التاريخ 2632
ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائة
ذِكْرُ خُرُوجِ الضَّحَّاكِ مُحَكِّمًا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ مُحَكِّمًا وَدَخَلَ الْكُوفَةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ حِينَ قُتِلَ خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ حَرُورِيٌّ يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ الشَّيْبَانِيُّ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ فِيهِمُ الضَّحَّاكُ، فَاغْتَنَمَ قَتْلَ الْوَلِيدِ وَاشْتِغَالَ مَرْوَانَ بِالشَّامِ فَخَرَجَ بِأَرْضِ كَفَرْتُوثَا، وَخَرَجَ بِسْطَامٌ الْبَيْهَسِيُّ، وَهُوَ مُفَارِقٌ لِرَأْيِهِ، فِي مِثْلِ عُدَّتِهِمْ مِنْ رَبِيعَةَ، فَسَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، فَلَمَّا تَقَارَبَا أَرْسَلَ سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ الْخَيْبَرِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ قُوَّادِهِ، فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا، فَأَتَاهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلُوا فِيهِمْ وَقَتَلُوا بِسْطَامًا وَجَمِيعَ مَنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ثُمَّ مَضَى سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ إِلَى الْعِرَاقِ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ بِهَا، فَمَاتَ سَعِيدُ بْنُ بَهْدَلٍ فِي الطَّرِيقِ وَاسْتَخْلَفَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، فَبَايَعَهُ الشُّرَاةُ، فَأَتَى أَرْضَ الْمَوْصِلِ ثُمَّ شَهْرَزُورَ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الصُّفْرِيَّةُ حَتَّى صَارَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ. وَهَلَكَ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَامِلُهُ عَلَى الْعِرَاقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَرْوَانُ بِالْحِيرَةِ، فَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى النَّضْرِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَرَشِيِّ، وَهُوَ أَحَدُ قُوَّادِ ابْنِ عُمَرَ، بِوِلَايَةِ الْعِرَاقِ، فَلَمْ يُسَلِّمِ ابْنُ عُمَرَ إِلَيْهِ الْعَمَلَ، فَشَخَصَ النَّضْرُ إِلَى الْكُوفَةِ وَبَقِيَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحِيرَةِ، فَتَحَارَبَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَأَمَدَّ مَرْوَانُ النَّضْرَ بِابْنِ الْغُزَيِّلِ، وَاجْتَمَعَتِ الْمُضَرِيَّةُ مَعَ النَّضْرِ عَصَبِيَّةً لِمَرْوَانَ حَيْثُ طَلَبَ بِدَمِ الْوَلِيدِ، وَكَانَتْ أُمُّ الْوَلِيدِ قَيْسِيَّةً مِنْ مُضَرَ، وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ مَعَ ابْنِ عُمَرَ عَصَبِيَّةً لَهُ، حَيْثُ كَانُوا مَعَ يَزِيدَ فِي قَتْلِ الْوَلِيدِ حِينَ أَسْلَمَ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ إِلَى يُوسُفَ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ الضَّحَّاكُ بِاخْتِلَافِهِمْ أَقْبَلَ نَحْوَهُمْ وَقَصَدَ الْعِرَاقَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَأَرْسَلَ [ ابْنُ ] عُمَرَ إِلَى النَّضْرِ: " إِنَّ هَذَا لَا يُرِيدُ غَيْرِي وَغَيْرَكَ فَهَلُمَّ نَجْتَمِعُ عَلَيْهِ ". فَتَعَاقَدَا عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَا بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ. وَأَقْبَلَ الضَّحَّاكُ فَنَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ فِي رَجَبٍ وَاسْتَرَاحَ، ثُمَّ اسْتَعَدُّوا لِلْقِتَالِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مِنْ غَدِ يَوْمِ نُزُولِهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَشَفُوا ابْنَ عُمَرَ وَقَتَلُوا أَخَاهُ عَاصِمًا وَجَعْفَرَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْكِنْدِيَّ أَخَا عُبَيْدِ اللَّهِ، وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ خَنْدَقَهُ، وَبَقِيَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ إِلَى اللَّيْلِ ثُمَّ انْصَرَفُوا ثُمَّ اقْتَتَلُوا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ عُمَرَ فَدَخَلُوا خَنَادِقَهُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ تَسَلَّلَ أَصْحَابُهُ نَحْوَ وَاسِطَ، وَرَأَوْا قَوْمًا لَمْ يَرَوْا أَشَدَّ بَأْسًا مِنْهُمْ. وَكَانَ مِمَّنْ لَحِقَ بِوَاسِطَ: النَّضْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرَشِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَخُو خَالِدٍ، وَمَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، وَالْأَصْبَغُ بْنُ ذُؤَالَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْوُجُوهِ، وَبَقِيَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ لَمْ يَبْرَحْ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: قَدْ هَرَبَ النَّاسُ فَعَلَامَ تُقِيمُ ؟ فَبَقِيَ يَوْمَيْنِ لَا يُرَى إِلَّا هَارِبًا، فَرَحَلَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى وَاسِطَ، وَاسْتَوْلَى الضَّحَّاكُ عَلَى الْكُوفَةِ وَدَخَلَهَا، وَلَمْ يَأْمَنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ الْكِنْدِيُّ عَلَى نَفْسِهِ فَصَارَ مَعَ الضَّحَّاكِ وَبَايَعَهُ وَصَارَ فِي عَسْكَرِهِ، فَقَالَ أَبُو عَطَاءٍ السِّنْدِيُّ لَهُ، شِعْرٌ: فَقُلْ لِعُبَيْدِ اللَّهِ لَوْ كَانَ جَعْفَرٌ هُوَ الْحَيُّ لَمْ يَجْنَحْ وَأَنْتَ قَتِيلُ وَلَمْ يَتْبَعِ الْمُرَّاقُ وَالثَّارُ فِيهِمُ وَفِي كَفِّهِ عَضْبُ الذُّبَابِ صَقِيلُ إِلَى مَعْشَرٍ أَرْدَوْا أَخَاكَ وَأْكَفَرُوا أَبَاكَ فَمَاذَا بَعْدَ ذَاكَ تَقُولُ فَلَمَّا بَلَغَ عُبَيْدَ اللَّهِ هَذَا الْبَيْتُ مِنْ قَوْلِ أَبِي عَطَاءٍ قَالَ: أَقُولُ أَعَضَّكَ [ اللَّهُ ] بِبَظْرِ أُمِّكَ: فَلَا وَصَلَتْكَ الرِّحْمُ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ وَطَالِبُ وَتْرٍ وَالذَّلِيلُ ذَلِيلُ تَرَكْتَ أَخَا شَيْبَانَ يَسْلُبُ بَزَّهُ وَنَجَّاكَ خَوَّارُ الْعِنَانِ مَطُولُ وَوَصَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى وَاسِطَ فَنَزَلَ بِدَارِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. وَعَادَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَالنَّضْرِ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ قُدُومِ الضَّحَّاكِ إِلَى النَّضْرِ يَطْلُبُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ وِلَايَةَ الْعِرَاقِ بِعَهْدِ مَرْوَانَ لَهُ، وَابْنُ عُمَرَ يَمْتَنِعُ، وَسَارَ الضَّحَّاكُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى وَاسِطَ وَاسْتَخْلَفَ مِلْجَانَ الشَّيْبَانِيَّ، وَنَزَلَ الضَّحَّاكُ بَابَ الْمِضْمَارِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَالنَّضْرُ تَرَكَا الْحَرْبَ بَيْنَهُمَا وَاتَّفَقَا عَلَى قِتَالِ الضَّحَّاكِ، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ شَعْبَانَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ وَالْقِتَالُ بَيْنَهُمْ مُتَوَاصِلٌ. ثُمَّ إِنَّ مَنْصُورَ بْنَ جُمْهُورٍ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ ! فَلِمَ تُحَارِبُهُمْ وَتَشْغَلُهُمْ عَنْ مَرْوَانَ ؟ أَعْطِهِمُ الرِّضَا وَاجْعَلْهُمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَرْوَانَ فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَنَّا إِلَيْهِ وَيُوسِعُونَهُ شَرًّا، فَإِنْ ظَفِرُوا بِهِ كَانَ مَا أَرَدْتَ وَكُنْتَ عِنْدَهُمْ آمِنًا، وَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ وَأَرَدْتَ خِلَافَهُ وَقِتَالَهُ قَاتَلْتَهُ وَأَنْتَ مُسْتَرِيحٌ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا تَعْجَلْ حَتَّى نَنْظُرَ. فَلَحِقَ بِهِمْ مَنْصُورٌ، وَنَادَاهُمْ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسْلِمَ وَأَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ وَهِيَ حُجَّتُهُمْ، فَدَخَلَ إِلَيْهِمْ وَبَايَعَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي شَوَّالٍ فَصَالَحَهُمْ وَبَايَعَ الضَّحَّاكُ وَمَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.