MajelisNoteدليل

التاريخ 1333

صلح الحديبية

ذِكْرُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي شَأْنِ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ  : قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا بَيِّنًا وَظَاهِرًا، وَهَذَا إِخْبَارٌ عَنْ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ،  وَسَمَّاهُ فَتْحًا لِأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ ظُهُورِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ حَتَّى سَأَلُوهُ الصُّلْحَ، وَتَسَبَّبَ عَنْهُ فَتْحُ مَكَّةَ، وَفَرَغَ بِهِ ﷺ لِسَائِرِ الْعَرَبِ فَغَزَاهُمْ، وَفَتَحَ مَوَاضِعَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ ؓ فِي الْآيَةِ قَالَ: الْفَتْحُ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ. وَرَوَى أَيْضًا عَنِ الْبَرَاءِ ؓ - قَالَ: تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. قَالَ الْحَافِظُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا  وَهَذَا مَوْضِعٌ وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ قَدِيمٌ: وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُرَادِ مِنَ الْآيَاتِ. فَقَوْلُهُ - تَعَالَى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ هُنَا الْحُدَيْبِيَةُ، لِأَنَّهَا كَانَتْ مَبْدَأَ الْفَتْحِ الْمُبِينِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الصُّلْحِ الَّذِي وَقَعَ مِنَ الْأَمْنِ وَرَفْعِ الْحَرْبَ وَتَمَكُّنِ مَنْ كَانَ يَخْشَى الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا وَقَعَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ تَبِعَتِ الْأَسْبَابُ بَعْضُهَا بَعْضًا، إِلَى أَنْ كَمُلَ الْفَتْحُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فِي الْإِسْلَامِ فَتْحٌ قَبْلَ فَتْحِ الْحُدَيْبِيَةِ أَعْظَمَ مِنْهُ إِنَّمَا كَانَ الْكُفْرُ حَيْثُ الْقِتَالُ، فَلَمَّا أَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، كَلَّمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَفَاوَضُوا فِي الْحَدِيثِ وَالْمُنَازَعَةِ، وَلَمْ يُكَلَّمْ أَحَدٌ بِالْإِسْلَامِ يَعْقِلُ شَيْئًا إِلَّا بَادَرَ إِلَى الدُّخُولِ فِيهِ، فَلَقَدْ دَخَلَ فِي تِينِكَ السَّنَتَيْنِ مِثْلُ مَنْ كَانَ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ السُّورَةِ: وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا فَالْمُرَادُ بِهِ فَتْحُ خَيْبَرَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِيهَا الْمَغَانِمُ الْكَثِيرَةُ، وَقُسِّمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا فَالْمُرَادُ بِهِ الْحُدَيْبِيَةُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَقَوْلُهُ - ﷺ «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» فَالْمُرَادُ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ، وَأَنَّهُ كَانَ مُقَدِّمَةً بَيْنَ يَدَيِ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ الَّذِي دَخَلَ النَّاسُ عَقِبَهُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا» فَكَانَتِ الْهُدْنَةُ مَعْنَاهَا كَذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَتْ قِصَّةُ الْحُدَيْبِيَةِ مُقَدِّمَةً لِلْفَتْحِ سُمِّيَتْ فَتْحًا، لِأَنَّ الْفَتْحَ فِي اللُّغَةِ فَتْحٌ مُغْلَقٌ،  وَالصُّلْحُ كَانَ مُغْلَقًا حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ - تَعَالَى. وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ فَتْحِهِ صَدُّ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْبَيْتِ، فَكَانَ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ ضَيْمًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَفِي الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ عِزًّا لَهُمْ، فَإِنَّ النَّاسَ لِأَجْلِ الْأَمْنِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُمُ اخْتَلَطَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَسْمَعَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ الْقُرْآنَ وَنَاظَرُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ جَهْرَةً آمِنِينَ، وَكَانُوا قَبْلَ لَا يَتَكَلَّمُونَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا خُفْيَةً. وَظَهَرَ مَنْ كَانَ يَخْفَى إِسْلَامُهُ، فَذَلَّ الْمُشْرِكُونَ مِنْ حَيْثُ أَرَادُوا الْعِزَّةَ، وَقُهِرُوا مِنْ حَيْثُ أَرَادُوا الْغَلَبَةَ، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ اللَّامُ لِلْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ، جُعِلَ الْغُفْرَانُ عِلَّةً لِلْفَتْحِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ سَبَبٌ عَنْ جِهَادِ الْكُفَّارِ وَالسَّعْيِ فِي إِعْلَاءِ الدِّينِ، وَإِزَاحَةِ الشِّرْكِ وَتَكْمِيلِ النُّفُوسِ النَّاقِصَةِ قَهْرًا، لِيَصِيرَ ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ اخْتِيَارًا، وَتَخْلِيصِ الضَّعَفَةِ مِنْ أَيْدِي الظَّلَمَةِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَاخِرِ تَنْبِيهَاتِ الْمِعْرَاجِ، وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي الْخَصَائِصِ وَيُتِمُّ بِالْفَتْحِ الْمَذْكُورِ نِعْمَتَهُ إِنْعَامَهُ بِإِعْلَاءِ الدِّينِ وَضَمِّ الْمَلِكِ إِلَى النُّبُوَّةِ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ فِي تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَإِقَامَةِ مَرَاسِيمِ الدِّيَانَةِ صِرَاطًا طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا يُثَبِّتُكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ بِهِ نَصْرًا عَزِيزًا ذَا عِزٍّ لَا ذُلَّ مَعَهُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ  الثَّبَاتُ وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَثْبُتُوا، حَتَّى لَا تَقْلَقَ النُّفُوسُ وَتُدْحَضَ الْأَقْدَامُ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا يَقِينًا مَعَ إِيمَانِهِمْ يَقِينُهُمْ بِرُسُوخِ الْعَقِيدَةِ وَاطْمِئْنَانِ النَّفْسِ عَلَيْهَا، أَوْ أَنْزَلَ فِيهِ السُّكُونَ إِلَى مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا بِالشَّرَائِعِ مَعَ إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَلَوْ أَرَادَ نَصْرَ دِينِهِ بِغَيْرِكُمْ لَفَعَلَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا بِخَلْقِهِ حَكِيمًا فِي صُنْعِهِ، أَيْ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ - تَعَالَى - الْقِصَّةَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي أَصْحَابِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى ذِكْرِ الْبَيْعَةِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ أَيْ مَا يُبَايِعُونَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ، أَيْ لَيْسَتْ تِلْكَ الْمُبَايَعَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى -، ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى مَا الْمُنَافِقُونَ يَعْتَلُّونَ بِهِ إِذَا لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ  حَوْلَ الْمَدِينَةِ، الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْ صُحْبَتِكَ لَمَّا طَلَبْتَهُمْ لِيَخْرُجُوا مَعَكَ إِلَى مَكَّةَ، خَوْفًا مِنْ تَعَرُّضِ قُرَيْشٍ لَكَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ إِذَا رَجَعْتَ مِنْهَا شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكَ فَاسْتَغْفِرْ لَنَا اللَّهَ - تَعَالَى - مِنْ تَرْكِ الْخُرُوجِ مَعَكَ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُكَذِّبًا لَهُمْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَيْ مِنْ طَلَبِ الِاسْتِغْفَارِ وَالِاعْتِذَارِ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فَهُمْ كَاذِبُونَ فِي اعْتِذَارِهِمْ قُلْ فَمَنِ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى النَّفْيِ، أَيْ لَا أَحَدَ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا بِفَتْحِ الضَّادِ - مَا يَضُرُّكُمْ كَقَتْلٍ، وَخَلَلٍ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ وَعُقُوبَةٍ عَنِ التَّخَلُّفِ - وَبِضَمِّهَا - أَيِ [الْهُزَالُ وَسُوءُ الْحَالِ] أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا مَا يُضَادُّ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ تَخَلُّفَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الضَّرَرَ، وَيُعَجِّلُ لَهُمُ النَّفْعَ بِالسَّلَامَةِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِهِمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِهِ بَلْ هُنَا وَفِيمَا يَأْتِي لِلِانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إِلَى آخَرَ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا فَيَعْلَمُ تَخَلُّفَكُمْ وَقَصْدَكُمْ فِيهِ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا أَيْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يَسْتَأْصِلُهُمْ فَلَا يَرْجِعُونَ، وَزَيَّنَ ذَلِكَ عَدَمُ الِانْقِلَابِ فِي قُلُوبِكُمْ فَتَمَكَّنَ فِيهَا وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ هَذَا وَغَيْرَهُ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا بِوَاوٍ وَرَاءٍ جَمْعُ بَائِرٍ أَيْ هَالِكِينَ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِهَذَا الظَّنِّ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا أَعْدَدْنَا وَهَيَّأْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا نَارًا شَدِيدَةً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُدِيرُهُ كَيْفَ يَشَاءُ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ إِذْ لَا وُجُوبَ عَلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا وَلَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ إِذَا انْطَلَقُوا إِلَى مَغَانِمَ لِيَأْخُذُوهَا الْتَمَسَ الْمُخَلَّفُونَ الْخُرُوجَ لِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ الْمَذْكُورُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا هِيَ مَغَانِمُ خَيْبَرَ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ مُدَّةً ثُمَّ غَزَا خَيْبَرَ بِمَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ فَفَتَحَهَا، وَغَنِمَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً فَخَصَّهَا بِهِمْ ذَرُونَا اتْرُكُونَا نَتَّبِعْكُمْ لِنَأْخُذَ مِنْهَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الْكَافِ،  وَهُوَ جَمْعُ كَلَامٍ - أَيْ مَوَاعِيدَهُ بِغَنَائِمِ خَيْبَرَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ خَاصَّةً قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أَيْ مِنْ قَبْلِ عَوْدِنَا فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا أَنَّ نُصِيبَ مَعَكُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ فَقُلْتُمْ ذَلِكَ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ يَعْلَمُونَ مِنَ الدِّينِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ الْمَذْكُورِينَ اخْتِيَارًا سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ أَصْحَابِ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ حَالٌ مُقَدَّرَةٌ - هِيَ الْمَدْعُوُّ إِلَيْهَا فِي الْمَعْنَى أَوْ هُمْ يُسْلِمُونَ فَلَا يُقَاتِلُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا إِلَى قِتَالِهِمْ يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا هُوَ الْغَنِيمَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالْجَنَّةُ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ عَنِ الْحُدَيْبِيَةِ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا مُؤْلِمًا لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ  إِثْمٌ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ بِالْيَاءِ وَالنُّونِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَصَّلَ الْوَعْدَ وَأَجْمَلَ الْوَعِيدَ مُبَالَغَةً فِي الْوَعْدِ لِسَبْقِ رَحْمَتِهِ. ثُمَّ جَمُلَ ذَلِكَ بِالتَّكْرَارِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْمِيمِ فَقَالَ: وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ كَذَلِكَ عَذَابًا أَلِيمًا إِذِ التَّرْهِيبُ هُنَا أَنْفَعُ مِنَ التَّرْغِيبِ. ثُمَّ ذَكَرَ - تَعَالَى - مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ  فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ بِالْحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ هِيَ سَمُرَةٌ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَلَمَةَ، أَوْ سِدْرَةٍ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ فَعَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الصِّدْقِ وَالْوَفَاءِ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ الطُّمَأْنِينَةَ وَسُكُونَ النَّفْسِ بِالتَّشْجِيعِ عَلَيْهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَثَابَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا هُوَ فَتْحُ خَيْبَرَ  بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا مَنْ يَهُودِ خَيْبَرَ، وَكَانَتْ خَيْبَرُ ذَاتَ عَقَارٍ وَأَمْوَالٍ، فَقَسَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا غَالِبًا حَكِيمًا أَيْ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا مِنَ الْفُتُوحَاتِ الَّتِي تُفْتَحُ لَكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ غَنِيمَةَ خَيْبَرَ، ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ بِكَفِّ أَيْدِي الْعَدُوِّ عَنْهُمْ فَقَالَ تَعَالَى: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ فِي عِيَالِكُمْ لَمَّا خَرَجْتُمْ وَهَمَّتْ بِهِمُ الْيَهُودُ، فَقَذَفَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي قُلُوبِهِمِ الرُّعْبَ، وَقِيلَ: كَفَّ أَيْدِيَ أَهْلِ مَكَّةَ بِالصُّلْحِ وَلِتَكُونَ هَذِهِ الْكِفَّةُ أَوِ الْغَنِيمَةُ الْمُعَجَّلَةُ - عَطْفًا عَلَى مُقَدَّرٍ أَيْ لِتَشْكُرُوهُ آيَةً عَلَامَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يَعْرِفُونَ بِهَا أَنَّهُمْ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِمَكَانٍ، أَوْ صِدْقَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَعْدِهِمْ فَتْحَ خَيْبَرَ حِينَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا أَيْ طَرِيقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ - تَعَالَى - وَأُخْرَى صِفَةُ مَغَانِمَ فَيُقَدَّرُ مُبْتَدَأٌ  لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا بَعْدُ، لِمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْجَوْلَةِ، وَالْمُرَادُ: فَارِسُ وَالرُّومُ قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا عَلِمَ أَنَّهَا سَتَكُونُ لَكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا لِأَنَّ قُدْرَتَهُ دَائِمَةٌ لَا تَخْتَصُّ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يُصَالِحُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ لَانْهَزَمُوا ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا يَحْرُسُهُمْ وَلَا نَصِيرًا يَنْصُرُهُمْ سُنَّةَ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ بِمَضْمُونِ الْجُمْلَةِ قَبْلَهُ  مِنْ هَزِيمَةِ الْكَافِرِينَ وَنَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ سَنَّ اللَّهُ - تَعَالَى - ذَلِكَ سُنَّةً الَّتِي قَدْ خَلَتْ مَضَتْ فِي الْأُمَمِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى - لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [الْمُجَادَلَةُ 21] مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا تَغْيِيرًا مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ أَيْ كَفَّارَ مَكَّةَ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ بِالْحُدَيْبِيَةِ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ ثَمَانِينَ طَافُوا بِعَسْكَرِكُمْ لِيُصِيبُوا مِنْكُمْ غِرَّةً فَأُخِذُوا، فَأُتِيَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَفَا عَنْهُمْ، وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الصُّلْحِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ مِنْ مُقَاتَلَتِهِمْ، وَقَرَأَ أَبُو عَمْرٍو بِالتَّحْتِيَّةِ بَصِيرًا  فَيُجَازِيهِمْ عَلَيْهِ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا عَلَيْكُمْ، مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا، حَالَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ الَّذِي يُنْحَرُ فِيهِ عَادَةً وَهُوَ الْحَرَمُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ  مَوْجُودُونَ بِمَكَّةَ مَعَ الْكُفَّارِ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ بِصِفَةِ الْإِيمَانِ أَنْ تَطَؤُهُمْ تَقْتُلُوهُمْ مَعَ الْكُفَّارِ لَوْ أَذِنَ لَكُمْ فِي الْفَتْحِ، بَدَلُ اشْتِمَالٍ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَنْ جِهَتِهِمْ مَعَرَّةٌ مَكْرُوهٌ، بِوُجُوبِ الدِّيَةِ، أَوِ الْكَفَّارَةِ بِقَتْلِهِمْ، أَوِ التَّأَسُّفِ عَلَيْهِمْ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْكُمْ بِهِ، وَضَمَائِرُ الْغَيْبَةِ بِهِ لِلصِّنْفَيْنِ بِتَغْلِيبِ الذُّكُورِ، وَجَوَابُ لَوْلَا مَحْذُوفٌ أَيْ لَأَذِنَ لَكُمْ فِي الْفَتْحِ لَكِنْ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ حِينَئِذٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ كَالْمُؤْمِنِينَ الْمَذْكُورِينَ لَوْ تَزَيَّلُوا تَمَيَّزُوا عَنِ الْكُفَّارِ لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ حِينَئِذٍ بِأَنْ نَأْذَنَ لَكُمْ فِي فَتْحِهَا عَذَابًا أَلِيمًا مُؤْلِمًا إِذْ جَعَلَ مُتَعَلِّقٌ بِعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا فَاعِلٌ فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ الْأَنَفَةُ مِنَ الشَّيْءِ حَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ بَدَلٌ مِنْ حَمِيَّةٍ، وَهِيَ صَدُّهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَصَالَحُوهُمْ، عَلَى أَنَّ هَذَا يَعُودُ مِنْ قَابِلٍ، وَلَمْ يَلْحَقْهُمْ مِنَ الْحَمِيَّةِ مَا لَحِقَ الْكُفَّارَ حَتَّى يُقَاتِلُوهُمْ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَأُضِيفَتْ إِلَى التَّقْوَى لِأَنَّهَا سَبَبُهَا وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا مِنَ الْكُفَّارِ وَأَهْلَهَا عَطْفُ تَفْسِيرٍ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا أَيْ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ، وَمِنْ مَعْلُومِهِ تَعَالَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلُهَا لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ آمِنِينَ وَيَحْلِقُونَ رُؤُوسَهُمْ وَيُقَصِّرُونَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَصْحَابَهُ فَفَرِحُوا، فَلَمَّا خَرَجُوا مَعَهُ وَصَدَّهُمُ الْكَفَّارُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَرَجَعُوا، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَرَابَ بَعْضُ الْمُنَافِقِينَ نَزَلَتْ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: بِالْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِصَدَقَ، أَوْ حَالٌ مِنَ الرُّؤْيَا،  وَمَا بَعْدَهَا تَفْسِيرٌ لَهَا لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ أَيْ جَمِيعَ شُعُورِهَا وَمُقَصِّرِينَ شُعُورَهَا، وَهُمَا حَالَانِ مُقَدَّرَتَانِ لَا تَخَافُونَ حَالٌ مُؤَكَّدَةٌ أَوِ اسْتِئْنَافٌ: أَيْ لَا تَخَافُونَ بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلِمَ فِي الصُّلْحِ مَا لَمْ تَعْلَمُوا مِنَ الصَّلَاحِ فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ أَيِ الدُّخُولِ فَتْحًا قَرِيبًا هُوَ فَتْحُ خَيْبَرَ، وَتَحَقَّقَتِ الرُّؤْيَا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ بَقِيَّةِ السُّورَةِ فِي الْخَصَائِصِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا