التاريخ 1414
فتح مكة
فَتْحُ مَكَّةَ وَقَعَتْ غَزْوَةُ فَتْحِ مَكَّةَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ وَكَانَ سَبَبُهَا نَقْضَ قُرَيْشٍ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي بَكْرٍ كَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ وَبَنِي خُزَاعَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي حِلْفِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَاتَلَتْ بَنُو بَكْرٍ خُزَاعَةَ وَقَتَلُوهُمْ حَتَّى أَلْجَؤُوهُمْ إِلَى الْحَرَمِ وَقَتَلُوهُمْ فِيهِ، وَعَاوَنَتْهَا قُرَيْشٌ بِالسِّلَاحِ وَالرِّجَالِ خِفْيَةً، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ يُنَاشِدُهُ النَّصْرَ بِمَا بَيْنَهُمْ مِنْ حَلِفٍ وَإِسْلَامٍ ذَاكِرًا مَا فَعَلَتْهُ بَنُو بَكْرٍ وَقُرَيْشٌ بِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نُصِرْتَ يَا عَمْرَو بْنَ سَالِمٍ فَمَا بَرِحَ حَتَّى مَرَّتْ عَنَانَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَرَعَدَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ لَتَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ وَعَلَى إِثْرِ ذَلِكَ أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قُرَيْشٍ يُخَيِّرُهَا بَيْنَ ثَلَاثٍ، إِمَّا أَنْ يَدُوا الْقَتْلَى مِنْ خُزَاعَةَ أَوْ يَتَبَرَّؤُوا مِنْ حِلْفِ بَنِي نُفَاثَةَ أَوْ أَنْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ فَاخْتَارَتْ قُرَيْشٌ خِيَارَ الْحَرْبِ. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: لَكَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ قَدْ جَاءَ يَقُولُ: جَدِّدِ الْعَهْدَ وَزِدْ فِي الْهُدْنَةِ، وَهُوَ رَاجِعٌ بِسُخْطِهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ. وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ بِالْجِدِّ وَالتَّجْهِيزِ لِلْغَزْوِ، وَأَخَذَ فِي جِهَازِهِ ﷺ وَأَخْفَى وُجْهَتَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذِ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتَّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا فَتَجَهَّزَ النَّاسُ وَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا وَأَرْسَلُهُ مَعَ امْرَأَةٍ إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ لَهُ يَدٌ عِنْدَ قُرَيْشٍ فَلَا يَعْدُوا عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ إِذْ لَيْسَ فِيهَا مَنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِ الْمَرْأَةِ وَالْكِتَابِ، وَعَاتَبَ حَاطِبًا فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ مَا فَعَلَ ذَلِكَ كُفْرًا أَوْ نِفَاقًا وَلَكِنَّ خَوْفًا عَلَى أَهْلِهِ، وَأَرَادَ عُمَرُ الْإِذْنَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "مَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اطَّلَعَ إِلَى أَصْحَابِ بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ" وَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً إِلَى بَطْنِ إِضَمَ لِيَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّ هَذِهِ وُجْهَتُهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ أَوْ يُوَافُوهُ بِالْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ حُصَيْنٍ الْغِفَارِيَّ، وَيُقَالُ: ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ مَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَطَوَائِفُ مِنَ الْعَرَبِ وَقَادُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوُا الْإِبِلَ وَقَدَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَامَهُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِيدًا عَقَدَ الْأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ وَدَفَعَهَا إِلَى الْقَبَائِلِ، وَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَأَسْلَمَا. وَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْفِطْرِ رُخْصَةً وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْفِطَرَ أَقْوَى لَهُمْ. وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَلَمَّسُونَ خَبَرَ النَّبِيِّ ﷺ فَفَاجَأَهُمْ جَيْشُ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَتَى بِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَدْ أَمَّنَهُ حَتَّى دَخَلَ بِهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْلَمَ، وَأَمَرَ بِأَبِي سُفْيَانَ فَأُوقِفَ عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللَّهِ فَيَرَاهَا، وَظَلَّ أَبُو سُفْيَانَ يَسْأَلُ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ وَيَتَعَجَّبُ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى مَرَّتْ بِهِ كَتِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَضْرَاءُ فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فِي الْحَدِيدِ لَا يُرَى مِنْهُمْ إِلَّا الْحَدَقُ. وَأَمَّنَ النَّبِيُّ ﷺ قُرَيْشًا فَجَعَلَ مَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ أَوِ الْمَسْجِدَ أَوْ بَيْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، إِلَّا بَعْضُ نَفَرٍ مِنْهُمْ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ خَطَلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ وَغَيْرُهُمْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي السَّرْحِ أَمَّنَهُ عُثْمَانُ ؓ وَكَانَ أَخُوهُ فِي الرَّضَاعَةِ وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ؓ، وَقَتَلَ جَارِيَتَيْنِ لِابْنِ خَطَلٍ أَيْضًا. وَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ فَاتِحًا وَكَانَ لِوَاؤُهُ أَبْيَضَ وَرَايَتُهُ الْعُقَابُ سَوْدَاءَ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ وَأَلَّا يَقْتُلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ. وَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قُبَّةٍ بِالْحَجُونِ ضُرِبَتْ لَهُ، وَاغْتَسَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ وَصَلَّى صَلَاةَ الْفَتْحِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ. وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَطَلَبَ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ فَأَخَذَهُ وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ فَصَلَّى بِهَا، وَخَطَبَ فِي النَّاسِ وَكَانَ فِيمَا قَالَ ﷺ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَاذَا تَقُولُونَ ؟ مَاذَا تَظُنُّونَ ؟ " قَالُوا: نَقُولُ خَيْرًا وَنَظُنُّ خَيْرًا، نَبِيٌّ كَرِيمٌ، وَأَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، وَقَدْ قَدَرْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يُوسُفَ 92] «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ" فَخَرَجُوا كَأَنَّمَا نُشِرُوا مِنَ الْقُبُورِ فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ. وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ وَرَدَّهُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ وَقَالَ: «خُذُوهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إِلَّا ظَالِمٌ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِتَكْسِيرِ الْأَصْنَامِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَبَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاسَ وَالنِّسَاءَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقَامَ بِلَالٌ فَارْتَقَى فَوْقَ الْكَعْبَةِ فَأَذَّنَ، وَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ السَّائِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيُّ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَعُتْبَةُ وَمُعَتِّبٌ وَلَدَا أَبِي لَهَبٍ، عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ. وَبَثَّ النَّبِيُّ ﷺ سَرَايَاهُ وَفَرَّقَهَا لِتَحْطِيمِ الْأَصْنَامِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَوَضَعَ الْهِجْرَةَ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" وَقَدْ تَخَوَّفَتِ الْأَنْصَارُ أَنْ يَبْقَى النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُمْ مُطَمْئِنًا: الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه