التاريخ 3669
سنة ست وتسعين ومائتين
ابْتِدَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَلَوِيَّةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ هَذِهِ دَوْلَةٌ اتَّسَعَتْ أَكْنَافُ مَمْلَكَتِهَا، وَطَالَتْ مُدَّتُهَا، فَإِنَّهَا مَلَكَتْ إِفْرِيقِيَّةَ سنة ست وتسعين ومائتين، وَانْقَرَضَتْ دَوْلَتُهُمْ بِمِصْرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَنَحْتَاجُ أَنْ نَسْتَقْصِيَ ذِكْرَهَا فَنَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقِيلَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ؓ، ( وَمَنْ يَنْسِبُ هَذَا النَّسَبَ يَجْعَلُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْقَدَّاحِيَّةُ. وَقِيلَ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الثَّانِي ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ؓ ). وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي صِحَّةِ نَسَبِهِ، فَقَالَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ الْقَائِلُونَ بِإِمَامَتِهِ: إِنَّ نَسَبَهُ صَحِيحٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَمْ يَرْتَابُوا فِيهِ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ الْعَالِمِينَ بِالْأَنْسَابِ إِلَى مُوَافَقَتِهِمْ أَيْضًا، وَيَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مَا قَالَهُ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ: مَا مُقَامِي عَلَى الْهَوَانِ وَعِنْدِي مَقُولٌ صَارِمٌ، وَأَنْفٌ حَمِيُّ أَلْبَسُ الذُّلَّ فِي بِلَادِ الْأَعَادِي وَبِمِصْرَ الْخَلِيفَةُ الْعَلَوِيُّ مَنْ أَبُوهُ أَبِي، وَمَوْلَاهُ مَوْلَا يَ إِذَا ضَامَنِي الْبَعِيدُ الْقَصِيُّ لَفَّ عِرْقِي بِعِرْقِهِ سَيِّدَا النَّا سِ جَمِيعًا: مُحَمَّدٌ، وَعَلِيُّ إِنَّ ذُلِّي بِذَلِكَ الْجَوِّ عِزٌّ وَأُوَامِي بِذَلِكَ النَّقْعِ رِيُّ وَإِنَّمَا لَمْ يُودِعْهَا فِي بَعْضِ دِيوَانِهِ خَوْفًا، وَلَا حُجَّةَ بِمَا كَتَبَهُ فِي الْمَحْضَرِ الْمُتَضَمِّنِ الْقَدْحَ فِي أَنْسَابِهِمْ، فَإِنَّ الْخَوْفَ يَحْمِلُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مَا يُصَدِّقُ مَا ذَكَرْتُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْقَادِرَ بِاللَّهِ لَمَّا بَلَغَتْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ أَحْضَرَ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْبَاقِلَّانِيِّ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى الشَّرِيفِ أَبِي أَحْمَدَ الْمُوسَوِيِّ وَالِدِ الشَّرِيفِ الرَّضِيِّ، يَقُولُ لَهُ: قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَتَكَ مِنَّا، وَمَا لَا نَزَالُ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِدَادِ بِكَ بِصِدْقِ الْمُوَالَاةِ مِنْكَ، وَمَا تَقَدَّمَ لَكَ فِي الدَّوْلَةِ مِنْ مَوَاقِفَ مَحْمُودَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ عَلَى خَلِيفَةٍ تَرْضَاهُ، وَيَكُونَ وَلَدُكَ عَلَى مَا يُضَادُّهَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ قَالَ شِعْرًا، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي عَلَى أَيِّ مُقَامِ ذُلٍّ أَقَامَ، وَهُوَ نَاظِرٌ فِي النِّقَابَةِ وَالْحَجِّ، وَهُمَا مِنْ أَشْرَفِ الْأَعْمَالِ، وَلَوْ كَانَ بِمِصْرَ لَكَانَ كَبَعْضِ الرَّعَايَا، وَأَطَالَ الْقَوْلَ، فَحَلَفَ أَبُو أَحْمَدَ أَنَّهُ مَا عَلِمَ بِذَلِكَ. وَأَحْضَرَ وَلَدَهُ، وَقَالَ لَهُ فِي الْمَعْنَى فَأَنْكَرَ الشِّعْرَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ خَطَّكَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِالِاعْتِذَارِ، وَاذْكُرْ فِيهِ أَنَّ نَسَبَ الْمِصْرِيِّ مَدْخُولٌ، وَأَنَّهُ مُدَّعٍ فِي نَسَبِهِ، فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ ! فَقَالَ أَبُوهُ: تُكَذِّبُنِي فِي قَوْلِي ؟ فَقَالَ: مَا أُكَذِّبُكَ، وَلَكِنِّي أَخَافُ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَأَخَافُ مِنَ الْمِصْرِيِّ وَمِنَ الدُّعَاةِ فِي الْبِلَادِ، فَقَالَ أَبُوهُ: أَتَخَافُ مِمَّنْ هُوَ بَعِيدٌ عَنْكَ، وَتُرَاقِبُهُ، وَتُسْخِطُ مَنْ ( هُوَ قَرِيبٌ ) وَأَنْتَ بِمَرْأًى مِنْهُ وَمَسْمَعٍ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ ؟ وَتَرَدَّدَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يَكْتُبِ الرَّضِيُّ خَطَّهُ، فَحَرَدَ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَغَضِبَ وَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ مَعَهُ فِي بَلَدٍ، فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ حَلَفَ الرَّضِيُّ ( أَنَّهُ ) مَا قَالَ هَذَا الشِّعْرَ وَانْدَرَجَتِ الْقِصَّةُ عَلَى هَذَا. فَفِي امْتِنَاعِ الرَّضِيِّ مِنَ الِاعْتِذَارِ، وَمِنْ أَنْ يَكْتُبَ طَعْنًا فِي نَسَبِهِمْ مَعَ الْخَوْفِ، دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى صِحَّةِ نَسَبِهِمْ. وَسَأَلْتُ أَنَا جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الْعَلَوِيِّينَ فِي نَسَبِهِ، فَلَمْ يَرْتَابُوا فِي صِحَّتِهِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ نَسَبَهُ مَدْخُولٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَعَدَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ جَعَلُوا نَسَبَهُ يَهُودِيًّا، وَقَدْ كُتِبَ فِي الْأَيَّامِ الْقَادِرِيَّةِ مَحْضَرٌ يَتَضَمَّنُ الْقَدْحَ فِي نَسَبِهِ وَنَسَبِ أَوْلَادِهِ، وَكَتَبَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ نَسَبَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ غَيْرُ صَحِيحٍ. فَمِمَّنْ كَتَبَ فِيهِ مِنَ الْعَلَوِيِّينَ الْمُرْتَضَى، وَأَخُوهُ الرَّضِيُّ، وَابْنُ الْبَطْحَاوِيِّ، وَابْنُ الْأَزْرَقِ الْعَلَوِيَّانِ، وَمِنْ غَيْرِهِمُ ابْنُ الْأَكْفَانِيِّ وَابْنُ الْخَرَزِيِّ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْأَبِيوَرْدِيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ، وَالْكَشْفَلِيُّ، وَالْقُدُورِيُّ، وَالصَّيْمَرِيُّ أَبُو الْفَضْلِ النَّسَوِيُّ، وَأَبُو جَعْفَرٍ النَّسَفِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ النُّعْمَانِ، فَقِيهُ الشِّيعَةِ. وَزَعَمَ الْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ نَسَبِهِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِمَّنْ كَتَبَ فِي الْمَحْضَرِ إِنَّمَا كَتَبُوا خَوْفًا وَتَقِيَّةً، وَمَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ بِالْأَنْسَابِ فَلَا احْتِجَاجَ بِقَوْلِهِ. وَزَعَمَ الْأَمِيرُ عَبْدُ الْعَزِيزِ، صَاحِبُ تَارِيخِ إِفْرِيقِيَّةَ وَالْمَغْرِبِ، أَنَّ نَسَبَهُ مُعْرِقٌ فِي الْيَهُودِيَّةِ، وَنَقَلَ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَقَدِ اسْتَقْصَى، ذِكْرَ ابْتِدَاءِ دَوْلَتِهِمْ، وَبَالَغَ. وَأَنَا أَذْكُرُ مَعْنَى مَا قَالَهُ مَعَ الْبَرَاءَةِ مِنْ عُهْدَةِ طَعْنِهِ فِي نَسَبِهِ، وَمَا عَدَاهُ فَقَدْ أَحْسَنَ فِيمَا ذَكَرَ، قَالَ: أصل مذهب الدولة العلوية لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى سَيِّدَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مُحَمَّدًا ﷺ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالرُّومِ وَالْفُرْسِ وَقُرَيْشٍ، وَسَائِرِ الْعَرَبِ، لِأَنَّهُ سَفَّهَ أَحْلَامَهُمْ، ( وَعَابَ ) أَدْيَانَهُمْ وَآلِهَتَهُمْ، وَفَرَّقَ جَمْعَهُمْ، فَاجْتَمَعُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَيْهِ، فَكَفَاهُ اللَّهُ كَيْدَهُمْ، وَنَصَرَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَسْلَمَ مِنْهُمْ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمَّا قُبِضَ ﷺ نَجَمَ النِّفَاقُ، وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ، وَظَنُّوا أَنَّ الصَّحَابَةَ يَضْعُفُونَ بَعْدَهُ، فَجَاهَدَ أَبُو بَكْرٍ، ؓ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَتَلَ مُسَيْلِمَةَ، وَرَدَّ الرِّدَّةَ، وَأَذَلَّ الْكُفْرَ، وَوَطَّأَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ، وَغَزَا فَارِسَ وَالرُّومَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ظَنُّوا أَنَّ بِوَفَاتِهِ يَنْتَقِصُ الْإِسْلَامُ. فَاسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَأَذَلَّ فَارِسَ وَالرُّومَ، وَغَلَبَ عَلَى مَمَالِكِهَا، فَدَسَّ عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ أَبَا لُؤْلُؤَةَ فَقَتَلَهُ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ بِقَتْلِهِ يَنْطَفِئُ نُورُ الْإِسْلَامِ. فَوُلِّيَ بَعْدَهُ عُثْمَانُ، فَزَادَ فِي الْفُتُوحِ، وَاتَّسَعَتْ مَمْلَكَةُ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا قُتِلَ وَوُلِّيَ بَعْدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ قَامَ بِالْأَمْرِ أَحْسَنَ قِيَامٍ. فَلَمَّا يَئِسَ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ مِنَ اسْتِئْصَالِهِ بِالْقُوَّةِ أَخَذُوا فِي وَضْعِ الْأَحَادِيثِ الْكَاذِبَةِ، وَتَشْكِيكِ ضَعَفَةِ الْعُقُولِ فِي دِينِهِمْ، بِأُمُورٍ قَدْ ضَبَطَهَا الْمُحَدِّثُونَ، وَأَفْسَدُوا الصَّحِيحَ بِالتَّأْوِيلِ وَالطَّعْنِ عَلَيْهِ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو الْخَطَّابِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ وَأَبُو شَاكِرٍ مَيْمُونُ بْنُ دَيْصَانَ صَاحِبُ كِتَابِ " الْمِيزَانِ " فِي نُصْرَةِ الزَّنْدَقَةِ، وَغَيْرُهُمَا، فَأَلْقَوْا إِلَى مَنْ وَثِقُوا بِهِ أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ بَاطِنًا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَمَنْ عَرَفَ الْأَئِمَّةَ وَالْأَبْوَابَ، صَلَاةً وَلَا زَكَاةً، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، وَأَبَاحُوا لَهُمْ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ قُيُودٌ لِلْعَامَّةِ سَاقِطَةٌ عَنِ الْخَاصَّةِ. وَكَانُوا يُظْهِرُونَ التَّشَيُّعَ لِآلِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْتُرُوا أَمْرَهُمْ، وَيَسْتَمِيلُوا الْعَامَّةَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُمْ فِي الْبِلَادِ، وَأَظْهَرُوا الزُّهْدَ وَالْعِبَادَةَ، يُغْرُونَ النَّاسَ بِذَلِكَ وَهُمْ عَلَى خِلَافِهِ، فَقُتِلَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ قَالُوا لَهُ: إِنَّا نَخَافُ الْجُنْدَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَسْلِحَتَهُمْ لَا تَعْمَلُ فِيكُمْ، فَلَمَّا ابْتَدَؤُوا فِي ضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ أَلَمْ تَقُلْ إِنَّ سُيُوفَهُمْ لَا تَعْمَلُ فِينَا ؟ فَقَالَ: إِذَا كَانَ قَدْ أَرَادَ اللَّهُ فَمَا حِيلَتِي ؟ وَتَفَرَّقَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ فِي الْبِلَادِ وَتَعَلَّمُوا الشَّعْبَذَةَ، وَالنَّارِنْجِيَّاتِ، وَالزَّرَقَ وَالنُّجُومَ، وَالْكِمْيَاءَ، فَهُمْ يَحْتَالُونَ عَلَى كُلِّ قَوْمٍ بِمَا يَتَّفِقُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْعَامَّةِ بِإِظْهَارِ الزُّهْدِ. وَنَشَأَ لِابْنِ دَيْصَانَ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ الْقَدَّاحُ، عَلَّمَهُ الْحِيَلَ، وَأَطْلَعَهُ عَلَى أَسْرَارِ هَذِهِ النِّحْلَةِ، فَحَذَقَ وَتَقَدَّمَ. وَكَانَ بِنَوَاحِي كَرْخَ وَأَصْبَهَانَ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَيُلَقَّبُ بِدَنْدَانَ يَتَوَلَّى تِلْكَ الْمَوَاضِعَ، وَلَهُ نِيَابَةٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ يُبْغِضُ الْعَرَبَ وَيَجْمَعُ مَسَاوِيَهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْقَدَّاحُ، وَعَرَّفَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا زَادَ بِهِ مَحَلُّهُ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُظْهِرَ، ( مَا فِي نَفْسِهِ )، وَإِنَّمَا يَكْتُمُهُ، وَيُظْهِرُ التَّشَيُّعَ وَالطَّعْنَ عَلَى الصَّحَابَةِ، فَإِنَّ الطَّعْنَ فِيهِمْ طَعْنٌ فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ بِطَرِيقِهِمْ وَصَلَتْ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ، فَاسْتَحْسَنَ قَوْلَهُ وَأَعْطَاهُ مَالًا عَظِيمًا يُنْفِقُهُ عَلَى الدُّعَاةِ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ فَسَيَّرَهُ إِلَى كُوَرِ الْأَهْوَازِ وَالْبَصْرَةِ، وَالْكُوفَةِ، وَطَالِقَانَ، وَخُرَاسَانَ، وَسَلَمِيَّةَ، مِنْ أَرْضِ حِمْصَ، وَفَرَّقَهُ فِي دُعَاتِهِ، وَتُوُفِّيَ الْقَدَّاحُ، وَدَنْدَانُ. وَإِنَّمَا لُقِّبَ الْقَدَّاحَ لِأَنَّهُ كَانَ يُعَالِجُ الْعُيُونَ وَيَقْدَحُهَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْقَدَّاحُ قَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَحْمَدُ مَقَامَهُ، وَصَحِبَهُ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ رُسْتُمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ حَوْشَبِ بْنِ دَاذَانَ النَّجَّارُ، مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَكَانَا يَقْصِدَانِ الْمَشَاهِدَ، وَكَانَ بِالْيَمَنِ رَجُلٌ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ كَثِيرُ الْمَالِ وَالْعَشِيرَةِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَدِ، يَتَشَيَّعُ، فَجَاءَ إِلَى مَشْهَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ يَزُورُهُ، فَرَآهُ أَحْمَدُ وَرُسْتُمُ يَبْكِي كَثِيرًا، فَلَمَّا خَرَجَ اجْتَمَعَ بِهِ أَحْمَدُ، وَطَمِعَ فِيهِ لِمَا رَأَى مِنْ بُكَائِهِ، وَأَلْقَى إِلَيْهِ مَذْهَبَهُ فَقَبِلَهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ النَّجَّارَ إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ بِلُزُومِ الْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَأَنَّهُ خَارِجٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِالْيَمَنِ، فَسَارَ النَّجَّارُ إِلَى الْيَمَنِ، وَنَزَلَ بِعَدَنَ، بِقُرْبِ قَوْمٍ مِنَ الشِّيعَةِ يُعْرَفُونَ بِبَنِي مُوسَى، وَأَخَذَ فِي بَيْعِ مَا مَعَهُ. وَأَتَاهُ بَنُو مُوسَى، وَقَالُوا لَهُ: فِيمَ جِئْتَ ؟ قَالَ: لِلتِّجَارَةِ. قَالُوا: لَسْتَ بِتَاجِرٍ، وَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُولُ الْمَهْدِيِّ، وَقَدْ بَلَغَنَا خَبَرُكَ، وَنَحْنُ بَنُو مُوسَى، وَلَعَلَّكَ قَدْ سَمِعْتَ بِنَا، فَانْبَسِطْ وَلَا تَحْتَشِمْ، فَإِنَّا إِخْوَانُكَ، فَأَظْهَرَ أَمْرَهُ، وَقَوَّى عَزَائِمَهُمْ، وَقَرُبَ أَمْرُ الْمَهْدِيِّ بِالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذَا أَوَانُ ظُهُورِ الْمَهْدِيِّ، وَمِنْ عِنْدِهِمْ يَظْهَرُ. وَاتَّصَلَتْ أَخْبَارُهُ بِالشِّيعَةِ الَّذِينَ بِالْعِرَاقِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ فَكَثُرَ جَمْعُهُمْ وَعَظُمَ بِأْسُهُمْ، وَأَغَارُوا عَلَى مَنْ جَاوَرَهُمْ، وَسَبَوْا، وَجَبَوُا الْأَمْوَالَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَنْ بِالْكُوفَةِ مِنْ وَلِدِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَدَّاحِ هَدَايَا عَظِيمَةً، وَكَانُوا أَنْفَذُوا إِلَى الْمَغْرِبِ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا يُعْرَفُ بِالْحُلْوَانِيِّ، وَالْآخَرُ يُعْرَفُ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَقَالُوا لَهُمَا: إِنَّ الْمَغْرِبَ أَرْضٌ بُورٌ، فَاذْهَبَا فَاحْرُثَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُ الْبَدْرِ، فَسَارَا فَنَزَلَ بِأَرْضِ كُتَامَةَ بِبَلَدٍ ( يُسَمَّى مَرْمَجَنَّةَ ) وَالْآخَرُ بِسُوقِ حِمَارٍ، فَمَالَتْ قُلُوبُ أَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي إِلَيْهِمَا، وَحَمَلُوا إِلَيْهِمَا الْأَمْوَالَ وَالتُّحَفَ، فَأَقَامَا سِنِينَ كَثِيرَةً، وَمَاتَا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا قَرِيبَ الْوَفَاةِ مِنَ الْآخَرِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه