التاريخ 3236
سنة عشر ومائتين
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 1180 - إِسْحَاقُ بْنُ مِرَارٍ، أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ . صَاحِبُ الْعَرَبِيَّةِ، سَمِعَ حَدِيثًا كَثِيرًا. كُوفِيٌّ نَزَلَ بَغْدَادَ، وَحَدَّثَ بِهَا، وَرَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَكَانَ يُلَازِمُ مَجْلِسَهُ وَيَسْأَلُهُ وَيَكْتُبُ أَمَالِيهِ، وَرَوَى عَنْهُ: أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ عَالِمًا بِاللُّغَةِ، ثِقَةً فِيمَا يَحْكِيهِ خَيِّرًا فَاضِلًا، وَجَمَعَ أَشْعَارَ الْعَرَبِ وَدَوَّنَهَا. قَالَ ابْنُهُ عَمْرٌو: لَمَّا جَمَعَ أَبِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ كَانَتْ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ قَبِيلَةً، وَكَانَ كُلَّمَا عَمِلَ مِنْهَا قَبِيلَةً [وَأَخْرَجَهَا إِلَى النَّاسِ] كَتَبَ مُصْحَفًا وَجَعَلَهُ فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، حَتَّى كَتَبَ نَيِّفًا وَثَمَانِينَ مُصْحَفًا [بِخَطِّهِ]. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثَعْلَبٌ: كَانَ مَعَ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ مِنَ الْعِلْمِ وَالسَّمَاعِ عَشْرَةُ أَضْعَافِ مَا كَانَ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي السَّمَاعِ وَالْعِلْمِ، دَخَلَ إِلَى الْبَادِيَةِ وَمَعَهُ دَسْتَجَتَانِ حَبْرًا، فَمَا خَرَجَ حَتَّى أَفْنَاهُمَا يَكْتُبُ عَنِ الْعَرَبِ، وَعَمَّرَ طَوِيلًا حَتَّى أَنَافَ عَلَى التِّسْعِينَ. عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ مِنْ إِنْشَادِ هَذَا الْبَيْتِ: لَا تُهِنِّي بَعْدَ إِكْرَامِكَ لِي فَشَدِيدٌ عَادَةٌ مُنْتَزَعَهْ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَهْ، إِنَّكَ تُكْثِرُ إِنْشَادَ هَذَا الْبَيْتِ. قَالَ: يَا بُنَيَّ، أَنَا وَاللَّهِ أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي بِالسَّحَرِ. قَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: تُوُفِّيَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ يَوْمَ الشَّعَانِينَ. 1181 - حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الطُّوسِيُّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ: كَانَ خَبَّازًا، قَالَ لَهُ رَجُلٌ مَرَّةً: رَأَيْتُ فِي مَنَامِي قُصُورًا أَوْ بَسَاتِينَ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالُوا: الْجَنَّةُ، أُعِدَّتْ لِحُمَيْدٍ الطُّوسِيُّ، فَقَالَ حُمَيْدٌ: إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ فَالْحُورُ. ثُمَّ أَشَدُّ مِنْ هَاهُنَا يَكْثُرُ. عَنْ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْبَرَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: مَاتَ حُمَيْدٌ الطُّوسِيُّ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ، فَإِنَّا لَجُلُوسٌ نَنْتَظِرُ إِخْرَاجَهُ، إِذْ أَشْرَفَتْ عَلَيْنَا مِنَ الْقَصْرِ جَارِيَةٌ، فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ: مَنْ كَانَ أَصْبَحَ هَذَا الْيَوْمَ مُغْتَبِطًا فَمَا غَبِطْنَا بِهِ وَاللَّهُ مَحْمُودُ أَوْ كَانَ مُنْتَظِرًا لِلْفِطْرِ سَيِّدَهُ فَإِنَّ سَيِّدَنَا فِي اللَّحْدِ مَلْحُودُ قَالَ: فَقَتَلَتْنَا وَاللَّهِ وَأَحْزَنَتْنَا. 1182 - عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَبُو الْعَبَّاسِ الزُّهْرِيُّ. يَرْوِي عَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ. وَوَلِيَ الشُّرَطَ فِي فُسْطَاطِ مِصْرَ . تُوَفِّي فِي رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. 1183 - عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَرِيبِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَصْمَعَ، أَبُو سَعِيدٍ الْأَصْمَعِيُّ. سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْنٍ، وَشُعْبَةَ، وَالْحَمَّادَيْنِ. وَرَوَى عَنْهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخِيهِ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالرِّيَاشِيُّ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ. كَانَ يَعْرِفُ النَّحْوَ وَاللُّغَةَ، وَالْغَرِيبَ، وَالْمُلَحَ . كَانَ الْمُبَرَّدُ يَقُولُ: الْأَصْمَعِيُّ بَحْرٌ فِي اللُّغَةِ لَا نَعْرِفُ مِثْلَهُ فِيهَا، وَفِي كَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَكَانَ دُونَ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّحْوِ. وَقِيلَ لِأَبِي يُونُسَ: قَدْ أَشْخَصَ الْأَصْمَعِيُّ إِلَى الرَّشِيدِ فَقَالَ: هُوَ بُلْبُلٌ يُطْرِبُهُمْ بِنَغَمَاتِهِ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يُثْنِيَانِ عَلَى الْأَصْمَعِيِّ فِي السُّنَّةِ. وَقَالَ يَحْيَى: هُوَ ثِقَةٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْتُ بِذَلِكَ الْعَسْكَرِ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنَ الْأَصْمَعِيِّ، [وَمَا غَيْرُ أَحَدٍ بِعِبَارَةِ أَحْسَنَ مِنْهُ. قَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ: كَانَ الْأَصْمَعِيُّ [يَتَّقِي أَنْ يُفَسِّرَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] كَمَا يَتَّقِي أَنْ يُفَسِّرَ الْقُرْآنَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَحْفَظُ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفِ أُرْجُوزَةٍ. قَالَ: الْأَصْمَعِيُّ قَالَ: أَمَرَ الرَّشِيدُ بِحَمْلِي إِلَيْهِ، فَحُمِلْتُ، فَأَدْخَلَنِي عَلَيْهِ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ وَهُوَ مُنْفَرِدٌ، فَسَلَّمْتُ، فَاسْتَدْنَانِي وَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ فَجَلَسْتُ، فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِسَبَبِ جَارِيَتَيْنِ أُهْدِيَتَا إِلَيَّ، وَقَدْ أَخَذَتَا طَرَفًا مِنَ الْأَدَبِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تُبَوِّرَ مَا عِنْدَهُمَا، وَأَنْ تُشِيرَ عَلَيَّ فِيهِمَا بِمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَكَ، ثُمَّ قَالَ: لِيَمِضِ إِلَى عَاتِكَةَ، فَيُقَالُ لَهَا: أَحْضُرِي الْجَارِيَتَيْنِ، فَحَضَرَتْ جَارِيَتَانِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُمَا قَطُّ، فَقُلْتُ لِإِحْدَاهُمَا: مَا اسْمُكِ؟ قَالَتْ: فُلَانَةُ. قُلْتُ: مَا عِنْدَكِ مِنَ الْعِلْمِ؟ قَالَتْ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ، ثُمَّ مَا يَنْظُرُ النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْأَشْعَارِ وَالْآدَابِ وَالْأَخْبَارِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَجَابَتْنِي كَأَنَّهَا تَقْرَأُ الْجَوَابَ مِنْ كِتَابٍ، وَسَأَلَتْهَا عَنِ النَّحْوِ وَالْعَرُوضِ [وَالْأَخْبَارِ]، فَمَا قَصَّرَتْ، فَقُلْتُ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ، فَمَا قَصَّرْتِ فِي جَوَابِي فِي كُلِّ فَنٍّ أَخَذْتِ فِيهِ، فَإِنْ كُنْتِ تَقْرِضِينَ شَيْئًا مِنَ الشِّعْرِ فَأَنْشِدِينَا شَيْئًا، فَانْدَفَعَتْ فِي هَذَا الشِّعْرِ: يَا غِيَاثَ الْعِبَادِ فِي كُلِّ مَحَلٍّ مَا يُرِيدُ الْعِبَادُ إِلَّا رِضَاكَا لَا وَمَنْ شَرَّفَ الْإِمَامَ وَأَعْلَى مَا أَطَاعَ الْإِلَهَ عَبْدٌ عَصَاكَا وَمَرَّتْ فِي الشِّعْرِ إِلَى آخِرِهِ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً فِي مَسْكِ رِجْلٍ مِثْلَهَا. وَسَأَلْتُ الْأُخْرَى فَوَجَدْتُهَا دُونَهَا مَا تَبْلُغُ مَنْزِلَتَهَا. إِلَّا أَنَّهَا إِنْ وُوِظِبَ عَلَيْهَا. لَحِقَتْ. قَالَ: يَا عَبَّاسِيُّ، فَقَالَ الْفَضْلُ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: لُيُرَدَّا إِلَى عَاتِكَةَ، وَيُقَالُ لَهَا تَصْنَعُ هَذِهِ الَّتِي وُصِفَتْ بِالْكَمَالِ لِتُحْمَلَ إِلَيَّ اللَّيْلَةَ. ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ، أَنَا ضَجِرٌ. وَقَدْ جَلَسْتُ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ حَدِيثًا أَتَفَرَّجُ بِهِ، فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ. فَقُلْتُ: لِأَيِّ الْحَدِيثِ يَقْصِدُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. . قَالَ: لِمَا شَاهَدْتَ وَسَمِعْتَ مِنْ أَعَاجِيبِ النَّاسِ، وَطَرَائِفِ أَخْبَارِهِمْ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَاحِبٌ لَنَا فِي بَدْوِ بَنِي فُلَانٍ كُنْتُ أَغَشَاهُ وَأَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتٌّ وَتِسْعُونَ سَنَةً أَصَحَّ النَّاسِ ذِهْنًا وَأَجْوَدَهُمْ عَقْلًا وَأَكْلًا، وَأَقْوَاهُمْ بَدَنًا فَغَبَرْتُ عَنْهُ زَمَانًا، ثُمَّ قَصَدْتُهُ فَوَجَدْتُهُ نَاحِلَ الْبَدَنِ، كَاسِفَ الْبَالِ، مُتَغَيِّرَ الْحَالِ، فَقُلْتُ لَهُ مَا شَأْنُكَ؟ أَأَصَابَتْكَ مُصِيبَةٌ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَمَرَضٌ عَرَاكَ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَمَا سَبَبُ هَذَا التَّغْيِيرِ الَّذِي أَرَاهُ بِكَ؟ قَالَ: قَصَدْتُ بَعْضَ الْقَرَابَةِ فِي حَيِّ بَنِي فُلَانٍ فَأَلْفَيْتُ عِنْدَهُمْ جَارِيَةً قَدْ لَاثَتْ رَأْسَهَا، وَطُلَّتْ بِالْوَرْسِ مَا بَيْنَ قَرْنِهَا إِلَى قَدَمِهَا، عَلَيْهَا قَمِيصٌ وَقِنَاعٌ مَصْبُوغَانِ، وَفِي عُنُقِهَا طَبْلٌ تُوَقِّعُ عَلَيْهِ وَتَنْشُدُ: مَحَاسِنُهَا سِهَامٌ لِلْمَنَايَا مُرِيشَةٌ بِأَنْوَاعِ الْخُطُوبِ بَرَى رَيْبُ الزَّمَانِ لَهُنَّ سَهْمًا تُصِيبُ بِفَضْلِهِ مُهَجَ الْقُلُوبِ فَأَجَبْتُهَا: فَفِي شَفَتِي فِي مَوْضِعِ الطَّبْلِ تَرْتَقِي كَمَا قَدْ أَبَحْتِ الطَّبْلَ فِي جِيدِكِ الْحَسَنِ هَبِينِي عُودًا أَجْوَفًا تَحْتَ شَنَّةٍ تَمَتَّعُ فِيهَا بَيْنَ نَحْرِكِ وَالذَّقَنِ فَلَمَّا سَمِعَتِ الشِّعْرَ مِنِّي نَزَعَتِ الطَّبْلَ فَرَمَتْ بِهِ فِي وَجْهِي، وَبَادَرَتْ إِلَى الْخِبَاءِ فَدَخَلْتُ فَلَمْ أَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى حَمِيَتِ الشَّمْسُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِي لَا تَخْرُجُ إِلَيَّ وَلَا تُرْجِعُ [إِلَيَّ] جَوَابًا. فَقُلْتُ: أَنَا [مَعَهَا] وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَوَ اللَّهِ يَا سَلْمَى لَقَدْ طَالَ مَوْقِفِي عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ يَا سُلَيْمَى أُرَاقِبُهُ فَضَحِكُ الرَّشِيدُ حَتَّى اسْتَلْقَى. وَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عَبْدَ الْمَلِكِ، ابْنُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةً يَعْشَقُ؟ قُلْتُ: قَدْ كَانَ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: يَا عَبَّاسِيُّ، أَعْطِ عَبْدَ الْمَلِكِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَرَدَّهُ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ، فَانْصَرَفْتُ، فَإِذَا خَادِمٌ يَحْمِلُ شَيْئًا وَمَعَهُ جَارِيَةٌ تَحْمِلُ شَيْئًا فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ بِنْتِكَ - يَعْنِي الْجَارِيَةَ الَّتِي وَصَفْتَهَا - وَهَذِهِ جَارِيَتُهَا، وَهِيَ تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ لَكَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَ لِي بِمَالٍ وَثِيَابٍ وَهَذَا نُصِيبُكَ مِنْهُمَا. فَإِذَا الْمَالُ أَلْفُ دِينَارٍ، وَهِيَ تَقُولُ: لَنْ نُخَلِّيَكَ مِنَ الْمُوَاصَلَةِ بِالْبِرِّ، فَلَمْ تَزَلْ تَتَعَهَّدُنِي بِالْبَرِّ الْوَاسِعِ حَتَّى كَانَتْ فِتْنَةُ مُحَمَّدٍ، فَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهَا عَنِّي. وَأَمَرَ لِي الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ مِنْ مَالِهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ يَوْمًا فَقَالَ لِي: يَا أَصْمَعِيُّ، هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَجَارِيَةٌ؟ قُلْتَ: جَارِيَةٌ لِلْمِهْنَةِ. قَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ أَهَبَكَ جَارِيَةً نَظِيفَةً، قُلْتُ: إِنِّي لَمُحْتَاجٌ إِلَى جَارِيَةٍ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ جَارِيَةٍ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالظُّرْفِ، فَقَالَ لَهَا: قَدْ وَهَبْتُكِ لِهَذَا، وَقَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ خُذْهَا، فَشَكَرْتُهُ، فَبَكَتِ الْجَارِيَةُ، وَقَالَتْ: يَا سَيِّدِي، تَدْفَعُنِي إِلَى هَذَا الشَّيْخِ مَعَ مَا أَرَى مِنْ سَمَاجَتِهِ وَقُبْحِ مَنْظَرِهِ، وَجَزِعَتْ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَ لِي: يَا أَصْمَعِيُّ، هَلْ لَكَ أَنْ أُعَوِّضَكَ عَنْهَا أَلْفَ دِينَارٍ، قُلْتُ مَا أَكْرَهُ ذَلِكَ فَأَمَرَ لِي بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَدَخَلَتِ الْجَارِيَةُ، فَقَالَ لِي: يَا أَصْمَعِيُّ إِنِّي أَنْكَرْتُ عَلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ أَمْرًا، فَأَرَدْتُ عُقُوبَتَهَا بِكَ، ثُمَّ رَحِمْتُهَا مِنْكَ، قُلْتُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ فَهَلَّا أَعْلَمْتَنِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنِّي لَمْ آتِكَ حَتَّى سَرَّحْتُ لِحْيَتِي، وَأَصْلَحْتْ عِمَّتِي، وَلَوْ عَرَفْتُ الْخَبَرَ لَصَبَرْتُ عَلَى هَيْئَةِ خِلْقَتِي، فَوَ اللَّهِ لَوْ رَأَتْنِي كَذَلِكَ مَا عَاوَدَتْ شَيْئًا تُنِكِرُهُ مِنْهَا أَبَدًا مَا بَقِيَتْ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ. فَقَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ كَمْ كِتَابُكَ فِي الْخَيْلِ؟ قَالَ: قُلْتُ: جِلْدُ، قَالَ: فَاسْأَلْ أَبَا عُبَيْدَةَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: خَمْسُونَ جِلْدًا، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْكِتَابَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِحْضَارِ فَرَسٍ، فَقَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ: أَقْرَأُ كِتَابَكَ حَرْفًا حَرْفًا وَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَوْضِعٍ مَوْضِعٍ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَيْسَ أَنَا بَيْطَارٌ، إِنَّمَا ذَا شَيْءٌ [أَخَذْتُهُ] وَسَمِعْتُهُ مِنَ الْعَرَبِ وَأَلَّفْتُهُ، فَقَالَ لِي: يَا أَصْمَعِيُّ، ثُمَّ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَوْضِعٍ مَوْضِعٍ مِنَ الْفَرَسِ، فَقُمْتُ فَحَسَرْتُ عَنْ ذِرَاعِي وَسَاقِي، ثُمَّ وَثَبْتُ فَأَخَذْتُ بِأُذُنِ الْفَرَسِ، ثُمَّ وَضَعْتُ يَدِي عَلَى نَاصِيَتِهِ، فَجَعَلْتُ أَقْبِضُ مِنْهَا بِشَيْءٍ شَيْءٍ وَأَقُولُ: هَذَا كَذَا، وَأُنْشِدُ فِيهِ حَتَّى بَلَّغْتُ حَافِرَهُ، فَأَمَرَ لِي بِالْفَرَسِ، فَكُنْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَغِيظَ أَبَا عُبَيْدَةَ رَكِبْتُ الْفُرَسَ وَأَتَيْتُهُ. وَنَقَلْتُ مِنْ خَطِّ أَبِي عُبَيْدٍ، عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيِّ قَالَ: حَكَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ وَبِحَضْرَتِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمُ الْأَصْمَعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَحَاجِبُ الْحَسَنِ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الرِّقَاعَ إِلَى أَنَّ وَقَعَ فِي خَمْسِينَ رُقْعَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: قَدْ فَعَلْنَا فِي يَوْمِنَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَوَقَعْنَا فِي الْقِصَصِ بِمَا فِيهِ فَرَحٌ لِأَهْلِهَا [وَصَلَاحٌ]، وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ نَكُونَ فِي ذَلِكَ مُثَابِينَ فَحَدَّثُونَا فِي حَقِّ أَنْفُسِنَا [فَجَعَلْنَا] نُذَاكِرُهُ الْعِلْمَ، فَتَكَلَّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَالْأَصْمَعِيُّ وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَالْتَجَّ الْمَجْلِسُ بِالْمُذَاكَرَةِ إِلَى أَنْ بَلَغُوا إِلَى ذِكْرَ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَأَخَذُوا فِي [ذِكْرِ] الزُّهْرِيِّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَسُفْيَانَ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَمَا حَاجَتُنَا إِلَى ذِكْرِ هَؤُلَاءِ، وَمَا نَدْرِي أَصَدَقَ الْخَبَرُ عَنْهُمْ أَمْ كَذَبَ، وَبِالْحَضْرَةِ رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ مَا أُنْسِيَ شَيْئًا قَطُّ، وَأَنَّهُ مَا يَحْتَاجُ أَنْ يُعِيدَ نَظَرَهُ فِي دَفْتَرٍ، إِنَّمَا هِيَ نَظْرَةٌ، ثُمَّ يَحْفَظُ مَا فِيهِ فَعَرَّضَ بِالْأَصْمَعِيِّ، فَقَالَ الْحَسَنُ: نَعَمْ وَاللَّهِ يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّكَ لِتَجِيءُ مِنْ هَذَا بِمَا يُنْكَرُ جَدًّا، فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: نَعَمْ، مَا أَحْتَاجُ أَنْ أُعِيدَ النَّظَرَ فِي دَفْتَرٍ، وَمَا أُنْسِيتُ شَيْئًا قَطُّ، فَقَالَ الْحَسَنُ: فَنَحْنُ نُجَرِّبُ هَذَا الْقَوْلَ بِوَاحِدَةٍ، يَا غُلَامُ هَاتِ الدَّفْتَرَ الْفُلَانِيَّ، فَإِنَّهُ جَامِعٌ لِكَثِيرٍ مِمَّا أَنْشَدْتَنَاهُ وَحَدَّثَنَاهُ، فَمَضَى الْغُلَامُ لِيُحْضِرَ الدَّفْتَرَ، فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: فَأَنَا أُرِيكَ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا، أَنَا أُعِيدُ الْقِصَصَ الَّتِي مَرَّتْ وَأَسْمَاءَ أَهْلِهَا وَتَوْقِيعَاتِكَ فِيهَا كُلِّهَا، وَامْتُحِنَ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا. قَالَ: وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ قَالَ: عَارَضْتُ بِتِلْكَ التَّوْقِيعَاتِ لِأَنَّهَا أُثْبِتَتْ فِي دَفْتَرِ الْإِثْبَاتِ، فَأَكْبَرَ ذَلِكَ مَنْ حَضَرَ وَاسْتَضْحَكُوا، فَاسْتَدْعَى الْحَسَنُ الْقِصَصَ بِأَعْيَانِهَا مِنَ الْحَاجِبِ فَرُدَّتْ بِأَسْرِهَا، فَابْتَدَأَ الْأَصْمَعِيُّ فَقَالَ: الْقِصَّةُ الْأَوْلَى لِفُلَانٍ الْفُلَانِيِّ قَصَّتُهُ كَذَا وَكَذَا وَقَعَتْ أَعَزَّكَ اللَّهُ بِكَذَا وَكَذَا حَتَّى أَتَى عَلَى هَذَا السَّبِيلِ عَلَى سَبْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ قِصَّةً. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: يَا هَذَا، حَسْبُكَ السَّاعَةَ، وَاللَّهِ تَقْتُلُكَ الْجَمَاعَةُ بِأَعْيُنِهَا، يَا غُلَامُ، خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأُحْضِرَتْ خَمْسُ بُدَرٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا غِلْمَانُ احْمِلُوهَا مَعَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَتَبَادَرُ الْغِلْمَانُ لِحَمْلِهَا، فَقَالَ: تَنْعَمُ بِالْحَامِلِ كَمَا أُنْعِمْتَ بِالْمَحْمُولِ، قَالَ: نَعَمْ لَكَ وَلَسْتَ تَنْتَفِعُ بِهِمْ وَقَدِ اشْتَرَيْتُهُمْ مِنْكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ احْمِلْ يَا غُلَامُ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ سِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: فَحَمَلْتُ وَاللَّهِ مَعَهُ وَانْصَرَفَ الْبَاقُونَ بِالْخَيْبَةِ. عَنْ حَمَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ الرَّشِيدَ عَنْ بَيْتِ الرَّاعِي: قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولَا مَا مَعْنًى مُحْرِمًا؟ قَالَ الْكِسَائِيُّ: إِحْرَامٌ بِالْحَجِّ، فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَاللَّهِ مَا كَانَ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَلَا أَرَادَ الشَّاعِرُ أَنَّهُ أَيْضًا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، يُقَالُ: أَحْرَمَ إِذَا دَخَلَ فِيهِ، كَمَا يُقَالُ أَشْهَرَ إِذَا دَخَلَ فِي الشَّهْرِ، وَأَعَامَ إِذَا دَخَلَ فِي الْعَامِ. فَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَا هُوَ غَيْرُ هَذَا؟ وَإِلَّا فَمَا أَرَادَ؟ فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَا أَرَادَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ بِقَوْلِهِ: قَتَلُوا كِسْرَى بِلَيْلٍ مُحْرِمًا فَتَوَلَّى لَمْ يُمَتَّعْ بِكَفَنِ أَيْ إِحْرَامٌ لِكِسْرَى ؟ فَقَالَ الرَّشِيدُ: مَا تُطَاقُ فَمَا الْمَعْنَى؟ قَالَ: كُلُّ مَنْ لَمْ يَأْتِ شَيْئًا يُوجِبُ [عَلَيْهِ] عُقُوبَةً فَهُوَ مُحْرِمٌ لَا يَحِلُّ شَيْءٌ مِنْهُ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: مَا تُطَاقُ فِي الشِّعْرِ يَا أَصْمَعِيُّ. وقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَنْشَدَنَا الْأَصْمَعِيُّ: إِذَا جَاءَ يَوْمٌ صَالِحٌ فَاقْبَلْنَهُ فَأَنْتَ عَلَى يَوْمِ الشَّقَاءِ قَدِيرُ فَقَالَ: أَتُدْرُونَ مِنْ أَيْنَ أَخَذْتُ هَذَا؟ أَخَذْتُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَيَّارِينَ أَكْثِرْ مِنَ الشَّحْمِ، فَإِنَّكَ عَلَى الْجُوعِ قَادِرٌ. عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: بَيْنَا أَنَا بِالْجَبَّانَةِ بِالْبَصْرَةِ فِي يَوْمٍ [صَائِفٍ] شَدِيدٌ حَرُّهُ، إِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ وَاضِعَةٍ يَدَهَا عَلَى قَبْرٍ وَهِيَ تَقُولُ بِصَوْتٍ حَزِينٍ مِنْ قَلْبٍ قَرِحٍ: هَلْ أَخْبَرَ الْقَبْرُ سَائِلِيهِ أَمْ قَرَّ عَيْنًا بِزَائِرِيهِ أَمْ هَلْ تَرَاهُ أَحَاطَ عِلْمًا بِالْجَسَدِ الْمَسَّتكِنِّ فِيهِ لَوْ يَعْلَمُ الْقَبْرُ مَا يُوَارِي تَاهَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَلِيهِ يَا جَبَلًا كَانَ لِامْتِنَاعٍ وَرُكْنَ عَزٍّ لِآمِلِيهِ وَنَخْلَةً طَلْعُهَا نَضِيدٌ يَقْرُبُ مِنْ كَفِّ مُجْتَنِيهِ وَيَا مَرِيضًا عَلَى فِرَاشٍ تُؤْذِيهِ أَيْدِي مُمَرِّضِيهِ وَيَا صَبُورًا عَلَى بَلَاءٍ كَانَ بِهِ اللَّهُ مُبْتَلِيهِ يَا مَوْتُ لَوْ تَقْبَلُ افْتِدَاءً كُنْتُ بِنَفْسِي سَأَفْتَدِيهِ يَا مَوْتُ مَاذَا أَرَدْتَ مِنِّي خَفَقْتَ مَا كُنْتُ أَتَّقِيهِ مَوْتٌ رَمَانِي بِفَقْدِ أَلْفِي أَذُمُّ دَهْرِيِ وَأَشْتَكِيهِ أَمَّنَكَ اللَّهُ كُلَّ رَوْعٍ وَكُلَّ مَا كُنْتَ تَتَّقِيهِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: فَدَنَوْتُ مِنْهَا، فَقُلْتُ لَهَا: يَا جَارِيَةُ أَعِيدِي عَلَيَّ لَفْظَكِ، قَالَتْ: أَوَ سَمِعْتَ ذَلِكَ مِنِّي؟ فَأَنْشَدَتْهَا شَعْرَهَا عَنْ آخِرِهِ، فَقَامَتْ تَنْفُضُ ثِيَابَهَا وَهِيَ تَقُولُ: إِنْ كَانَ فِي عِبَادِكَ أَصْمَعِيٌّ فَهُوَ هَذَا. قَالَ الْمَازِنِيُّ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إِذَا رَجُلٌ عَلَى قَفَاهُ كَارَّةٌ وَهُوَ يَطُوفُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَطَّوَّفُ وَعَلَيْكَ كَارَّةٌ، فَقَالَ: هَذِهِ وَالِدَتِي الَّتِي حَمَلَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُؤَدِّيَ حَقَّهَا، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَدُلَّكَ عَلَى مَا تُؤَدِّي بِهِ حَقَّهَا، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: تَزَوَّجْهَا، قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، تَسْتَقْبِلُنِي فِي أُمِّي بِمِثْلِ هَذَا؟ فَرَفَعَتْ يَدَهَا وَصَفَعَتْ قَفَا ابْنَهَا، وَقَالَتْ: إِذَا قِيلَ لَكَ الْحَقُّ تَغْضَبُ؟! قَالَ أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى: مَاتَ الْأَصْمَعِيُّ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ بَلَغَ ثَمَانِيًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ. وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَتَاهِيَةَ: لَمَّا بَلَغَ أَبِي مَوْتُ الْأَصْمَعِيِّ جَزِعَ عَلَيْهِ وَرَثَاهُ فَقَالَ: لَهِفِي عَلَى فَقْدِ الْأَصْمَعِيِّ لَقَدْ مَضَى حَمِيدًا لَهُ فِي كُلِّ مَصْلَحَةٍ سَهْمُ نَقَصَتْ بِشَاشَاتِ الْمَحَاسِنِ بَعْدَهُ وَوَدَّعْنَا إِذْ وُدِّعَ الْأُنْسُ وَالْعِلْمُ وَقَدْ كَانَ نَجْمَ الْعِلْمِ فِينَا حَيَاتَهُ فَلَمَّا انْقَضَتْ أَيَّامُهُ أَفَلَ النَّجْمُ [قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ الْكُدَيْمِيُّ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَالَّذِي قَالَهُ أَبُو مُوسَى أَصَحُّ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَبَا الْعَتَاهِيَةِ رَثَاهُ، وَأَبُو الْعَتَاهِيَةِ مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ. وَبَلَغَ الْأَصْمَعِيُّ ثَمَانِيًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ ]. 1184 - عُلَيَّةُ بِنْتُ الْمَهْدِيِّ . أُمُّهَا أُمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا مَكْنُونَةُ، اشْتُرِيَتْ لِلْمَهْدِيِّ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَغَلَبَتْ عَلَيْهِ، وَكَانَتِ الْخَيْزُرَانُ تَقُولُ: مَا مِلْكُ أَمَةٍ أَغْلَظُ عَلَيَّ مِنْهَا فَوَلَدَتْ لَهُ عُلَيَّةَ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَتْ عُلَيَّةُ أَجْمَلَ النِّسَاءِ وَأَطْرَفَهُنَّ وَأَكْمَلَهُنَّ عَقْلًا وَأَدَبًا وَنَزَاهَةً وَصِيَانَةً وَظُرْفًا، وَكَانَ فِي جَبْهَتِهَا سِعَةٌ تُشِينُ، فَاتَّخَذَتِ الْعِصَابَةَ الْمُكَلَّلَةُ بِالْجَوْهَرِ لِتَسْتُرَ بِهِ جَبْهَتَهَا، فَهِيَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَهَا . وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّلَاةِ مُلَازِمَةً لِلْمِحْرَابِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَكَانَتْ تَتَدَيَّنُ وَلَا تَشْرَبُ النَّبِيذَ، وَقَالَتْ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ فِيمَا أَحَلَّ عِوَضًا مِنْهُ، فَبِمَاذَا يَحْتَجُّ الْعَاصِي؟ وَكَانَتْ تَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِي حَرَامًا أَتَيْتُهُ وَلَا عَزْمًا عَلَى حَرَامٍ عَزْمَتُهُ، وَلَا اسْتَفْزَعَنِي [لَهْوٌ] إِلَّا ذَكَرْتُ نَسَبِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَّرْتُ عَنْهُ، وَلَا أَقُولُ مَا أَقُولُ فِي شِعْرِي إِلَّا عَبَثًا، وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى الرَّشِيدِ فَيُكْرِمُهَا وَيَأْمُرُهَا بِالْجُلُوسِ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ فَتَأْبَى. وَكَانَتْ تُحِبُّ أَنْ تُرَاسِلَ بِالْأَشْعَارِ مَنْ تَخْتَصُّهُ، فَاخْتَصَّتْ خَادِمًا يُقَالُ لَهُ " طَلٌّ " مِنْ خَدَمِ الرَّشِيدِ، فَرَاسَلَتْهُ بِالشِّعْرِ، فَلَمْ تَرَهُ أَيَّامًا فَمَشَتْ عَلَى مِيزَابٍ حَتَّى رَأَتْهُ وَقَالَتْ: قَدْ كَانَ مَا كُلِّفْتُهُ زَمَنًا يَا طَلُّ مِنْ وَجْدٍ بِكُمْ يَكْفِي حَتَّى أَتَيْتُكَ زَائِرًا عَجِلًا أَمْشِي عَلَى حَتْفٍ إِلَى حَتْفِي فَحَلَفَ عَلَيْهَا الرَّشِيدُ أَنْ لَا تُكَلِّمَ طَلًّا، وَلَا تُسَمِّي بِاسْمِهِ، فَضَمِنَتْ لَهُ ذَلِكَ فَاسْتَمَعَ عَلَيْهَا يَوْمًا وَهِيَ تَقْرَأُ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ فَقَالَتْ: فَالَّذِي نَهَى عَنْهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَبَّلَ رَأْسِهَا وَوَهَبَ لَهَا طَلًّا. وَتَزَوَّجَهَا مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَمِنْ أَشْعَارِهَا الرَّائِقَةِ: أَوْقَعْتِ فِي قَلْبِي الْهَوَى وَنَجَوْتِ مِنْهُ سَالِمَةْ وَبَدَأْتِنِي بِالْوَصْلِ ثُمَّ قَطَعْتِ وَصْلِي ظَالِمَةْ وَلَهَا: لَيْتَ سَلْمَى تَرَانِي أَوْ تُنَبَّأُ بِشَانِي كَيْ تَفُكَّ أَسِيرًا مُتْعَبَ الْقَلْبِ عَانِي يَا دِيَارَ الْغَوَانِي الْمِلِاحِ الْحِسَانِ جَادَكِ الْغَيْثُ مِنْهُ بِالْغَوَادِي الرَّوَانِي وَلَهَا: الْيَأْسُ بَيْنَ جَوَانِحِي يَتَرَدَّدُ وَدُمُوعُ عَيْنِي تَسْتَهِلُّ وَتَفْقِدُ إِنِّي لَأَطْمَعُ ثُمَّ أَنْهَضُ بِالْمُنَى وَالْيَأْسُ يَجْذِبُنِي إِلَيْهِ فَأَقْعُدُ وَلَهَا: شَغَفَ الْفُؤَادُ بِجَارَةِ الْجَنْبِ فَظَلِلْتُ فِي حَرْبٍ وَفِي كَرْبِ يَا جَارَتِي أَمْسَيْتِ مَالِكَةً رِقِّي وَغَالِبَتِي عَلَى لُبِّي وَلَهَا: فَرِّجُوا كَرْبِي قَلِيلًا فَلَقَدْ صِرْتُ نَحِيلَا وَافْعَلُوا فِي أَمْرِ مَشْغُوفٍ بِكُمْ فِعْلًا جَمِيلَا وَلَهَا: صَرَمَتْ أَسْمَاءُ حَبْلِي فَانْصَرَمَ ظَلَمْتَنَا كُلُّ مَنْ شَاءَ ظَلَمْ وَاسْتَحَلَّتْ قَتْلَنَا عَامِدَةً وَتَجَنَّتْ عِلَلًا لَمْ تُحْتَرَمْ وَلَهَا: أَصَابَنِي بَعْدَكَ ضُرُّ الْهَوَى وَاعْتَادَنِي شَوْقٌ وَإِقْلَاقُ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ وَحَسْبِي بِهِ أَنِّي إِلَى وَجْهِكِ مُشْتَاقُ وَلَهَا: كَتَمْتُ اسْمَ الْحَبِيبِ مِنَ الْعِبَادِ وَرَدَدْتُ الصَّبَابَةَ فِي فُؤَادِي فَيَا شَوْقِي إِلَى بَلَدِ خِلِّي لَعَلِّي بَاسِمِ مَنْ أَهْوَى أُنَادِي وَلَهَا: لَيْسَ يُسْتَحْسَنُ فِي وَصْفِ الْهَوَى عَاشِقٌ يُحْسِنُ تَأْلِيفَ الْحُجَجِ بُنِيَ الْحُبُّ عَلَى الْجَوْرِ فَلَوْ أَنْصَفَ الْمَعْشُوقُ فِيهِ لِسَمِجِ لَا تَعِيبَا مِنْ مُحِبِّ ذِلَّةً ذِلَّةُ الْعَاشِقِ مِفْتَاحُ الْفَرَجِ ضَمَّ الْمَأْمُونُ عُلَيَّةَ يَوْمًا وَجَعَلَ يُقَبِّلُ رَأْسَهَا، وَكَانَ وَجْهُهَا مُغَطًّى فَتَأَذَّتْ بِذَلِكَ وَشَرِقَتْ وَسَعَلَتْ، ثُمَّ حُمَّتْ أَيَّامًا. وَمَاتَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسِينَ سَنَةً رَحِمَهَا اللَّهُ. 1185 - مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ. سَمِعَ مِنْ مَالِكٍ، وَاللَّيْثِ، وَرَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْحُفَّاظِ الرُّفَعَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الرِّجَالِ وَيُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ فِيهِمْ . أَخَذَ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَيَحْيَى، وَغَيْرُهُمَا عِلْمَ ذَلِكَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْمَصِيصَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.