التاريخ 4074
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة
ذِكْرُ مَسِيرِ الْخُرَاسَانِيِّينَ إِلَى الرَّيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ مَنْصُورُ بْنُ قَرَاتَكِينَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى الرَّيِّ فِي صَفَرٍ، أَمَرَهُ الْأَمِيرُ نُوحٌ بِذَلِكَ، وَكَانَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِبِلَادِ فَارِسَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، فَوَصَلَ مَنْصُورٌ إِلَى الرَّيِّ وَبِهَا عَلِيُّ بْنُ كَامَةَ خَلِيفَةُ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، فَسَارَ عَلِيٌّ عَنْهَا إِلَى أَصْبَهَانَ، وَدَخَلَ مَنْصُورٌ الرَّيَّ وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَفَرَّقَ الْعَسَاكِرَ فِي الْبِلَادِ فَمَلَكُوا بِلَادَ الْجَبَلِ إِلَى قِرْمِيسِينَ، وَأَزَالُوا عَنْهَا نُوَّابَ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، ( وَاسْتَوْلُوا عَلَى هَمَذَانَ وَغَيْرِهَا. فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى رُكْنِ الدَّوْلَةِ ) وَهُوَ بِفَارِسَ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ مُعِزِّ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ عَسْكَرٍ بِدَفْعِ تِلْكَ الْعَسَاكِرِ عَنِ النَّوَاحِي الْمُجَاوِرَةِ لِلْعِرَاقِ، فَسَيَّرَ سُبُكْتِكِينَ الْحَاجِبَ فِي عَسْكَرٍ ضَخْمٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَالدَّيْلَمِ، وَالْعَرَبِ، فَلَمَّا سَارَ سُبُكْتِكِينُ عَنْ بَغْدَاذَ، خَلَّفَ أَثْقَالَهُ، وَأَسْرَى جَرِيدَةً إِلَى مَنْ بِقِرْمِيسِينَ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ، فَكَبَسَهُمْ وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلَ فِيهِمْ، وَأَسَرَ مُقَدِّمَهُمْ مِنَ الْحَمَّامِ وَاسْمُهُ بُجْكُمُ الْخَمَارَتَكِينِيُّ، فَأَنْفَذَهُ مَعَ الْأَسْرَى إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَحَبَسَهُ مُدَّةً ثُمَّ أَطْلَقَهُ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخُرَاسَانِيَّةَ ذَلِكَ، اجْتَمَعُوا إِلَى هَمَذَانَ، فَسَارَ سُبُكْتِكِينُ نَحْوَهُمْ، فَفَارَقُوا هَمَذَانَ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ، وَدَخَلَ سُبُكْتِكِينُ هَمَذَانَ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنَّ وَرَدَ عَلَيْهِ رُكْنُ الدَّوْلَةِ ( فِي شَوَّالٍ. وَسَارَ مَنْصُورٌ مِنَ الرَّيِّ فِي الْعَسَاكِرِ نَحْوَ هَمَذَانَ، وَبِهَا رُكْنُ الدَّوْلَةِ )، فَلَمَّا بَقِيَ بَيْنَهُمَا مِقْدَارُ عِشْرِينَ فَرْسَخًا، عَدَلَ مَنْصُورٌ إِلَى أَصْبَهَانَ، وَلَوْ قَصَدَ هَمَذَانَ، لَانْحَازَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ عَنْهُ، وَكَانَ مَلَكَ الْبِلَادَ بِسَبَبِ اخْتِلَافٍ كَانَ فِي عَسْكَرِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ، وَلَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ - تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ إِلَى سُبُكْتِكِينَ بِالْمَسِيرِ فِي مُقَدِّمَتِهِمْ، فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ، شَغَبَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْأَتْرَاكِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَقَالَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ: هَؤُلَاءِ أَعْدَاؤُنَا وَمَعَنَا، وَالرَّأْيُ أَنْ نَبْدَأَ بِهِمْ، فَوَاقَعَهُمْ وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى مُعِزِّ الدَّوْلَةِ، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ أَبِي الشَّوْكِ الْكُرْدِيِّ وَغَيْرِهِ يَأْمُرُهُمْ بِطَلَبِهِمْ وَالْإِيقَاعِ بِهِمْ، فَطَلَبُوهُمْ وَأَسَرُوا مِنْهُمْ وَقَتَلُوا، وَمَضَى مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ نَحْوَ أَصْبَهَانَ، وَوَصَلَ ابْنُ قَرَاتَكِينَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَانْتَقَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ أَصْحَابِ رَكْنِ الدَّوْلَةِ، وَأَهْلِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَرَكِبُوا الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، حَتَّى الْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ، وَبَلَغَ كِرَاءُ الثَّوْرِ وَالْحِمَارِ إِلَى خَانِ لِنْجَانَ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَهِيَ عَلَى تِسْعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ أَصْبَهَانَ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ مُجَاوَرَةَ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَلَوْ سَارَ إِلَيْهِمْ مَنْصُورٌ لِغَنَمِهِمْ وَأَخَذَ مَا مَعَهُمْ، وَمَلَكَ مَا وَرَاءَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ دَخَلَ أَصْبَهَانَ وَأَقَامَ بِهَا. وَوَصَلَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ فَنَزَلَ بِخَانِ لَنْجَانَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ عِدَّةَ أَيَّامٍ، وَضَاقَتِ الْمِيرَةُ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَبَلَغَ بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ ذَبَحُوا دَوَابَّهُمْ، وَلَوْ أَمْكَنَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ الِانْهِزَامُ لَفَعَلَ، وَلَكِنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَاسْتَشَارَ وَزِيرَهُ أَبَا الْفَضْلِ بْنَ الْعَمِيدِ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي فِي الْهَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: لَا مَلْجَأَ لَكَ إِلَّا اللَّهَ - تَعَالَى، فَانْوِ لِلْمُسْلِمِينَ خَيرًا، وَصَمِّمِ الْعَزْمَ عَلَى حُسْنِ السِّيرَةِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ الْحِيَلَ الْبَشَرِيَّةَ كُلُّهَا تَقَطَّعَتْ بِنَا، وَإِنِ انْهَزَمْنَا، تَبِعُونَا وَأَهْلَكُونَا وَهُمْ أَكْثَرُ مِنَّا، فَلَا يُفْلِتُ مِنَّا أَحَدٌ، ( فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَبَقْتُكَ إِلَى هَذَا ). فَلَمَّا كَانَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ، أَتَاهُمُ الْخَبَرُ أَنَّ مَنْصُورًا وَعَسْكَرَهُ قَدْ عَادُوا إِلَى الرَّيِّ وَتَرَكُوا خِيَامَهُمْ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمِيرَةَ وَالْعَلُوفَةَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَيْضًا، إِلَّا أَنَّ الدَّيْلَمَ كَانُوا يَصْبِرُونَ، وَيَقْنَعُونَ بِالْقَلِيلِ مِنَ الطَّعَامِ، وَإِذَا ذَبَحُوا دَابَّةً أَوْ جَمَلًا، اقْتَسَمَهُ الْخَلْقُ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ، وَكَانَ الْخُرَاسَانِيَّةُ بِالضِّدِّ مِنْهُمْ لَا يَصْبِرُونَ وَلَا يَكْفِيهِمُ الْقَلِيلُ، فَشَغَبُوا عَلَى مَنْصُورٍ وَاخْتَلَفُوا، وَعَادُوا إِلَى الرَّيِّ، فَكَانَ عَوْدُهُمْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ [ وَثَلَاثِمِائَةٍ ]، فَأَتَى الْخَبَرُ رُكْنَ الدَّوْلَةِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ حَتَّى تَوَاتَرَ عِنْدَهُ، فَرَكِبَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ، وَاحْتَوَى عَلَى مَا خَلَّفَهُ الْخُرَاسَانِيَّةُ. حَكَى أَبُو الْفَضْلِ بْنُ الْعَمِيدِ، قَالَ: اسْتَدْعَانِي رُكْنُ الدَّوْلَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الثُّلُثَ الْأَخِيرَ، وَقَالَ لِي: قَدْ رَأَيْتُ السَّاعَةَ فِي مَنَامِي كَأَنِّي عَلَى دَابَّتِي فَيْرُوزَ، وَقَدِ انْهَزَمَ عَدُوُّنَا، وَأَنْتَ تَسِيرُ إِلَى جَانِبٍ، وَقَدْ جَاءَنَا الْفَرَجُ مِنْ حَيْثُ لَا نَحْتَسِبُ، فَمَدَدْتُ عَيْنِيَ فَرَأَيْتُ عَلَى الْأَرْضِ خَاتَمًا، فَأَخَذْتُهُ فَإِذَا فَصُّهُ مِنْ فَيْرُوزَجَ، فَجَعَلْتُهُ فِي إِصْبَعِي، وَتَبَرَّكْتُ بِهِ، وَانْتَبَهْتُ وَقَدْ أَيْقَنْتُ بِالظَّفَرِ، فَإِنَّ الْفَيْرُوزَجَ مَعْنَاهُ الظَّفَرُ، وَلِذَلِكَ لَقَّبَ الدَّابَّةَ فَيْرُوزَ. قَالَ ابْنُ الْعَمِيدِ: فَأَتَانَا الْخَبَرُ وَالْبِشَارَةُ بِأَنَّ الْعَدُوَّ قَدْ رَحَلَ، فَمَا صَدَّقْنَا حَتَّى تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ، فَرَكِبْنَا وَلَا نَعْرِفُ سَبَبَ هَرَبِهِمْ، وَسِرْنَا حَذِرِينَ مِنْ كَمِينٍ، وَسِرْتُ إِلَى جَانِبِ رُكْنِ الدَّوْلَةِ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ فَيْرُوزَ، فَصَاحَ رُكْنُ الدَّوْلَةِ بِغُلَامٍ بَيْنَ يَدَيْهِ: نَاوِلْنِي ذَلِكَ الْخَاتَمَ، فَأَخَذَ خَاتَمًا مِنَ الْأَرْضِ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ، فَإِذَا هُوَ فَيْرُوزَجُ، فَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ وَقَالَ: هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ، وَهَذَا الْخَاتَمُ الَّذِي رَأَيْتُ مُنْذُ سَاعَةٍ. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا يُحْكَى وَأَعْجَبِهِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه