التاريخ 1512
غزوة حنين (هوازن)
ذِكْرُ انْهِزَامِ الْمُشْرِكِينَ والنهي عن قتل ذراريهم قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا نَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْأَنْصَارَ كَرُّوا رَاجِعِينَ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ، يَا خَيْلَ اللَّهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ سَمَّى خَيْلَهُ خَيْلَ اللَّهِ، وَجَعَلَ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ: بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَجَعَلَ شِعَارَ الْأَوْسِ: بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ، وَشِعَارَ الْخَزْرَجِ: بَنِي عَبْدِ اللَّهِ. رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ جَعَلَ يَصِيحُ يَوْمَئِذٍ: يَا لَلْخَزْرَجِ ثَلَاثًا، وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ يَصِيحُ: يَا لَلْأَوْسِ - ثَلَاثًا فَثَابُوا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ كَأَنَّهُمُ النَّحْلُ تَأْوِي إِلَى يَعْسُوبِهَا، قَالَ أَهْلُ الْمَغَازِي فَحَنَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلُوهُمْ حَتَّى أَسْرَعَ الْقَتْلُ فِي ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ بَلَغَ بِهِمُ الْقَتْلُ حَتَّى بَلَغَ الذُّرِّيَّةَ! أَلَا لَا تَقْتُلِ الذُّرِّيَّةَ، أَلَا لَا تَقْتُلِ الذُّرِّيَّةَ” ثَلَاثًا - فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَيْسَ إِنَّمَا هُمْ أَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَيْسَ خِيَاركُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ! كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ حَتَّى يُعْرِبَ عَنْهَا لِسَانُهَا، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أَوْ يُنَصِّرَانِهَا”. ذكر النبي ﷺ أنه من خصائص النبوة ألا يومئ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: قَالَ شُيُوخُ ثَقِيفٍ، مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَلَبِنَا، فِيمَا نَرَى - وَنَحْنُ مُوَلَّوْنَ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنَّا لَيَدْخُلُ حِصْنَ الطَّائِفِ وَإِنَّهُ لَيَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى أَثَرِهِ، مِنْ رُعْبِ الْهَزِيمَةِ. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: كَانَ فِي الْمُشْرِكِينَ رَجُلٌ يَحْمِلُ عَلَيْنَا فَيَدُقُّنَا وَيُحَطِّمُنَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - فَوَلَّوْا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأَى الْفَتْحَ، فَجَعَلَ يُجَاءُ بِهِمْ أُسَارَى رَجُلٌ رَجُلٌ، فَيُبَايِعُونَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ عَلَيَّ نَذْرًا لَئِنْ جِيءَ بِالرَّجُلِ الَّذِي كَانَ مُنْذُ الْيَوْمِ يُحَطِّمُنَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجِيءَ بِالرَّجُلِ فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ تُبْتُ إِلَى اللَّهِ، فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مُبَايَعَتِهِ لِيُوفِيَ الْآخِذَ بِنَذْرِهِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَأْمُرَهُ بِقَتْلِهِ، وَهَابَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ الرَّجُلَ لَا يَصْنَعُ شَيْئًا بَايَعَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَذْرِي ؟ قَالَ: «لَمْ أُمْسِكْ عَنْهُ إِلَّا لِتُوفِيَ بِنَذْرِكَ” فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ أَنْ يُومِئَ. رَوَى الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَنَسٍ ؓ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: «اجْزُرُوهُمْ جَزْرًا” وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْحَلْقِ. إكرام النبي ﷺ لأخته من الرضاع قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَلَبِ الْعَدُوِّ وَقَالَ لِخَيْلِهِ إِنْ قَدَرْتُمْ عَلَى «بِجَادٍ” رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ فَلَا يَفْلِتَنَّ مِنْكُمْ، وَقَدْ كَانَ أَحْدَثَ حَدَثًا عَظِيمًا، كَانَ قَدْ أَتَاهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ عُضْوًا عُضْوًا ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالنَّارِ، وَكَانَ قَدْ عَرَفَ جُرْمَهُ فَهَرَبَ فَأَخَذَتْهُ الْخَيْلُ فَضَمُّوهُ إِلَى الشَّيْمَاءِ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، أُخْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَتْعَبُوهَا فِي السِّيَاقِ، فَتَعِبَتِ الشَّيْمَاءُ بِتَعَبِهِمْ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: إِنِّي وَاللَّهِ أُخْتُ صَاحِبِكُمْ، فَلَا يُصَدِّقُونَهَا، وَأَخَذَهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى هَوَازِنَ - فَأَتَوْا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ!! إِنِّي أُخْتُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ ؟ فَأَرَتْهُ عَضَّةً بِإِبْهَامِهَا، وَقَالَتْ: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ بِوَادِي السُّرُرِ وَنَحْنُ يَوْمَئِذٌ نَرْعَى الْبُهْمَ، وَأَبُوكَ أَبِي، وَأُمُّكَ أُمِّي، وَقَدْ نَازَعْتُكَ الثَّدْيَ، وَتَذَكَّرْ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِلَابِي لَكَ عَنْزَ أَبِيكَ أَطْلَانَ، فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَلَامَةَ، فَوَثَبَ قَائِمًا، فَبَسَطَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: «اجْلِسِي عَلَيْهِ” وَرَحَّبَ بِهَا، وَدَمِعَتْ عَيْنَاهُ، وَسَأَلَهَا عَنْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَوْتِهِمَا فَقَالَ: «إِنْ أَحْبَبْتِ فَأَقِيمِي عِنْدَنَا مُحَبَّبَةً مُكَرَّمَةً، وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ وَصَّلْتُكِ وَرَجَعْتِ إِلَى قَوْمِكِ” قَالَتْ: بَلْ أَرْجِعُ إِلَى قَوْمِي، فَأَسْلَمَتْ، فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ وَجَارِيَةً وَأَمَرَ لَهَا بِبَعِيرٍ أَوْ بَعِيرَيْنِ وَقَالَ لَهَا: «ارْجِعِي إِلَى الْجِعْرَانَةِ تَكُونِينَ مَعَ قَوْمِكِ، فَأَنَا أَمْضِي إِلَى الطَّائِفِ” فَرَجَعَتْ إِلَى الْجِعْرَانَةِ، وَوَافَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْجِعْرَانَةِ فَأَعْطَاهَا نَعَمًا وَشَاءً، وَلِمَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهَا، وَكَلَّمَتْهُ فِي بِجَادٍ أَنْ يَهَبَهُ لَهَا وَيَعْفُوَ عَنْهُ فَفَعَلَ - ﷺ. فَصْلٌ ( هَزِيمَةُ هَوَازِنَ ). وَلَمَّا انْهَزَمَتْ هَوَازِنُ وَقَفَ مَلِكُهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ عَلَى ثَنِيَّةٍ مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: قِفُوا حَتَّى تَجُوزَ ضُعَفَاؤُكُمْ وَتَلْحَقَ أُخْرَاكُمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ خَيْلًا طَلَعَتْ وَمَالَكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الثَّنِيَّةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى قَوْمًا وَاضِعِي رِمَاحِهِمْ بَيْنَ آذَانِ خَيْلِهِمْ، طَوِيلَةً بِوَادُّهُمْ. فَقَالَ: هَؤُلَاءِ بَنُو سُلَيْمٍ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ. فَلَمَّا أَقْبَلُوا سَلَكُوا بَطْنَ الْوَادِي، ثُمَّ طَلَعَتْ خَيْلٌ أُخْرَى تَتْبَعُهَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ قَالُوا: نَرَى قَوْمًا عَارِضِي رِمَاحِهِمْ أَغْفَالًا عَلَى خَيْلِهِمْ. فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ. فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى أَصْلِ الثَّنِيَّةِ سَلَكُوا طَرِيقَ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَ فَارِسٌ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَاذَا تَرَوْنَ؟ فَقَالُوا: نَرَى فَارِسًا طَوِيلَ الْبَادِّ، وَاضِعًا رُمْحَهُ عَلَى عَاتِقِهِ، عَاصِبًا رَأْسَهُ بِمُلَاءَةٍ حَمْرَاءَ. قَالَ: هَذَا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأُقْسِمُ بِاللَّاتِ لِيُخَالِطَنَّكُمْ فَاثْبُتُوا لَهُ. فَلَمَّا انْتَهَى الزُّبَيْرُ إِلَى أَصْلِ الثَّنِيَّةِ أَبْصَرَ الْقَوْمَ فَصَمَدَ لَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ يُطَاعِنُهُمْ حَتَّى أَزَاحَهُمْ عَنْهَا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ حُنَيْنٍ، وَأَمْكَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ، قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؓ وَعَنْهُمْ: قَدْ غَلَبَتْ خَيْلُ اللَّهِ خَيْلَ اللَّاتِ وَاللَّهُ أَحَقُّ بِالثَّبَاتِ وَيُرْوَى: وَخَيْلُهُ أَحَقُّ بِالثَّبَاتِ. زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: إِنَّ لَنَا مَاءَ حُنَيْنٍ فَخَلُّوهُ إِنْ تَشْرَبُوا مِنْهُ فَلَنْ تَعْلُوهُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ لَنْ تَغْلُوهُ وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ جِهَةِ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ انْهِزَامِهِمْ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَأَمَرَ أَنْ يُقْتَلَ كُلُّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَثَابَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ذكر عدد من قتل من المشركين وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ مِنْ ثَقِيفٍ فِي بَنِي مَالِكٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا تَحْتَ رَايَتِهِمْ، فِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَتْ رَايَتُهُمْ مَعَ ذِي الْخِمَارِ، فَلَمَّا قُتِلَ أَخَذَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَتْلُهُ، قَالَ: «أَبْعَدَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُبْغِضُ قُرَيْشًا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِثْلُ مَنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه