التاريخ 1631
حجة الوداع
قَالَ الْحَافِظُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: «فِي ابْتِدَاءِ فَرْضِهِ، فَقِيلَ: قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي سَنَتِهِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا سَنَةُ سِتٍّ، قُلْتُ: وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي السِّيَرِ، وَشَبَّهَ عَلَيْهِ فِي «الرَّوْضَةِ»، وَنَقَلَهُ فِي «الْمَجْمُوعِ» عَنِ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ، انْتَهَى. ففَرْضَ الْحَجِّ تَأَخَّرَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ أَوْ عَشْرٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ) [ الْبَقَرَةِ: 196]، فَإِنَّهَا وَإِنْ نَزَلَتْ سَنَةَ سِتٍّ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ وَإِنَّمَا فِيهَا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ وَإِتْمَامِ الْعُمْرَةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِابْتِدَاءِ فَإِنْ قِيلَ: فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ تَأْخِيرُ نُزُولِ فَرْضِهِ إِلَى التَّاسِعَةِ أَوِ الْعَاشِرَةِ ؟ قِيلَ: لِأَنَّ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ نَزَلَ عَامَ الْوُفُودِ، وَفِيهِ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَالْجِزْيَةُ إِنَّمَا نَزَلَتْ عَامَ تَبُوكَ سَنَةَ تِسْعٍ وَفِيهَا نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَنَاظَرَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَدَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَالْمُبَاهَلَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ وَجَدُوا فِي نُفُوسِهِمْ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنَ التِّجَارَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) [ التَّوْبَةِ: 28]، فَأَعَاضَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ بِالْجِزْيَةِ. وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَالْمُنَادَاةُ بِهَا، إِنَّمَا كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَبَعَثَ الصِّدِّيقَ يُؤَذِّنُ بِذَلِكَ فِي مَكَّةَ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، وَأَرْدَفَهُ بعلي ؓ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَدْ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي قِصَّةِ ضِمَامٍ ذِكْرُ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ، وَكَانَ قُدُومُهُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ سَنَةَ خَمْسٍ، وَهَذَا يَدُلُّ- إِنْ ثَبَتَ- عَلَى تَقَدُّمِهِ عَلَى سَنَةِ خَمْسٍ، أَوْ وُقُوعُهُ فِيهَا قُلْتُ: وَبِهَذَا جَزَمَ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ: فُرِضَ سَنَةَ خَمْسٍ. وَقَالَ الْحَافِظُ- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- إِنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيَّ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: إِذَا لَمْ نَحُجَّ قَطُّ أَفَنَعْتَمِرُ مِنَ الْمَدِينَةِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَقَدِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُمَرَهُ كُلَّهَا قَبْلَ حَجِّهِ، قَالَ: فَاعْتَمَرَ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ- بِسَنَدٍ صَحِيحٍ- وَهُوَ فِي الْبُخَارِيِّ بِنَحْوِهِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ كَانَ قَدْ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ اعْتِمَارِهِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ: هَلِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ ؟ أَوِ التَّرَاخِي ؟ وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي، قَالَ أَيِ ابْنُ بَطَّالٍ: كَذَلِكَ أَمْرُ النَّبِيِّ ﷺ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمَرَةِ، دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ نُوَزِّعُ فِي ذَلِكَ إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ تَقْدِيمِ أَحَدِ النُّسُكَيْنِ عَلَى الْآخَرِ نَفْيُ الْفَوْرِيَّةِ، انْتَهَى، وَقِيلَ: فُرِضَ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَقِيلَ: تِسْعٌ، وَقِيلَ: عَشْرٌ حَكَاهَا الْحَافِظُ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الرَّافِعِيِّ. الثَّانِي: قَالَ الْعُلَمَاءُ- رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى- فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَجَّ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَقَدْ كَانَ السَّبِيلُ إِلَيْهِ مَمْنُوعًا بِقُوَّةِ الْمُشْرِكِينَ. وَأَيْضًا كَانُوا يَنْقُلُونَ الْحَجَّ عَنْ وَقْتِهِ، فَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ يَنْقُلُونَهُ عَنْ حِسَابِ الشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ، وَيُؤَخِّرُونَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، فَلَمْ تُوجَدِ الِاسْتِطَاعَةُ إِلَّا عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ سَنَةَ ثَمَانٍ، فَمَنَعَ ﷺ مِنَ التَّعْجِيلِ بِهِ، أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا مَنَعُوا مِنْهُ، لِعُهُودٍ كَانَتْ لَهُمْ إِلَى آجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَكَانُوا يُشْرِكُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ، وَيَطُوفُونَ عُرَاةً، وَقَدْ كَانَ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَحُجَّ مَقْفَلَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَذَلِكَ بِأَثَرِ الْفَتْحِ بِيَسِيرٍ، ثُمَّ ذَكَرَ بَقَايَا الْمُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ، وَيَطُوفُونَ عُرَاةً فَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ سَمَاعَ إِشْرَاكِهِمْ فِي تَلْبِيَتِهِمْ وَلَا رُؤْيَتِهِمْ عُرَاةً، فَأَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ حَتَّى نَبَذَ إِلَى كُلِّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ فَحَجَّ بِالْمُسْلِمِينَ كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي فِي «بَابِ السِّيَرِ» سِيَرِ الْفَتْحِ- عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ بِوَزْنِ أَمِيرٍ الَّذِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَكَّةَ ؓ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْحَجِّ حَجَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بِمَعْزِلٍ يَدْفَعُ بِهِمْ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَيَقِفُ بِهِمْ، لِأَنَّهُ أَمِيرُ الْبَلَدِ. وَفِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ سَنَةُ تِسْعٍ حَجَّ بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ ؓ وَأَرْسَلَ مَعَهُ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَنَادَى فِي النَّاسِ بِنَبْذِ الْعَهْدِ كَمَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، فَلَمَّا زَالَتْ رُسُومُ الشِّرْكِ، وَسِيَرِ الْجَاهِلِيَّةِ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وَقَالَ فِيهَا: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ».
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه