التاريخ 3353
سنة إحدى وأربعين ومائتين
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ وُثُوبِ أَهْلِ حِمْصَ بِعَامِلِهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ أَهْلُ حِمْصَ بِعَامِلِهِمْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدَوَيْهِ، وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ نَصَارَى حِمْصَ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِمُنَاهَضَتِهِمْ، وَأَمَدَّهُ بِجُنْدٍ مِنْ دِمَشْقَ وَالرَّمْلَةِ، ( فَظَفَرَ بِهِمْ )، فَضَرَبَ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ حَتَّى مَاتَا وَصَلَبَهُمَا عَلَى بَابِ حِمْصَ، وَسَيَّرَ ثَمَانِيَةَ رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، وَظَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَشَرَةِ رِجَالٍ مِنْ أَعْيَانِهِمْ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَأَمَرَهُ الْمُتَوَكِّلُ بِإِخْرَاجِ النَّصَارَى مِنْهَا، وَهَدْمِ كَنَائِسِهِمْ، وَبِإِدْخَالِ الْبَيْعَةِ الَّتِي إِلَى جَانِبِ الْجَامِعِ إِلَى الْجَامِعِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. ذِكْرُ الْفِدَاءِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، بَعْدَ أَنْ قَتَلَتْ تَدُورَةُ مَلِكَةُ الرُّومِ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَإِنَّهَا عَرَضَتِ النَّصْرَانِيَّةَ عَلَى الْأَسْرَى، فَمَنْ تَنَصَّرَ جَعَلَتْهُ أُسْوَةَ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْمُتَنَصِّرَةِ، وَمَنْ أَبَى قَتَلَتْهُ، وَأَرْسَلَتْ تَطْلُبُ الْمُفَادَاةَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، فَأَرْسَلَ الْمُتَوَكِّلُ شُنَيْفًا الْخَادِمَ عَلَى الْفِدَاءِ، وَطَلَبَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ أَنْ يَحْضُرَ الْفِدَاءَ، وَيَسْتَخْلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَأَذِنَ لَهُ فَحَضَرَهُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْقَضَاءِ ابْنَ أَبِي الشَّوَارِبِ، وَهُوَ شَابٌّ، وَوَقَعَ الْفِدَاءُ عَلَى نَهْرِ اللَّامِسِ، فَكَانَ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الرِّجَالِ سَبْعَ مِائَةٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ مِائَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ امْرَأَةً. وَفِيهَا جَعَلَ الْمُتَوَكِّلُ كُلَّ كُورَةٍ شِمْشَاطَ عُشْرِيَّةً، وَكَانَتْ خَرَاجِيَّةً. ذِكْرُ غَارَاتِ الْبُجَاةِ بِمِصْرَ وَفِيهَا أَغَارَتِ الْبُجَاةُ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ لَا تَغْزُو بِلَادَ الْإِسْلَامِ لِهُدْنَةٍ قَدِيمَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا مَضَى، وَفِي بِلَادِهِمْ مَعَادِنُ يُقَاسِمُونَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، وَيُؤَدُّونَ إِلَى عُمَّالِ مِصْرَ نَحْوَ الْخُمْسِ. فَلَمَّا كَانَتْ أَيَّامُ الْمُتَوَكِّلِ امْتَنَعَتْ عَنْ أَدَاءِ ذَلِكَ، فَكَتَبَ صَاحِبُ الْبَرِيدِ بِمِصْرَ بِخَبَرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ قَتَلُوا عِدَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ يَعْمَلُ فِي الْمَعَادِنِ، فَهَرَبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهَا خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَأَنْكَرَ الْمُتَوَكِّلُ ذَلِكَ، فَشَاوَرَ فِي أَمْرِهِمْ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّهُمْ أَهْلُ بَادِيَةٍ، أَصْحَابُ إِبِلٍ وَمَاشِيَةٍ، وَأَنَّ الْوُصُولَ إِلَى بِلَادِهِمْ صَعْبٌ لِأَنَّهَا مَفَاوِزُ، وَبَيْنَ أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةَ شَهْرٍ فِي أَرْضٍ قَفْرٍ وَجِبَالٍ وَعِرَةٍ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُهَا مِنَ الْجُيُوشِ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَزَوَّدَ لِمُدَّةٍ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ يُقِيمُهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ جَاوَزَ تِلْكَ الْمُدَّةَ هَلَكَ، وَأَخَذَتْهُمُ الْبُجَاةُ بِالْيَدِ، وَأَنَّ أَرْضَهُمْ لَا تَرُدُّ عَلَى سُلْطَانٍ شَيْئًا. فَأَمْسَكَ الْمُتَوَكِّلُ عَنْهُمْ، فَطَمِعُوا وَزَادَ شَرُّهُمْ حَتَّى خَافَ أَهْلُ الصَّعِيدِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ، فَوَلَّى الْمُتَوَكِّلُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيَّ مُحَارَبَتَهُمْ، وَوَلَّاهُ مَعُونَةَ تِلْكَ الْكُورِ، وَهِيَ قُفْطُ، وَالْأَقْصُرُ، وَأَسْنَا وَأَرْمَنْتُ، وَأَسْوَانُ، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ الْبُجَاةِ، وَكَتَبَ إِلَى عَنْبَسَةَ بْنِ إِسْحَاقَ الضَّبِّيِّ عَامِلِ حَرْبِ مِصْرَ بِإِزَاحَةِ عِلَّتِهِ، وَإِعْطَائِهِ مِنَ الْجُنْدِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى أَرْضِ الْبُجَاةِ وَتَبِعَهُ مِمَّنْ يَعْمَلُ فِي الْمَعَادِنِ وَالْمُتَطَوِّعَةُ عَالَمٌ كَثِيرٌ، فَبَلَغَتْ عِدَّتُهُمْ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَوَجَّهَ إِلَى الْقُلْزُمِ، فَحَمَّلَ فِي الْبَحْرِ سَبْعَةَ مَرَاكِبَ مَوْقُورَةً بِالدَّقِيقِ، وَالزَّيْتِ، وَالتَّمْرِ، وَالشَّعِيرِ، وَالسَّوِيقِ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُوَافُوهُ بِهَا فِي سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي بِلَادَ الْبُجَاةِ، وَسَارَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَعَادِنَ الَّتِي يُعْمَلُ فِيهَا الذَّهَبُ، وَسَارَ إِلَى حُصُونِهِمْ وَقِلَاعِهِمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهُمْ، وَاسْمُهُ عَلِيُّ بَابَا، فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ أَضْعَافِ مَنْ مَعَ الْقُمِّيِّ، فَكَانَتِ الْبُجَاةُ عَلَى الْإِبِلِ، وَهِيَ إِبِلٌ فُرَّةٌ تُشْبِهُ الْمَهَارِي، فَتَحَارَبُوا أَيَّامًا وَلَمْ يَصْدُقْهُمْ عَلِيُّ بَابَا الْقِتَالَ لِتَطُولَ الْأَيَّامُ، وَتَفْنَى أَزْوَادُ الْمُسْلِمِينَ وَعَلُوفَاتُهُمْ، فَيَأْخُذَهُمْ بِغَيْرِ حَرْبٍ، فَأَقْبَلَتْ تِلْكَ الْمَرَاكِبُ الَّتِي فِيهَا الْأَقْوَاتُ فِي الْبَحْرِ، فَفَرَّقَ الْقُمِّيُّ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ أَصْحَابِهِ ( فَامْتَنَعُوا فِيهَا ). فَلَمَّا رَأَى عَلِيُّ بَابَا ذَلِكَ صَدَقَهُمُ الْقِتَالَ، وَجَمَعَ لَهُمْ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَتْ إِبِلُهُمْ ذَعِرَةً تَنْفِرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمَّا رَأَى الْقُمِّيُّ ذَلِكَ جَمَعَ كَلَّ جَرَسٍ فِي عَسْكَرِهِ وَجَعَلَهَا فِي أَعْنَاقِ خَيْلِهِ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى الْبُجَاةِ، فَنَفَرَتْ إِبِلُهُمْ لِأَصْوَاتِ الْأَجْرَاسِ، فَحَمَلَتْهُمْ عَلَى الْجِبَالِ وَالْأَوْدِيَةِ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَتْلًا وَأَسْرًا، حَتَّى أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَذَلِكَ أَوَّلَ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُعَسْكَرِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِحْصَاءِ الْقَتْلَى لِكَثْرَتِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ مَلِكَهُمْ عَلِيَّ بَابَا طَلَبَ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ عَلَى أَنْ يَرُدَّ مَمْلَكَتَهُ وَبِلَادَهُ، فَأَدَّى إِلَيْهِمُ الْخَرَاجَ لِلْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ مَنَعَهَا، وَهِيَ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَسَارَ مَعَ الْقُمِّيِّ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، وَاسْتَخْلَفَ ( عَلَى مَمْلَكَتِهِ ) ابْنَهُ بَغْشَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ خَلَعَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، وَكَسَا جَمَلَهُ رَحْلًا مَلِيحًا وَجِلَالَ دِيبَاجٍ. وَوَلَّى الْمُتَوَكِّلُ الْبُجَاةَ طَرِيقَ مِصْرَ، مَا بَيْنَ مِصْرَ وَمَكَّةَ، سَعْدًا الْخَادِمَ الْإِيتَاخِيَّ، فَوَلَّى الْإِيتَاخِيُّ مُحَمَّدًا الْقُمِّيَّ، فَرَجَعَ إِلَيْهَا وَمَعَهُ عَلِي بَابَا وَهُوَ عَلَى دِينِهِ، وَكَانَ مَعَهُ صَنَمٌ مِنْ حِجَارَةٍ كَهَيْئَةِ الصَّبِيِّ يَسْجُدُ لَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا مُطِرَ النَّاسُ بِسَامَرَّا مَطَرًا شَدِيدًا فِي آبَ. ضرب عيسى بن جعفر ألف سوط وَقِيلَ فِيهَا: إِنَّهُ أُنْهِيَ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ أَنَّ عِيسَى بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمٍ، صَاحِبَ خَانِ عَاصِمٍ بِبَغْدَاذَ، يَشْتُمُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسِّيَاطِ، فَإِذَا مَاتَ رَمَى بِهِ فِي دِجْلَةَ، ( فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأُلْقِيَ فِي دِجْلَةَ ). وَفِيهَا وَقَعَ الصِّدَامُ فَنَفَقَتِ الدَّوَابُّ وَالْبَقَرُ. إِغَارَةُ الرُّومِ عَلَى عَيْنِ زَرِبَةَ وَفِيهَا أَغَارَتِ الرُّومُ عَلَى عَيْنِ زِرْبَةَ، فَأَخَذَتْ مَنْ كَانَ بِهَا أَسِيرًا مِنَ الزُّطِّ مَعَ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ وَدَوَابِّهِمْ. ( وَفِيهَا أَكْثَرَ مُحَمَّدٌ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، مِنَ الرِّجَالِ بِقَلْعَةِ رَبَاحٍ وَتِلْكَ النَّوَاحِي، لِيَقِفُوا عَلَى أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ، وَسَيَّرَ الْجُيُوشَ إِلَى غَزْوِ الْفِرِنْجِ مَعَ مُوسَى، فَدَخَلُوا بِلَادَهُمْ، وَوَصَلُوا إِلَى أُلْبَةَ وَالْقِلَاعِ، وَافْتَتَحُوا بَعْضَ حُصُونِهَا وَعَادُوا ). وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ. وَحَجَّ جَعْفَرُ بْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ وَالِي الطَّرِيقِ وَأَحْدَاثِ الْمَوْسِمِ. وَفِيهَا كَثُرَ انْقِضَاضُ النُّجُومِ ، فَكَانَتْ كَثِيرَةً لَا تُحْصَى، فَبَقِيَتْ لَيْلَةً مِنَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى الصُّبْحِ. وَفِيهَا كَانَتْ بِالرَّيِّ زَلْزَلَةٌ شَدِيدَةٌ هَدَمَتِ الْمَسَاكِنَ، وَمَاتَ تَحْتَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ، وَبَقِيَتْ تَتَرَدَّدُ فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَفِيهَا خَرَجَتْ رِيحٌ مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ، فَقَتَلَتْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ يُصِيبُهُمْ بَرْدُهَا ( فَيُزْكَمُونَ )، فَبَلَغَتْ سَرْخَسَ، وَنَيْسَابُورَ، وَهَمَذَانَ، وَالرَّيَّ، فَانْتَهَتْ إِلَى حُلْوَانَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: وَقَعَ بِسَامُرَّاءَ حَرِيقٌ احْتَرَقَ فِيهِ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةِ حَانُوتٍ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه