطَةُ النَّهْرَ لَانْهَزَمَ كُلُّ مَنْ مَعَكَ وَلَأَخَذُوا بَغْدَاذَ، وَلَمَّا رَأَى الْقَرَامِطَةُ ذَلِكَ، ( عَادُوا إِلَى الْأَنْبَارِ )، مقتل يوسف بن أبي الساج وَسَيَّرَ مُؤْنِسٌ الْمُظَفَّرُ صَاحِبَهُ بُلَيْقًا فِي سِتَّةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، إِلَى عَسْكَرِ الْقَرَامِطَةِ، غَرْبِيَّ الْفُرَاتِ، لِيَغْنَمُوهُ وَيُخَلِّصُوا ابْنَ أَبِي السَّاجِ، فَبَلَغُوا إِلَيْهِمْ، وَقَدْ عَبَرَ أَبُو طَاهِرٍ الْفُرَاتَ فِي زَوْرَقِ صَيَّادٍ، وَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا رَآهُ أَصْحَابُهُ قَوِيَتْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمَّا أَتَاهُمْ عَسْكَرُ مُؤْنِسٍ كَانَ أَبُو طَاهِرٍ عِنْدَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْخَلِيفَةِ. وَنَظَرَ أَبُو طَاهِرٍ إِلَى ابْنِ أَبِي السَّاجِ وَهُوَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْخَيْمَةِ يَنْظُرُ وَيَرْجُو الْخَلَاصَ، وَقَدْ نَادَاهُ أَصْحَابُهُ: أَبْشِرْ بِالْفَرَجِ ! فَلَمَّا انْهَزَمُوا أَحْضَرَهُ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ جَمِيعَ الْأَسْرَى مِنْ أَصْحَابِهِ. وَسَلِمَتْ بَغْدَاذُ مِنْ نَهْبِ الْعَيَّارِينَ، لِأَنَّ نَازُوكَ كَانَ يَطُوفُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَمَنْ وَجَدُوهُ بَعْدَ الْعَتَمَةِ قَتَلُوهُ فَامْتَنَعَ الْعَيَّارُونَ، وَاكْتَرَى كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ سُفُنًا، وَنَقَلُوا إِلَيْهَا أَمْوَالَهُمْ، وَرَبَطُوهَا لِيَنْحَدِرُوا إِلَى وَاسِطَ، وَفِيهِمْ مَنْ نَقَلَ مَتَاعَهُ إِلَى وَاسِطَ وَإِلَى حُلْوَانَ لِيَسِيرُوا إِلَى خُرَاسَانَ. وَكَانَ عِدَّةُ الْقَرَامِطَةِ أَلْفَ رَجُلٍ وَخَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةِ فَارِسٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَاجِلٍ، وَقِيلَ كَانُوا أَلْفَيْنِ وَسَبْعَمِائَةٍ. وَقَصَدَ الْقَرَامِطَةُ مَدِينَةَ هَيْتَ، وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ قَدْ سَيَّرَ إِلَيْهَا سَعِيدَ بْنَ حَمْدَانَ، وَهَارُونَ بْنَ غَرِيبٍ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْقَرَامِطَةُ رَأَوْا عَسْكَرَ الْخَلِيفَةِ قَدْ سَبَقَهُمْ فَقَاتَلُوهُمْ عَلَى السُّورِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْقَرَامِطَةِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، فَعَادُوا عَنْهَا. وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ بَغْدَاذَ عَوْدُهُمْ مِنْ هَيْتَ سَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمَّا عَلِمَ الْمُقْتَدِرُ بِعِدَّةِ عَسْكَرِهِ وَعَسْكَرِ الْقَرَامِطَةِ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ أَلْفًا يَعْجَزُونَ عَنْ أَلْفَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ. وَجَاءَ إِنْسَانٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَأَخْبَرَهُ أَنَّ فِي جِيرَانِهِ رَجُلًا مِنْ شِيرَازَ عَلَى مَذْهَبِ الْقَرَامِطَةِ يُكَاتِبُ أَبَا طَاهِرٍ بِالْأَخْبَارِ، فَأَحْضَرَهُ، وَسَأَلَهُ وَاعْتَرَفَ، وَقَالَ: مَا صَحِبْتُ أَبَا طَاهِرٍ إِلَّا لِمَا صَحَّ عِنْدِي أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَأَنْتَ وَصَاحِبُكَ كُفَّارٌ تَأْخُذُونَ مَا لَيْسَ لَكُمْ، وَلَا بُدَّ لِلَّهِ مِنْ حُجَّةٍ فِي أَرْضِهِ، وَإِمَامُنَا الْمَهْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَانِ بْنِ فُلَانِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ الْمُقِيمُ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَلَسْنَا كَالرَّافِضَةِ، ( وَالِاثْنَيْ عَشْرِيَّةَ ) الَّذِينَ يَقُولُونَ بِجَهْلِهِمْ إِنَّ لَهُمْ إِمَامًا يَنْتَظِرُونَهُ، وَيَكْذِبُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَيَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُهُ وَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقْرَأُ، وَلَا يُنْكِرُونَ بِجَهْلِهِمْ وَغَبَاوَتِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مِنَ الْعُمْرِ مَا يَظُنُّونَهُ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ خَالَطْتَ عَسْكَرَنَا وَعَرَفْتَهُمْ، فَمَنْ فِيهِمْ عَلَى مَذْهَبِكَ ؟ فَقَالَ: وَأَنْتَ بِهَذَا الْعَقْلِ تُدَبِّرُ الْوِزَارَةُ، كَيْفَ تَطْمَعُ مِنِّي أَنَّنِي أُسَلِّمُ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ يَقْتُلُونَهُمْ ؟ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ. فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَمُنِعَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَقَدْ كَانَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ قَبْلَ قِتَالِهِ الْقَرَامِطَةَ قَدْ قَبَضَ عَلَى وَزِيرِهِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ النِّيرَمَانِيِّ وَجَعَلَ مَكَانَهُ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ هَارُونَ، وَصَادَرَ مُحَمَّدًا عَلَى خَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ النِّيرَمَانِيَّ عَظُمَ شَأْنُهُ، وَكَثُرَ مَالُهُ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِوِزَارَةِ الْخَلِيفَةِ، فَكَتَبَ إِلَى نَصْرٍ الْحَاجِبِ يَخْطُبُ الْوِزَارَةَ. وَيَسْعَى بِابْنِ أَبِي السَّاجِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ قَرْمَطِيٌّ يَعْتَقِدُ إِمَامَةَ الْعَلَوِيِّ الَّذِي بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَإِنَّنِي نَاظِرْتُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ، وَإِنَّهُ لَا يَسِيرُ إِلَى قِتَالِ أَبِي طَاهِرٍ الْقَرْمَطِيِّ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْمَالَ بِهَذَا السَّبَبِ، وَيَقْوَى بِهِ عَلَى قَصْدِ حَضْرَةِ السُّلْطَانِ، وَإِزَالَةِ الْخِلَافَةِ عَنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَطَوَّلَ فِي ذَلِكَ وَعَرَّضَ. وَكَانَ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلَفٍ أَعْدَاءٌ قَدْ أَسَاءَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ أَبِي السَّاجِ ( فَسَعَوْا بِهِ، فَأَعْلَمُوا يُوسُفَ بْنَ أَبِي السَّاجِ ) ذَلِكَ، وَأَرَوْهُ كُتُبًا جَاءَتْهُ مِنْ بَغْدَاذَ فِي الْمَعْنَى مَنْ نَصْرٍ الْحَاجِبِ وَفِيهَا رُمُوزٌ إِلَى قَوَاعِدَ قَدْ تَقَدَّمَتْ وَتَقَرَّرَتْ، وَفِيهَا الْوَعْدُ لَهُ بِالْوِزَارَةِ، وَعَزْلِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الْوَزِيرِ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ قَبَضَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أُسِرَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ تَخَلَّصَ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي السَّاجِ يُسَمَّى الشَّيْخَ الْكَرِيمَ لِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ خِلَالِ الْكَمَالِ وَالْكَرَمِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه