MajelisNoteدليل

التاريخ 2644

ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائة

ذِكْرُ إِظْهَارِ الدَّعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِخُرَاسَانَ   وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ شَخَصَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ مِنْهُ إِلَى خُرَاسَانَ وَيَعُودُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ كَتَبَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَسْتَدْعِيهِ لِيَسْأَلَهُ عَنْ أَخْبَارِ النَّاسِ، فَسَارَ نَحْوَهُ فِي النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مَعَ سَبْعِينَ نَفْسًا مِنَ النُّقَبَاءِ، فَلَمَّا صَارُوا بِالدَّنْدَانَقَانِ مِنْ أَرْضِ خُرَاسَانَ عَرَضَ لَهُ كَامِلٌ أَوْ [ أَبُو كَامِلٍ ]، فَسَأَلَهُ عَنْ مَقْصِدِهِ، فَقَالَ: الْحَجُّ، ثُمَّ خَلَا بِهِ أَبُو مُسْلِمٍ فَدَعَاهُ فَأَجَابَهُ، ثُمَّ سَارَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى نَسَا، وَعَامِلُهَا سُلَيْمَانُ بْنُ قَيْسٍ السُّلَمِيُّ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهَا أَرْسَلَ الْفَضْلَ بْنَ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيَّ إِلَى أُسَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ لِيُعْلِمَهُ قُدُومَهُ، فَدَخَلَ قَرْيَةً مِنْ قُرَى نَسَا فَلَقِيَ رَجُلًا مِنَ الشِّيعَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ أُسَيْدٍ، فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ شَرًّا، سَعَى إِلَى الْعَامِلِ بِرَجُلَيْنِ قِيلَ إِنَّهُمَا دَاعِيَانِ، فَأَخَذَهُمَا وَأَخَذَ الْأَحْجَمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْلَانَ بْنَ فُضَالَةَ وَغَالِبَ بْنَ سَعِيدٍ وَمُهَاجِرَ بْنَ عُثْمَانَ، فَانْصَرَفَ الْفَضْلُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَأَخْبَرَهُ، فَتَنَكَّبَ الطَّرِيقَ، وَأَرْسَلَ طَرْخَانَ الْحَمَّالَ يَسْتَدْعِي أُسَيْدًا وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّيعَةِ، فَدَعَا لَهُ أُسَيْدًا، فَأَتَاهُ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْأَخْبَارِ، فَقَالَ: قَدِمَ الْأَزْهَرُ بْنُ شُعَيْبٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعْدٍ بِكُتُبِ الْإِمَامِ إِلَيْكَ، فَخَلَّفَا الْكُتُبَ عِنْدِي وَخَرَجَا فَأُخِذَا، فَلَا أَدْرِي مَنْ سَعَى بِهِمَا. قَالَ: فَأَيْنَ الْكُتُبُ ؟ فَأَتَاهُ بِهَا. ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى قُومِسَ وَعَلَيْهَا بَيْهَسُ بْنُ بُدَيْلٍ الْعِجْلِيُّ، فَأَتَاهُمْ بَيْهَسُ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا: الْحَجَّ، وَأَتَاهُ وَهُوَ بِقُومِسَ كِتَابُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ إِلَيْهِ وَإِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ يَقُولُ لِأَبِي مُسْلِمٍ فِيهِ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِرَايَةِ النَّصْرِ، فَارْجِعْ مِنْ حَيْثُ لَقِيَكَ كِتَابِي، وَوَجِّهْ إِلَيَّ قَحْطَبَةَ بِمَا مَعَكَ يُوَافِنِي بِهِ فِي الْمَوْسِمِ. فَانْصَرَفَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى خُرَاسَانَ، وَوَجَّهَ قَحْطَبَةَ إِلَى الْإِمَامِ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْعُرُوضِ، فَلَمَّا كَانُوا بِنَيْسَابُورَ عَرَضَ لَهُمْ صَاحِبُ الْمَسْلَحَةِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ، فَقَالُوا: أَرَدْنَا الْحَجَّ فَبَلَغَنَا عَنِ الطَّرِيقِ شَيْءٌ خِفْنَاهُ. فَأَمَرَ الْمُفَضَّلَ بْنَ الشَّرْقِيِّ السُّلَمِيَّ بِإِزْعَاجِهِمْ، فَخَلَا بِهِ أَبُو مُسْلِمٍ وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ فَأَجَابَهُ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا عَلَى مَهَلٍ. فَقَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ مَرْوَ فَدَفَعَ كِتَابَ الْإِمَامِ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ يَأْمُرُهُ فِيهِ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ، فَنَصَبُوا أَبَا مُسْلِمٍ وَقَالُوا: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَدَعَوْا إِلَى طَاعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَرْسَلُوا إِلَى مَنْ قَرُبَ مِنْهُمْ أَوْ بَعُدَ مِمَّنْ أَجَابَهُمْ، فَأَمَرُوهُ بِإِظْهَارِ أَمْرِهِمْ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِمْ. فَنَزَلَ أَبُو مُسْلِمٍ قَرْيَةً مِنْ قُرَى مَرْوَ يُقَالُ لَهَا فَنِينَ عَلَى أَبِي الْحَكَمِ عِيسَى بْنِ أَعْيَنَ النَّقِيبِ، وَوَجَّهَ مِنْهَا أَبَا دَاوُدَ النَّقِيبَ وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ أَعْيَنَ إِلَى طَخَارِسْتَانَ فَمَا دُونُ بَلْخٍ، فَأَمَرَهُمَا بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. وَكَانَ نُزُولُهُ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ فِي شَعْبَانَ، وَوَجَّهَ النَّضْرَ بْنَ صُبَيْحٍ التَّمِيمِيَّ وَشَرِيكَ بْنَ غُضَيٍّ التَّمِيمِيَّ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ فِي رَمَضَانَ، وَوَجَّهَ أَبَا عَاصِمٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُلَيْمٍ إِلَى الطَّالَقَانِ، وَوَجَّهَ أَبَا الْجَهْمِ بْنَ عَطِيَّةَ إِلَى الْعَلَاءِ بْنِ حُرَيْثٍ بِخَوَارِزْمَ بِإِظْهَارِ الدَّعْوَةِ فِي رَمَضَانَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْهُ، فَإِنْ أَعْجَلَهُمْ عَدُوُّهُمْ دُونَ الْوَقْتِ بِالْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَيُجَرِّدُوا السُّيُوفَ وَيُجَاهِدُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَمَنْ شَغَلَهُ مِنْهُمْ عَدُوُّهُمْ عَنِ الْوَقْتِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَظْهَرُوا بَعْدَ الْوَقْتِ. ثُمَّ تَحَوَّلَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ عِنْدِ أَبِي الْحَكَمِ، فَنَزَلَ قَرْيَةَ سَفِيذَنْجَ، فَنَزَلَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ الْخُزَاعِيِّ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ، وَالْكَرْمَانِيُّ وَشَيْبَانُ يُقَاتِلَانِ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ، فَبَثَّ أَبُو مُسْلِمٍ دُعَاتَهُ فِي النَّاسِ وَأَظْهَرَ أَمْرَهُ، فَأَتَاهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أَهْلُ سِتِّينَ قَرْيَةً، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ عَقَدَ اللِّوَاءَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ الْإِمَامُ الَّذِي يُدْعَى الظِّلَّ عَلَى رُمْحٍ طُولُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَعَقَدَ الرَّايَةَ الَّتِي بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ، وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى السَّحَابَ عَلَى رُمْحٍ طُولُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَهُوَ يَتْلُو: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، وَلَبِسُوا السَّوَادَ هُوَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَإِخْوَةُ سُلَيْمَانَ وَمَوَالِيهِ وَمَنْ كَانَ أَجَابَ الدَّعْوَةَ مِنْ أَهْلِ سَفِيذَنْجَ، وَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ لِلَيْلَتِهِمْ لِشِيعَتِهِمْ مِنْ سُكَّانِ رَبْعِ خَرْقَانَ، وَكَانَتْ عَلَامَتُهُمْ، فَتَجَمَّعُوا إِلَيْهِ حِينَ أَصْبَحُوا مُغِدِّينَ، وَتَأَوُّلُ الظِّلِّ وَالسَّحَابِ أَنَّ السَّحَابَ يُطْبِقُ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنَّ الْأَرْضَ كَمَا لَا تَخْلُو مِنَ الظِّلِّ، كَذَلِكَ لَا تَخْلُو مِنْ خَلِيفَةٍ عَبَّاسِيٍّ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ. وَقَدِمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ الدُّعَاةُ بِمَنْ أَجَابَ الدَّعْوَةَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَهْلَ التَّقَادُمِ مَعَ أَبِي الْوَضَّاحِ فِي تِسْعِمِائَةِ رَاجِلٍ وَأَرْبَعَةِ فُرْسَانَ، وَمِنْ أَهْلِ هُرْمُزْفَرَّه جَمَاعَةٌ وَقَدِمَ أَهْلُ التَّقَادُمِ مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ مُحْرِزِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْجُوبَانِيِّ فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ رَاجِلٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ فَارِسًا، فِيهِمْ مِنَ الدُّعَاةِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَرْوَزِيُّ. فَجَعَلَ أَهْلُ التَّقَادُمِ يُكَبِّرُونَ مِنْ نَاحِيَتِهِمْ، وَيُجِيبُهُمْ أَهْلُ التَّقَادُمِ بِالتَّكْبِيرِ، فَدَخَلُوا عَسْكَرَ أَبِي مُسْلِمٍ بِسَفِيذَنْجَ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِيَوْمَيْنِ. وَحَصَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ حِصْنَ سَفِيذَنْجَ وَرَمَّهُ وَسَدَّ دُرُوبَهَا. فَلَمَّا حَضَرَ عِيدُ الْفِطْرِ أَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ وَبِالشِّيعَةِ، وَنَصَبَ لَهُ مِنْبَرًا بِالْعَسْكَرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يَبْدَءُونَ بِالْخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبِالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَأَمَرَ أَبُو مُسْلِمٍ أَيْضًا سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ بِسِتِّ تَكْبِيرَاتٍ تِبَاعًا، ثُمَّ يَقْرَأُ وَيَرْكَعُ بِالسَّابِعَةِ، وَيُكَبِّرُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ تِبَاعًا، ثُمَّ يَقْرَأُ وَيَرْكَعُ بِالسَّادِسَةِ، وَيَفْتَحُ الْخُطْبَةَ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ يَخْتِمُهَا بِالْقُرْآنِ. وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُكَبِّرُونَ فِي الْأُولَى أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ يَوْمَ الْعِيدِ وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ. فَلَمَّا قَضَى سُلَيْمَانُ الصَّلَاةَ انْصَرَفَ أَبُو مُسْلِمٍ وَالشِّيعَةُ إِلَى طَعَامٍ قَدْ أَعَدَّهُ لَهُمْ، فَأَكَلُوا مُسْتَبْشِرِينَ. خطاب أبي مسلم الخرساني إلى نصر بن سيار وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ وَهُوَ فِي الْخَنْدَقِ إِذَا كَتَبَ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ كِتَابًا يَكْتُبُ لِلْأَمِيرِ نَصْرٍ، فَلَمَّا قَوِيَ أَبُو مُسْلِمٍ بِمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَكَتَبَ إِلَى نَصْرٍ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَتْ أَسْمَاؤُهُ عَيَّرَ أَقْوَامًا فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ). فَتَعَاظَمَ نَصْرٌ الْكِتَابَ وَكَسَرَ لَهُ إِحْدَى عَيْنَيْهِ وَقَالَ: هَذَا كِتَابٌ مَا لَهُ جَوَابٌ. أول حرب بين أبي مسلم الخرساني ونصر بن سيار كَانَ مِنَ الْأَحْدَاثِ وَأَبُو مُسْلِمٍ بِسَفِيذَنْجَ أَنَّ نَصْرًا وَجَّهَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ لِمُحَارَبَةِ أَبِي مُسْلِمٍ بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ ظُهُورِهِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيَّ، فَالْتَقَوْا بِقَرْيَةِ أَلْيَنَ، فَدَعَاهُمْ مَالِكٌ إِلَى الرِّضَاءِ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَكْبَرُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَاتَلَهُمْ مَالِكٌ، وَهُوَ فِي نَحْوِ مِائَتَيْنِ، مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ صَالِحُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضَّبِّيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ زَيْدٍ وَزِيَادُ بْنُ عِيسَى، فَسَيَّرَهُمْ إِلَى مَالِكٍ، فَقَوِيَ بِهِمْ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ إِلَيْهِ مَعَ الْعَصْرِ، فَقَالَ مَوْلَى نَصْرٍ: إِنْ تَرَكْنَا هَؤُلَاءِ اللَّيْلَةَ أَتَتْهُمْ أَمْدَادُهُمْ، فَاحْمِلُوا عَلَى الْقَوْمِ. فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ الطَّائِيُّ عَلَى مَوْلَى نَصْرٍ فَأَسَرَهُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَأَرْسَلَ الطَّائِيُّ بِأَسِيرِهِ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَمَعَهُ رُءُوسُ الْقَتْلَى، فَنَصَبَ الرُءُوسَ، وَأَحْسَنَ إِلَى يَزِيدَ مَوْلَى نَصْرٍ، وَعَالَجَهُ حَتَّى انْدَمَلَتْ جِرَاحُهُ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُقِيمَ مَعَنَا فَقَدْ أَرْشَدَكَ اللَّهُ، وَإِنْ كَرِهْتَ فَارْجِعْ إِلَى مَوْلَاكَ سَالِمًا، وَأَعْطِنَا عَهْدَ اللَّهِ أَنَّكَ لَا تُحَارِبُنَا، وَلَا تَكْذِبُ عَلَيْنَا، وَأَنْ تَقُولَ فِينَا مَا رَأَيْتَ. فَرَجَعَ إِلَى مَوْلَاهُ. وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنَّ هَذَا سَيَرُدُّ عَنْكُمْ أَهْلَ الْوَرَعِ وَالصَّلَاحِ فَمَا نَحْنُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ يُرْجِفُونَ عَلَيْهِمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَاسْتِحْلَالِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَالْفُرُوجِ. فَلَمَّا قَدِمَ يَزِيدُ عَلَى نَصْرٍ قَالَ: لَا مَرْحَبًا ! فَوَاللَّهِ مَا اسْتَبَقَاكَ الْقَوْمُ إِلَّا لِيَتَّخِذُوكَ حُجَّةً عَلَيْنَا. فَقَالَ يَزِيدُ: هُوَ وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتَ، وَقَدِ اسْتَحْلَفُونِي أَنْ لَا أَكْذِبَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا أَقُولُ: إِنَّهُمْ وَاللَّهِ يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ لِمَوَاقِيتِهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَيَتْلُونَ الْقُرْآنَ، وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَيَدْعُونَ إِلَى وِلَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا أَحْسَبُ أَمْرَهُمْ إِلَّا سَيَعْلُو، وَلَوْلَا أَنَّكَ مَوْلَايَ لَمَا رَجَعْتُ إِلَيْكَ وَلَأَقَمْتُ مَعَهُمْ. فَهَذِهِ أَوَّلُ حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ. ما قيل في شأن أبي مسلم الخرساني وَقَدْ قِيلَ فِي أَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَالَّذِي قِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامَ زَوَّجَ أَبَا مُسْلِمٍ لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى خُرَاسَانَ ابْنَةَ أَبِي النَّجْمِ وَسَاقَ عَنْهُ صَدَاقَهَا، وَكَتَبَ إِلَى النُّقَبَاءِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ أَهْلِ خُطَرْنِيَّةَ مِنْ سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ قَهْرَمَانًا لِإِدْرِيسَ بْنِ مَعْقِلٍ الْعِجْلِيِّ، فَصَارَ أَمْرُهُ وَمُنْتَهَى وَلَائِهِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ لِابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ لِلْأَئِمَّةِ مِنْ وَلَدِ مُحَمَّدٍ، فَقَدِمَ خُرَاسَانَ وَهُوَ حَدِيثُ السِّنِّ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَخَافَ أَنْ لَا يَقْوَى عَلَى أَمْرِهِمْ فَرَدَّهُ. وَكَانَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ غَائِبًا خَلْفَ نَهْرِ بَلْخٍ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَرْوَ أَقْرَءُوهُ كِتَابَ الْإِمَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَسَأَلَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ رَدَّهُ، فَجَمَعَ النُّقَبَاءَ وَقَالَ لَهُمْ: أَتَاكُمْ كِتَابُ الْإِمَامِ فِيمَنْ بَعَثَهُ إِلَيْكُمْ فَرَدَدْتُمُوهُ، فَمَا حُجَّتُكُمْ ؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَدَاثَةُ سِنِّهِ وَتَخَوُّفًا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، فَخِفْنَا عَلَى مَنْ دَعَوْنَا وَعَلَى أَنْفُسِنَا. فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا، ﷺ، وَاصْطَفَاهُ وَبَعَثَهُ إِلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتَشُكُّونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ فِيهِ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ وَشَرَائِعُهُ وَأَنْبَاؤُهُ، وَأَخْبَرَ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ وَبِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتَشُكُّونَ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَهُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ رِسَالَةِ رَبِّهِ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتَظُنُّونَ أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِ رُفِعَ مَعَهُ أَوْ خَلَّفَهُ ؟ قَالُوا: بَلْ خَلَّفَهُ. قَالَ: أَفَتَظُنُّونَ خَلَّفَهُ عِنْدَ غَيْرِ عِتْرَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَتَشُكُّونَ أَنَّ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَأَصْحَابُ مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: فَأَرَاكُمْ قَدْ شَكَكْتُمْ فِي أَمْرِكُمْ، وَرَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ عِلْمَهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِهِمْ لَمْ يَبْعَثُوهُ إِلَيْكُمْ. وَهُوَ لَا يُتَّهَمُ فِي نُصْرَتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ وَالْقِيَامِ بِحَقِّهِمْ. فَبَعَثُوا إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَرَدُّوهُ مِنْ قُومِسَ بِقَوْلِ أَبِي دَاوُدَ وَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ وَأَطَاعُوهُ، فَلَمْ تَزَلْ فِي نَفْسِ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَعْرِفُهَا لِأَبِي دَاوُدَ. وَبَثَّ الدُّعَاةَ فِي أَقْطَارِ خُرَاسَانَ، فَدَخَلَ النَّاسُ أَفْوَاجًا وَكَثُرُوا، وَفَشَتِ الدُّعَاةُ بِخُرَاسَانَ كُلِّهَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ أَنْ يُوَافِيَهُ فِي مَوْسِمِ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لِيَأْمُرَهُ بِأَمْرِهِ فِي إِظْهَارِ دَعْوَتِهِ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا