MajelisNoteدليل

التاريخ 3510

سنة سبع وستين ومائتين

أَخْبَارِ الزَّنْجِ  وَفِي سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَجَّهَ أَبُو أَحْمَدَ الْمُوَفَّقُ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ فِي نَحْوٍ مَنْ عَشْرَةِ آلَافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ فِي أَحْسَنِ هَيْئَةٍ، وَأَكْمَلِ تَجَمُّلٍ لِقِتَالِ الزَّنْجِ، فَسَارُوا نَحْوَهُمْ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْقِتَالِ وَالنِّزَالِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَاتٍ وَوَقَعَاتٍ مَشْهُورَاتٍ مَا يَطُولُ بَسْطُهُ، وَقَدِ اسْتَقْصَاهُ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي " تَارِيخِهِ " مَبْسُوطًا. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ آلَ الْحَالُ، وَانْتَهَى الْحَرْبُ وَالْجِلَادُ وَالْجِدَالُ وَالنِّزَالُ إِلَى أَنِ اسْتَحْوَذَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْمُوَفَّقِ عَلَى مَا كَانَ اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الزَّنْجُ بِبِلَادِ وَاسِطَ وَأَرَاضِي دِجْلَةَ،  هَذَا وَهُوَ شَابٌّ حَدَثٌ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ، وَلَكِنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ وَغَنَّمَهُ، وَأَعْلَى كَلِمَتِهِ، وَسَدَّدَ رَمْيَتَهُ، وَأَجَابَ دَعْوَتَهُ، وَفَتَحَ عَلَى يَدَيْهِ، وَأَسْبَغَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الشَّابُّ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ عَمِّهِ الْمُعْتَمِدُ، وَلُقِّبَ بِالْمُعْتَضِدِ وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ أَنَّ الزَّنْجَ لَمَّا دَخَلُوا وَاسِطَ، وَعَمِلُوا بِأَهْلِهَا مَا ذَكَرْنَا، بَلَغَ ذَلِكَ الْمُوَفَّقَ، فَأَمَرَهُ ابْنُهُ بِتَعْجِيلِ الْمَسِيرِ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وَشَيَّعَهُ أَبُوهُ، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنَ الرَّجَّالَةِ وَالْخَيَّالَةِ فِي الْعُدَّةِ الْكَامِلَةِ، أَخَذَ مَعَهُ الشَّذَوَاتِ، وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، وَالْمَعَابِرَ لِلرَّجَّالَةِ، فَسَارَ حَتَّى وَافَى دَيْرَ الْعَاقُولِ. وَكَانَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ فِي الشَّذَوَاتِ نُصَيْرٌ، الْمَعْرُوفُ بِأَبِي حَمْزَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ نُصَيْرٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ جَامِعٍ قَدْ وَافَى بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ فِي شَذَوَاتٍ وَسُمَيْرِيَّاتٍ، وَالْجُبَّائِيُّ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، حَتَّى نَزَلَ الْجَزِيرَةَ بِحَضْرَةِ بَرْدَرُويَا، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى الشَّعْرَانِيَّ قَدْ وَافَى ( مَعْرَابَانَ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ فِي سُمَيْرِيَّاتٍ، فَرَكِبَ أَبُو الْعَبَّاسِ حَتَّى وَافَى ) الصِّلْحَ، وَوَجَّهَ طَلَائِعَهُ لِيَعْرِفَ أَخْبَارَهُمْ، فَعَادُوا وَأَعْلَمُوهُ بِمُوَافَاةِ الزَّنْجِ وَجَيْشِهِمْ، وَأَنَّ أَوَّلَهُمْ بِالصِّلْحِ، وَآخِرَهُمْ بِبُسْتَانِ مُوسَى بْنِ بُغَا، أَسْفَلَ وَاسِطَ. وَكَانَ سَبَبُ جَمْعِ الزَّنْجِ وَحَشْدِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ فَتًى حَدَثٌ، غِرٌّ بِالْحَرْبِ، وَالرَّأْيُ لَنَا أَنْ نَرْمِيَهُ بِحَدِّنَا كُلِّهِ، وَنَجْبَهَهُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ نَلْقَاهُ فِي إِزَالَتِهِ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ يَرُوعُهُ فَيَنْصَرِفُ عَنَّا، فَجَمَعُوا، وَحَشَدُوا، فَلَمَّا عَلِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ قُرْبَهُمْ عَدَلَ عَنْ سُنَنِ الطَّرِيقِ، اعْتَرَضَ فِي مَسِيرِهِ، وَلَقِيَ أَصْحَابُهُ أَوَائِلَ الزَّنْجِ، فَتَطَارَدُوا لَهُمْ، حَتَّى طَمِعُوا فِيهِمْ، وَاغْتَرُّوا وَاتَّبَعُوهُمْ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: اطْلُبُوا أَمِيرًا لِلْحَرْبِ، فَإِنَّ أَمِيرَكُمْ قَدِ اشْتَغَلَ بِالصَّيْدِ. فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَيْلِ وَالرَّجْلِ، وَصَاحَ بِنُصَيْرٍ: إِلَى أَيْنَ تَتَأَخَّرُ عَنْ هَذِهِ الْأَكْلُبِ ! فَرَجَعَ نُصَيْرٌ، وَرَكِبَ أَبُو الْعَبَّاسِ سُمَيْرِيَّةً وَحَفَّ بِهِ أَصْحَابُهُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، فَانْهَزَمَتِ الزَّنْجُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَتَبِعُوهُمْ إِلَى أَنْ وَصَلُوا قَرْيَةَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهِيَ سِتَّةُ فَرَاسِخَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لَقُوهُمْ بِهِ، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ خَمْسَ شَذَوَاتٍ، وَعِدَّةَ سُمَيْرِيَّاتٍ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ، وَاسْتَأْمَنَ جَمَاعَةٌ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ الْفَتْحِ، فَسَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ إِلَى نَهْرِ الْأَمِيرِ، وَسَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الشَّعْرَانِيُّ إِلَى سُوقِ الْخَمِيسِ، وَانْحَدَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ فَأَقَامَ بِالْعُمْرِ وَهُوَ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ وَاسِطَ، وَأَصْلَحَ شَذَوَاتِهِ، وَجَعَلَ يُرَاوِحُ الْقَوْمَ الْقِتَالَ وَيُغَادِيهِمْ. ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ اسْتَعَدَّ وَحَشَدَ، وَجَعَلَ أَصْحَابَهُ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ، وَقَالُوا: إِنَّهُ حَدَثٌ، غِرٌّ يُغَرِّرُ بِنَفْسِهِ، وَكَمَّنُوا كُمَنَاءَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا الْعَبَّاسِ، فَحَذِرُوا وَأَقْبَلُوا وَقَدْ كَمَّنُوا الْكُمَنَاءَ لِيَغْتَرَّ بِاتِّبَاعِهِمْ فَيَخْرُجَ الْكَمِينُ عَلَيْهِ، فَمَنَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ، فَلَمَّا عَلِمُوا أَنَّ كَيْدَهُمْ لَمْ يَتِمَّ خَرَجَ سُلَيْمَانُ فِي الشَّذَوَاتِ وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، فَأَمَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ نُصَيْرًا أَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِمْ، وَرَكِبَ هُوَ شَذَاةً مِنْ شَذَوَاتِهِ سَمَّاهَا الْغَزَالَ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَاصَّتِهِ، وَأَمَرَ الْخَيَّالَةَ بِالْمَسِيرِ بِإِزَائِهِ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ إِلَى أَنْ يَنْقَطِعَ، فَعَبَّرُوا دَوَابَّهُمْ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، فَوَقَعَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الزَّنْجِ، وَغَنِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْهُمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَذَاةً، وَأَفْلَتَ سُلَيْمَانُ وَالْجُبَّائِيُّ بَعْدَ أَنْ أَشْفَيَا عَلَى الْهَلَاكِ، وَبَلَغُوا طَهْثَا، وَأَسْلَمُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ. وَرَجَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، وَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ مِنَ الشَّذَوَاتِ وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، وَأَقَامَ الزَّنْجُ عِشْرِينَ يَوْمًا لَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَجَعَلُوا عَلَى طَرِيقِ الْخَيْلِ آبَارًا، وَجَعَلُوا فِيهَا سَفَافِيدَ حَدِيدَ، وَجَعَلُوا عَلَى رُءُوسِهَا الْبَوَارِيَ وَالتُّرَابَ لِيَسْقُطَ فِيهَا الْمُجْتَازُونَ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ سَقَطَ فِيهَا رَجُلٌ مِنَ الْفَرَاغِنَةِ، فَفَطِنُوا لَهَا، وَتَرَكُوا ذَلِكَ الطَّرِيقَ. وَاسْتَمَدَّ سُلَيْمَانُ صَاحِبَ الزَّنْجِ، فَأَمَدَّهُ بِأَرْبَعِينَ سُمَيْرِيَّةٍ بِآلَاتِهَا وَمُقَاتِلَتِهَا، فَعَادُوا لِلتَّعَرُّضِ لِلْحَرْبِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَثْبُتُوا لِأَبِي الْعَبَّاسِ ; ثُمَّ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ عِدَّةَ سُمَيْرِيَّاتٍ، فَأَخَذَهَا الزَّنْجُ، فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَرَكِبَ فِي سُمَيْرِيَّةٍ، وَلَمْ يَنْتَظِرْ أَصْحَابَهُ، وَتَبِعَهُ مِنْهُمْ مَنْ خَفَّ، فَأَدْرَكَ الزَّنْجَ، فَانْهَزَمُوا وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَاسْتَنْقَذَ سُمَيْرِيَّاتِهِ وَمَنْ كَانَ فِيهَا، وَأَخَذَ مِنْهُمْ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ سُمَيْرِيَّةً، وَرَمَى أَبُو الْعَبَّاسِ يَوْمَئِذٍ، عَنْ قَوْسٍ حَتَّى دَمِيَتْ إِبْهَامُهُ، فَلَمَّا رَجَعَ أَمَرَ لِمَنْ مَعَهُ بِالْخِلَعِ، وَأَمَرَ بِإِصْلَاحِ السُّمَيْرِيَّاتِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الزَّنْجِ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ رَأَى أَنْ يَتَوَغَّلَ [ فِي ] مَازَرْوَانَ حَتَّى يَصِيرَ إِلَى الْحَجَّاجِيَّةِ ( وَنَهْرِ الْأَمِيرِ )، وَيَعْرِفَ مَا هُنَاكَ، فَقَدَّمَ نُصَيْرًا فِي أَوَّلِ السُّمَيْرِيَّاتِ وَرَكِبَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي سُمَيْرِيَّةٍ وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، وَدَخَلَ مَازَرْوَانَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ نُصَيْرًا أَمَامَهُ، فَلَمْ يَقِفْ لَهُ عَلَى خَبَرٍ، وَكَانَ قَدْ سَارَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَخَرَجَ مَنْ مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْمَلَّاحِينَ إِلَى غَنَمٍ رَأَوْهَا لِيَأْخُذُوهَا، فَبَقِيَ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، فَأَتَاهُمَا جَمْعٌ مِنَ الزَّنْجِ مِنْ جَانِبَيِ النَّهْرِ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ بِالنُّشَّابِ، وَوَافَاهُ زَيْرَكُ فِي بَاقِي الشَّذَوَاتِ، فَسَلَّمَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَعَادَ عَسْكَرُهُ. وَرَجَعَ نُصَيْرٌ وَجَمَعَ سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ أَصْحَابَهُ وَتَحَصَّنَ بِطَهْثَا، وَتَحَصَّنَ الشَّعْرَانِيُّ وَأَصْحَابُهُ بِسُوقِ الْخَمِيسِ، وَجَعَلُوا الْغَلَّاتِ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ اجْتَمَعَ بِالصِّينِيَّةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ فِي الْبَرِّ، وَإِذَا عَرَضَ لَهُمْ نَهْرٌ عَبَرُوهُ، وَرَكِبَ هُوَ فِي الشَّذَوَاتِ وَالسُّمَيْرِيَّاتِ، فَلَمَّا أَبْصَرَتِ الزَّنْجُ الْخَيْلَ خَافُوا، وَلَجَئُوا إِلَى الْمَاءِ وَالسُّفُنِ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَافَتْهُمُ الشَّذَا مَعَ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَلَمْ يَجِدُوا مَلْجَأً، فَاسْتَسْلَمُوا، فَقُتِلَ مِنْهُمْ فَرِيقٌ، وَأُسِرَ فَرِيقٌ، أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ فَرِيقٌ، أَخَذَ أَصْحَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ سُفُنَهُمْ وَهِيَ مَمْلُوءَةٌ أُرْزًا، أَخَذَ الصِّينِيَّةَ، وَأَزَاحَ الزَّنْجَ عَنْهَا، فَانْحَازُوا إِلَى طَهْثَا وَسُوقِ الْخَمِيسِ. وَكَانَ قَدْ رَأَى أَبُو الْعَبَّاسِ كُرْكِيًّا، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَسَقَطَ فِي عَسْكَرِ الزَّنْجِ، ( فَعَرَفَ الزَّنْجُ السَّهْمَ ) فَزَادَ ذَلِكَ فِي خَوْفِهِمْ، وَرَجَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَقَدْ فَتَحَ الصِّينِيَّةَ. وَبَلَغَهُ أَنَّ جَيْشًا عَظِيمًا لِلزَّنْجِ مَعَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي دُلَفَ وَلُؤْلُؤٍ الزَّنْجِيَّيْنِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَأَوْقَعَ بِهِمْ وَقْعَةً عَظِيمَةً وَقْتَ السَّحَرِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، مِنْهُمْ لُؤْلُؤٌ، وَأَسَرَ ثَابِتًا، فَمَنَّ عَلَيْهِ، وَجَعَلَهُ مَعَ بَعْضِ قُوَّادِهِ، وَاسْتَنْقَذَ مِنَ النِّسَاءِ خَلْقًا كَثِيرًا، فَأَمَرَ بِإِطْلَاقِهِنَّ وَرَدِّهِنَّ إِلَى أَهْلِهِنَّ، أَخَذَ كُلَّ مَا كَانَ الزَّنْجُ جَمَعُوهُ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَسْتَرِيحُوا لِلْمَسِيرِ إِلَى سُوقِ الْخَمِيسِ، وَأَمَرَ نُصَيْرًا بِتَعْبِئَةِ أَصْحَابِهِ لِلْمَسِيرِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ نَهَرَ سُوقِ الْخَمِيسِ ضَيِّقٌ، فَأَقِمْ أَنْتَ وَنَسِيرُ نَحْنُ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلَا تُكْثِرْ مِنَ الشَّذَا، وَلَا مِنَ الرِّحَالِ، فَإِنَّ النَّهْرَ ضَيِّقٌ. فَسَارَ إِلَيْهِ، وَنُصَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، إِلَى فَمِ نَهْرِ مُسَاوِرٍ، فَوَقَفَ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَتَقَدَّمَهُ نُصَيْرٌ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ شَذَاةً فِي نَهْرِ بَرَاطِقَ، وَهُوَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى مَدِينَةِ الشَّعْرَانِيِّ الَّتِي سَمَّاهَا الْمَنِيعَةَ فِي سُوقِ الْخَمِيسِ، فَلَمَّا غَابَ عَنْهُ نُصَيْرٌ خَرَجَ جَمَاعَةٌ فِي الْبَرِّ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَمَنَعُوهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ إِلَى الظُّهْرِ، وَخَفِيَ عَلَيْهِ خَبَرُ نُصَيْرٍ، وَجَعَلَ الزَّنْجُ يَقُولُونَ: قَدْ قَتَلْنَا نُصَيْرًا. وَاغْتَمَّ أَبُو الْعَبَّاسِ لِذَلِكَ، وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ شُعَيْبٍ بِتَعَرُّفِ خَبَرِهِ، فَسَارَ، فَرَآهُ عِنْدَ عَسْكَرِ الزَّنْجِ وَأَحْرَقَهُ وَأَضْرَمَ النَّارَ فِي مَدِينَتِهِمْ، وَهُوَ يُقَاتِلُهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَعَادَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ فَأَخْبَرَهُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ. وَأَسَرَ نُصَيْرٌ مِنَ الزَّنْجِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً، وَرَجَعَ حَتَّى وَافَى أَبَا الْعَبَّاسِ فَأَخْبَرَهُ، وَوَقَفَ أَبُو الْعَبَّاسِ يُقَاتِلُهُمْ، فَرَجَعُوا عَنْهُ، وَكَمَّنَ بَعْضَ شَذَوَاتِهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُظْهِرَ وَاحِدَةً مِنْهَا، فَطَمِعُوا فِيهَا وَتَبِعُوهَا حَتَّى أَدْرَكُوهَا فَعَلِقُوا بِسُكَّانِهَا، فَخَرَجَتْ عَلَيْهِمُ السُّفُنُ الْمُكَمَّنَةُ وَفِيهَا أَبُو الْعَبَّاسِ، فَانْهَزَمَ الزَّنْجُ، وَغَنِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ مِنْهُمْ سِتَّ سُمَيْرِيَّاتٍ، وَانْهَزَمُوا لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ، وَرَجَعَ إِلَى عَسْكَرِهِ سَالِمًا، وَخَلَعَ عَلَى الْمَلَّاحِينَ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا