التاريخ 3807
ثم دخلت سنة عشرين وثلاثمائة من الهجرة
ذِكْرُ قَتْلِ الْمُقْتَدِرِ لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَى مُؤْنِسٍ بِالْمَوْصِلِ قَالُوا لَهُ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْخَلِيفَةِ فَإِنْ أَنْصَفَنَا، ( وَأَجْرَى أَرْزَاقَنَا ). وَإِلَّا قَاتَلْنَاهُ، فَانْحَدَرَ مُؤْنِسٌ مِنَ الْمَوْصِلِ فِي شَوَّالٍ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ جُنْدَ بَغْدَاذَ، فَشَغَبُوا وَطَلَبُوا أَرْزَاقَهُمْ، فَفَرَّقَ الْمُقْتَدِرُ فِيهِمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسَعْهُمْ، وَأَنْفَذَ أَبَا الْعَلَاءِ سَعِيدَ بْنَ حَمْدَانَ وَصَافِيًا الْبَصْرِيَّ فِي خَيْلٍ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى، وَأَنْفَذَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ يَاقُوتٍ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ، وَمَعَهُ الْغِلْمَانُ الْحُجَرِيَّةُ، إِلَى الْمَعْشُوقِ. فَلَمَّا وَصَلَ مُؤْنِسٌ إِلَى تَكْرِيتَ أَنْفَذَ طَلَائِعَهُ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنَ الْمَعْشُوقِ جَعَلَ الْعَسْكَرُ الَّذِينَ مَعَ ابْنِ يَاقُوتٍ يَتَسَلَّلُونَ وَيَهْرُبُونَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَجَعَ إِلَى عُكْبَرَا، وَسَارَ مُؤْنِسٌ، فَتَأَخَّرَ ابْنُ يَاقُوتٍ وَعَسْكَرُهُ، وَعَادُوا إِلَى بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ بِبَابِ الشَّمَّاسِيَّةِ وَنَزَلَ ابْنُ يَاقُوتٍ وَغَيْرُهُ مُقَابِلَهُمْ، وَاجْتَهَدَ الْمُقْتَدِرُ بِابْنِ خَالِهِ هَارُونَ بْنِ غَرِيبٍ لِيَخْرُجَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَالَ: أَخَافُ مِنْ عَسْكَرِي، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَصْحَابُ مُؤْنِسٍ، وَبَعْضَهُمْ قَدِ انْهَزَمَ أَمْسِ مِنْ مَرْدَاوِيجَ، فَأَخَافُ أَنْ يُسْلِمُونِي وَيَنْهَزِمُوا عَنِّي، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ الْوَزِيرَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ، وَأَشَارُوا عَلَى الْمُقْتَدِرِ بِإِخْرَاجِ الْمَالِ مِنْهُ وَمِنْ وَالِدَتِهِ لِيُرْضِي الْجُنْدَ، وَمَتَى سَمِعَ أَصْحَابُ مُؤْنِسٍ بِتَفْرِيقِ الْأَمْوَالِ تَفَرَّقُوا عَنْهُ وَاضْطُرَّ إِلَى الْهَرَبِ، فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ لِي وَلَا لِوَالِدَتِي جِهَةُ شَيْءٍ. وَأَرَادَ الْمُقْتَدِرُ أَنْ يَنْحَدِرَ إِلَى وَاسِطَ، وَيُكَاتِبَ الْعَسَاكِرَ مِنْ جِهَةِ الْبَصْرَةِ، وَالْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَكَرْمَانَ، وَغَيْرِهَا، وَيَتْرُكَ بَغْدَاذَ لِمُؤْنِسٍ إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الْعَسَاكِرُ، وَيَعُودَ إِلَى قِتَالِهِ، فَرَدَّهُ ابْنُ يَاقُوتٍ عَنْ ذَلِكَ، وَزَيَّنَ لَهُ اللِّقَاءَ، وَقَوَّى نَفْسَهُ بِأَنَّ الْقَوْمَ مَتَى رَأَوْهُ عَادُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ وَهُوَ كَارِهٌ. ( ثُمَّ أَشَارَ عَلَيْهِ بِحُضُورِ الْحَرْبِ، فَخَرَجَ وَهُوَ كَارِهٌ )، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَالْقُرَّاءُ مَعَهُمُ الْمَصَاحِفُ مَشْهُورَةٌ، وَعَلَيْهِ الْبُرْدَةُ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَوَقَفَ عَلَى تَلٍّ عَالٍ بَعِيدٍ عَنِ الْمَعْرَكَةِ، فَأَرْسَلَ قُوَّادُ أَصْحَابِهِ يَسْأَلُونَهُ التَّقَدُّمَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، ( وَهُوَ وَاقِفٌ )، فَلَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ تَقَدَّمَ مِنْ مَوْضِعِهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ فَنُودِيَ: مَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ فَلَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَمَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ فَلَمَّا انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ لَقِيَهُ عَلِيُّ بْنُ بُلَيْقٍ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُؤْنِسٍ، فَتَرَجَّلَ وَقَبَّلَ الْأَرْضَ وَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ تَمْضِي ؟ ارْجِعْ، فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَشَارَ عَلَيْكَ بِالْحُضُورِ ! فَأَرَادَ الرُّجُوعَ، فَلَقِيَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمَغَارِبَةِ وَالْبَرْبَرِ، فَتَرَكَهُ عَلِيٌّ مَعَهُمْ وَسَارَ عَنْهُ، فَشَهَرُوا عَلَيْهِ سُيُوفَهُمْ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ أَنَا الْخَلِيفَةُ ! فَقَالُوا: قَدْ عَرَفْنَاكَ يَا سِفْلَةُ، أَنْتَ خَلِيفَةُ إِبْلِيسَ، تَبْذُلُ فِي كُلِّ رَأْسٍ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ، وَفِي كُلِّ أَسِيرٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ ! وَضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ بِسَيْفِهِ عَلَى عَاتِقِهِ فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ وَذَبَحَهُ بَعْضُهُمْ، فَقِيلَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ بُلَيْقٍ غَمَزَ بَعْضَهُمْ فَقَتَلَهُ. وَكَانَ الْمُقْتَدِرُ ثَقِيلَ الْبَدَنِ، عَظِيمَ الْجُثَّةِ، فَلَمَّا قَتَلُوهُ رَفَعُوا رَأْسَهُ عَلَى خَشَبَةٍ وَهُمْ يَكْبِّرُونَ وَيَلْعَنُونَهُ، وَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ حَتَّى سَرَاوِيلَهُ، وَتَرَكُوهُ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، إِلَى أَنْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَكَرَةِ، فَسَتَرَهُ بِحَشِيشٍ، ثُمَّ حَفَرَ لَهُ مَوْضِعَهُ، وَدُفِنَ، وَعُفِيَ قَبْرُهُ. وَكَانَ مُؤْنِسٌ فِي الرَّاشِدِيَّةِ لَمْ يَشْهَدِ الْحَرْبَ، فَلَمَّا حُمِلَ رَأْسُ الْمُقْتَدِرِ إِلَيْهِ بَكَى، وَلَطَمَ وَجْهَهُ وَرَأْسَهُ، وَقَالَ: يَا مُفْسِدُونَ ! مَا هَكَذَا أَوْصَيْتُكُمْ، وَقَالَ: قَتَلْتُمُوهُ، وَكَانَ هَذَا آخِرَ أَمْرِهِ، وَاللَّهِ لَنُقْتَلَنَّ كُلُّنَا، وَأَقَلُّ مَا فِي الْأَمْرِ أَنَّكُمْ تُظْهِرُونَ أَنَّكُمْ قَتَلْتُمُوهُ خَطَأً، وَلَمْ تَعْرِفُوهُ. وَتَقَدَّمَ مُؤْنِسٌ إِلَى الشَّمَّاسِيَّةِ، وَأَنْفَذَ إِلَى دَارِ الْخَلِيفَةِ مَنْ يَمْنَعُهَا مِنَ النَّهْبِ، وَمَضَى عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْمُقْتَدِرِ، وَهَارُونُ بْنُ غَرِيبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَاقُوتٍ، وَابْنَا رَائِقٍ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَكَانَ مَا فَعَلَهُ مُؤْنِسٌ سَبَبًا لِجُرْأَةِ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ ( عَلَى ) الْخُلَفَاءِ وَطَمَعِهِمْ فِيمَا لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ لَهُمْ عَلَى بَالٍ، وَانْخَرَقَتِ الْهَيْبَةُ وَضَعُفَ أَمْرُ الْخِلَافَةِ حَتَّى صَارَ الْأَمْرُ إِلَى مَا نَحْكِيهِ. عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدِرَ أَهْمَلَ مِنْ أَحْوَالِ الْخِلَافَةِ كَثِيرًا، وَحَكَّمَ فِيهَا النِّسَاءَ وَالْخَدَمَ، وَفَرَّطَ فِي الْأَمْوَالِ، وَعَزَلَ مِنَ الْوُزَرَاءِ وَوَلَّى مِمَّا أَوْجَبَ طَمَعَ أَصْحَابِ الْأَطْرَافِ وَالنُّوَّابَ، وَخُرُوجَهَمْ عَنِ الطَّاعَةِ. وَكَانَ جُمْلَةُ مَا أَخْرَجَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، تَبْذِيرًا وَتَضْيِيعًا فِي غَيْرِ وَجْهٍ، نَيِّفًا وَسَبْعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، سِوَى مَا أَنْفَقَهُ فِي الْوُجُوهِ الْوَاجِبَةِ، وَإِذَا اعْتَبَرْتَ أَحْوَالَ الْخِلَافَةِ فِي أَيَّامِهِ وَأَيَّامِ أَخِيهِ الْمُكْتَفِي وَوَالِدِهِ الْمُعْتَضِدِ، رَأَيْتَ بَيْنَهُمْ تَفَاوُتًا بَعِيدًا، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَنَحْوًا مِنْ شَهْرَيْنِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه