MajelisNoteدليل

التاريخ 1383

عمرة القضاء

عُمْرَةُ الْقَضَاءِ وَيُقَالُ لَهَا عُمْرَةُ الْقِصَاصِ، لِأَنَّهُمْ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ، فَاقْتَصَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ، فَدَخَلَ مَكَّةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ الَّذِي صَدُّوهُ فِيهِ، مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ. وَبَلَغَنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ وَيُقَالُ لَهَا: عُمْرَةُ الْقَضَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ،  فَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاضَى قُرَيْشًا عَلَيْهَا. لِأَنَّهُ قَضَى الْعُمْرَةَ الَّتِي صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ فِيهَا، فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ فَسَدَتْ بِصَدِّهِمْ لَهُ عَنِ الْبَيْتِ، بَلْ كَانَتْ عُمْرَةً تَامَّةً مُتَقَبَّلَةً، حَتَّى إِنَّهُمْ حِينَ حَلَقُوا شُعُورَهُمْ بِالْحَلِّ احْتَمَلَتْهَا الرِّيحُ فَأَلْقَتْهَا بِالْحَرَمِ، فَهِيَ مَعْدُودَةٌ فِي عُمَرِ النَّبِيِّ ﷺ زَادَ الْقَاضِي: فَالْمُرَادُ بِالْقَضَاءِ الْفَصْلُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ، وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهَا عُمْرَةُ الْقَضِيَّةِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: قَاضَى فُلَانٌ فُلَانًا: عَاهَدَهُ، وَقَاضَاهُ: عَاوَضَهُ، فَيَحْتَمِلُ تَسْمِيَتُهَا بِالْأَمْرَيْنِ، وَيُرَجِّحُ الثَّانِي تَسْمِيَتَهَا قِصَاصًا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ قَضَاءً عَنِ الْعُمْرَةِ الْأُولَى، وَعَدَّ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ  فِي الْعُمَرِ لِثُبُوتِ الْأَجْرِ فِيهَا لَا لِأَنَّهَا كَمُلَتْ، وَهَذَا خِلَافٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَنِ اعْتَمَرَ فَصُدَّ عَنِ الْبَيْتِ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ مَنْ أُحْصِرَ عَنِ الْعُمْرَةِ  يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أحمد، بَلْ أَشْهَرُهَا عَنْهُ. وَالثَّانِي: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، ومالك فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وَرِوَايَةِ أبي طالب عَنْ أحمد. وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أبي حنيفة. وَالرَّابِعُ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَلَا هَدْيَ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أحمد. فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْهَدْيَ، احْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ نَحَرُوا الْهَدْيَ حِينَ صُدُّوا عَنِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَضَوْا مِنْ قَابِلٍ، قَالُوا: وَالْعُمْرَةُ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا  ، وَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ إِلَّا بِفِعْلِهَا وَنَحْرِ الْهَدْيِ لِأَجْلِ التَّحَلُّلِ قَبْلَ تَمَامِهَا، وَقَالُوا: وَظَاهِرُ الْآيَةِ يُوجِبُ الْهَدْيَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) [ الْبَقَرَةِ: 196 ]. وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُمَا قَالُوا: لَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ الَّذِينَ أُحْصِرُوا مَعَهُ بِالْقَضَاءِ، وَلَا أَحَدًا مِنْهُمْ، وَلَا وَقَفَ الْحِلُّ عَلَى نَحْرِهمُ الْهَدْيَ بَلْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْلِقُوا رُءُوسَهُمْ وَأَمَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ. وَمَنْ أَوْجَبَ الْهَدْيَ دُونَ الْقَضَاءِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ). وَمَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ دُونَ الْهَدْيِ، احْتَجَّ بِأَنَّ الْعُمْرَةَ تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فَإِذَا أُحْصِرَ جَازَ لَهُ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرِ الْإِحْصَارِ، فَإِذَا زَالَ الْحَصْرُ، أَتَى بِهَا بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ، وَلَا يُوجِبُ تَخَلُّلُ التَّحَلُّلِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِهَا أَوَّلًا وَبَيْنَ فِعْلِهَا فِي وَقْتِ الْإِمْكَانِ، شَيْئًا، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ، وَيُوجِبُ الْهَدْيَ دُونَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْهَدْيَ هُوَ جَمِيعُ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهِ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: تُسَمَّى أَيْضًا عُمْرَةَ الصُّلْحَ  . فَتَحَصَّلَ مِنْ أَسْمَائِهَا أَرْبَعَةٌ: الْقَضَاءُ، وَالْقَضِيَّةُ، وَالْقِصَاصُ وَالصُّلْحُ. وهَذِهِ الْعُمْرَةُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْفَتْحِ " الْمُبَارَكَةِ: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ الْآيَةَ ( الْفَتْحِ: 27 ). وَهِيَ الْمَوْعُودُ بِهَا فِي قَوْلِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ قَالَ لَهُ: أَلَمْ تَكُنْ تُحَدِّثُنَا أَنَّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ ؟ قَالَ: " بَلَى أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ عَامَكَ هَذَا ؟ " قَالَ: لَا. قَالَ: " فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ وَهِيَ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ حِينَ دَخَلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، يَوْمَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: خَلُّوا بَنِي الْكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ الْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأَوِيلِهِ     كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ أَيْ هَذَا تَأْوِيلُ الرُّؤْيَا الَّتِي كَانَ رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. وَجَّهُوا كَوْنَ تسمية هَذِهِ الْعُمْرَةِ غَزْوَةً بِأَنَّ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ ذَكَرَ فِي الْمَغَازِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ مُسْتَعِدًّا بِالسِّلَاحِ وَالْمُقَاتَلَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ مِنْ قُرَيْشٍ غَدْرٌ، وَلَا يَلْزَمَ مِنْ إِطْلَاقِ الْغَزْوَةِ وُقُوعُ الْمُقَاتَلَةِ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْجَامِعِ: هَذِهِ الْعُمْرَةُ لَيْسَتْ مِنِ الْغَزَوَاتِ، وَذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي الْغَزَوَاتِ حَيْثُ تَضَمَّنَتْ ذِكْرَ الْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ. الثَّالِثُ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلُهُ: «نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ” إِلَى آخَرِ الْأَبْيَاتِ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: يَعْنِي يَوْمَ صِفِّينَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ رَوَاحَةَ إِنَّمَا أَرَادَ الْمُشْرِكِينَ، وَالْمُشْرِكُونَ لَمْ يُقِرُّوا بِالتَّنْزِيلِ، وَإِنَّمَا يُقَاتَلُ عَلَى التَّأْوِيلِ مَنْ أَقَرَّ بِالتَّنَزُّلِ. قَالَ فِي الْبِدَايَةِ: وَفِيمَا قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْبَيْهَقِيُّ رَوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ مَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ آخِذٌ بِغَرْزِهِ وَهُوَ يَقُولُ. الْأَبْيَاتَ السَّابِقَةَ. وَرَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَسْلَمَ - كَمَا سَبَقَ - وَقَدْ تَابَعَ ابْنَ إِسْحَاقَ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ الْحَافِظُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إِذَا ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ فَلَا مَانِعَ مِنْ إِطْلَاقِ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ عَلَى رَأْيِ ابْنِ هِشَامٍ: نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ أَيْ حَتَّى تُذْعِنُوا إِلَى ذَلِكَ التَّأْوِيلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِ مَا فَهِمْنَا مِنْهُ حَتَّى تَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلْنَا فِيهِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمَلًا، وَثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ سَقَطَ الِاعْتِرَاضُ. نَعَمِ الرِّوَايَةُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا. «فَالْيَوْمَ نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ” يَظْهَرُ أَنَّهُ قَوْلُ عَمَّارٍ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ رَوَاحَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ضَرْبٌ وَلَا قِتَالٌ، وَصَحِيحُ الرِّوَايَةِ. «نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ. كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ. يُشِيرُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى مَا مَضَى، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَتَمَثَّلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ بِهَذَا الرَّجُزِ وَيَقُولُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «نَضْرِبُكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ” أَيِ الْآنَ، وَجَازَ تَسْكِينُ الْبَاءِ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ، بَلْ هِيَ لُغَةٌ قُرِئَ بِهَا فِي الْمَشْهُورِ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا