التاريخ 4005
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
ذِكْرُ خُرُوجِ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اشْتَدَّتْ شَوْكَةُ أَبِي يَزِيدَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ وَهَزَمَ الْجُيُوشَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ أَنَّهُ مِنْ زَنَاتَةَ، وَاسْمُ وَالِدِهِ كَيْدَادُ مِنْ مَدِينَةِ تَوْزَرَ مِنْ قَسْطِيلِيَّةَ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى بِلَادِ السُّودَانِ لِتِجَارَةٍ، فَوُلِدَ لَهُ بِهَا أَبُو يَزِيدَ مِنْ جَارِيَةٍ هَوَّارِيَّةٍ، فَأَتَى بِهَا إِلَى تَوْزَرَ، فَنَشَأَ بِهَا، وَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، وَخَالَطَ جَمَاعَةً مِنَ النَّكَارِيَّةِ، فَمَالَتْ نَفْسُهُ إِلَى مَذْهَبِهِمْ، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى تَاهَرْتَ فَأَقَامَ بِهَا يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ إِلَى أَنْ خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيعِيُّ إِلَى سِجِلْمَاسَةَ فِي طَلَبِ الْمَهْدِيِّ، فَانْتَقَلَ إِلَى تَقْيَوَسَ، وَاشْتَرَى ضَيْعَةً وَأَقَامَ يُعَلِّمُ فِيهَا. وَكَانَ مَذْهَبُهُ تَكْفِيرَ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَاسْتِبَاحَةَ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالْخُرُوجَ عَلَى السُّلْطَانِ، فَابْتَدَأَ يَحْتَسِبُ عَلَى النَّاسِ فِي أَفْعَالِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ، فَصَارَ لَهُ جَمَاعَةٌ يُعَظِّمُونَهُ، وَذَلِكَ أَيَّامَ الْمَهْدِيِّ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنِ اشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ فِي أَيَّامِ الْقَائِمِ ( وَلَدِ الْمَهْدِيِّ، فَصَارَ يُغُيْرُ وَيَحْرِقُ وَيُفْسِدُ، وَزَحَفَ إِلَى بِلَادِ الْقَائِمِ ) وَحَاصَرَ بَاغَايَةَ، وَهَزَمَ الْجُيُوشَ الْكَثِيرَةَ عَلَيْهَا، ثُمَّ حَاصَرَ قَسْطِيلِيَّةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَفَتَحَ تَبْسَةَ وَمَجَانَةَ وَهَدَمَ سُورَهَا، وَأَمَّنَ أَهْلَهَا، وَدَخَلَ مَرْمَجَنَّةَ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَأَهْدَى لَهُ حِمَارًا أَشْهَبَ مَلِيحَ الصُّورَةِ، فَرَكِبَهُ أَبُو يَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ الْيَومِ. وَكَانَ قَصِيرًا أَعْرَجَ يَلْبِسُ جُبَّةَ صُوفٍ قَصِيرَةً، قَبِيحَ الصُّورَةِ. ثُمَّ إِنَّهُ هَزَمَ كُتَامَةَ، وَأَنْفَذَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى سَبِيبَةَ، فَفَتَحَهَا وَصَلَبَ عَامِلَهَا، وَسَارَ إِلَى الْأَرْبَسِ، فَفَتَحَهَا وَأَحْرَقَهَا وَنَهَبَهَا، وَجَاءَ النَّاسُ إِلَى الْجَامِعِ، فَقَتَلَهُمْ فِيهِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْمَهْدِيَّةِ اسْتَعْظَمُوهُ، وَقَالُوا لِلْقَائِمِ: الْأَرْبَسُ بَابُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَلَمَّا أُخِذَتْ، زَالَتْ دَوْلَةُ بَنِي الْأَغْلَبِ، فَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ يَبْلُغَ أَبُو يَزِيدَ الْمُصَلَّى، وَهُوَ أَقْصَى غَايَتَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْقَائِمَ أَخْرَجَ الْجُيُوشَ لِضَبْطِ الْبِلَادِ، فَأَخْرَجَ جَيْشًا إِلَى رَقَّادَةَ، وَجَيْشًا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ، فَخَافَ أَبُو يَزِيدَ، وَعَوَّلَ عَلَى أَخْذِ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ وَإِخْرَابِهَا وَقَتْلِ أَهْلِهَا، وَسَيَّرَ الْقَائِمُ الْجَيْشَ الَّذِي اجْتَمَعَ لَهُ مَعَ فَتَاهُ مَيْسُورٍ، وَسَيَّرَ بَعْضَهُ مَعَ فَتَاهُ بُشْرَى إِلَى بَاجَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا يَزِيدَ خَبَرُ بُشْرَى، تَرَكَ أَثْقَالَهُ ( وَسَارَ جَرِيدَةً إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا ) بِبَاجَّةَ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ أَبِي يَزِيدَ، وَبَقِيَ فِي نَحْوِ أَرْبَعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مِيلُوا بِنَا نُخَالِفُهُمْ إِلَى خِيَامِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَانْهَزَمَ بُشْرَى إِلَى تُونُسَ، وَقُتِلَ مِنْ عَسْكَرِهِ كَثِيرٌ مِنْ وُجُوهِ كُتَامَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَدَخَلَ أَبُو يَزِيدَ بَاجَّةَ فَأَحْرَقَهَا وَنَهَبَهَا، وَقَتَلُوا الْأَطْفَالَ، وَأَخَذُوا النِّسَاءَ، وَكَتَبَ إِلَى الْقَبَائِلِ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ فَأَتَوْهُ، وَعَمِلَ الْأَخْبِيَةَ وَالْبُنُودَ وَآلَاتِ الْحَرْبِ. وَلَمَّا وَصَلَ بُشْرَى إِلَى تُونُسَ، جَمَعَ النَّاسَ وَأَعْطَاهُمُ الْأَمْوَالَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَجَهَّزَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَبِي يَزِيدَ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ أَبُو يَزِيدَ جَيْشًا، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي يَزِيدَ، وَرَجَعَ أَصْحَابُ بُشْرَى إِلَى تُونُسَ غَانِمِينَ، وَوَقَعَتْ فِتْنَةٌ فِي تُونُسَ، وَنَهَبَ أَهْلُهَا دَارَ عَامِلِهَا، فَهَرَبَ، وَكَاتَبُوا أَبَا يَزِيدَ، فَأَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ، وَوَلَّى عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ رَحْمُونُ، وَانْتَقَلَ إِلَى فَحْصِ أَبِي صَالِحٍ، وَخَافَهُ النَّاسُ، فَانْتَقَلُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَأَتَاهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ خَوفًا وَرُعْبًا. وَأَمَرَ الْقَائِمُ بُشْرَى أَنْ يَتَجَسَّسَ أَخْبَارَ أَبِي يَزِيدَ، ( فَمَضَى نَحْوَهُ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي يَزِيدَ )، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِهِ، وَأَمَرَ مُقَدِّمَهُ أَنْ يَقْتُلَ، وَيُمَثِّلَ وَيَنْهَبَ، لِيُرْعِبَ قُلُوبَ النَّاسِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَالْتَقَى هُوَ وَبُشْرَى، وَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ عَسْكَرُ أَبِي يَزِيدَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَأُسِرَ خَمْسُمِائَةٍ، فَسَيَّرَهُمْ بُشْرَى إِلَى الْمَهْدِيَّةِ فِي السَّلَاسِلِ، فَقَتَلَهُمُ الْعَامَّةُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه