التاريخ 3372
سنة ثمان وأربعين ومائتين
خَلْعِ الْمُعْتَزِّ وَالْمُؤَيَّدِ وَفِي لَيْلَةِ السَّبْتِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ خُلِعَ الْمُعْتَزُّ وَالْمُؤَيَّدُ ابْنَا الْمُتَوَكِّلِ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَكَانَ سَبَبُ خَلْعِهِمَا أَنَّ الْمُنْتَصِرَ لَمَّا اسْتَقَامَتْ لَهُ الْأُمُورُ، قَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْخَطِيبِ لِوَصِيفٍ وَبُغَا: إِنَّا لَا نَأْمَنُ الْحِدْثَانَ، وَأَنْ يَمُوتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَلِيَ الْمُعْتَزُّ الْخِلَافَةَ، فَيُبِيدَ خَضْرَاءَنَا، وَلَا يُبْقِي مِنَّا بَاقِيَةً، وَالْآنَ الرَّأْيُ أَنْ نَعْمَلَ فِي خَلْعِ الْمُعْتَزِّ وَالْمُؤَيَّدِ. فَجَدَّ الْأَتْرَاكُ فِي ذَلِكَ، وَأَلَحُّوا عَلَى الْمُنْتَصِرِ، وَقَالُوا: نَخْلَعُهُمَا مِنَ الْخِلَافَةِ، وَنُبَايِعُ لِابْنِكَ عَبْدِ الْوَهَّابِ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَجَابَهُمْ، وَأَحْضَرَ الْمُعْتَزَّ وَالْمُؤَيَّدَ، بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنْ خِلَافَتِهِ، وَجُعِلَا فِي دَارٍ، فَقَالَ الْمُعْتَزُّ لِلْمُؤَيَّدِ: يَا أَخِي، ( قَدْ أُحْضِرْنَا لِلْخَلْعِ )، فَقَالَ: لَا أَظُنُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ. فَبَيْنَمَا هَمَا كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتِ الرُّسُلُ بِالْخَلْعِ، فَقَالَ الْمُؤَيَّدُ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فَقَالَ الْمُعْتَزُّ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ الْقَتْلَ فَشَأْنُكُمْ، فَأَعْلَمُوا الْمُنْتَصِرَ، ثُمَّ عَادُوا بِغِلْظَةٍ وَشِدَّةٍ، وَأَخَذُوا الْمُعْتَزَّ بِعُنْفٍ، وَأَدْخَلُوهُ بَيْتًا، وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِ الْبَابَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُؤَيَّدُ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ بِجُرْأَةٍ وَاستِطَالَةٍ: مَا هَذَا يَا كِلَابُ ؟ قَدْ ضَرَيْتُمْ عَلَى دِمَائِنَا، تَثِبُونَ عَلَى مَوْلَاكُمْ هَذَا الْوُثُوبَ، دَعُونِي وَإِيَّاهُ حَتَّى أُكَلِّمَهُ ! فَسَكَتُوا عَنْهُ، وَأَذِنُوا لَهُ فِي الِاجْتِمَاعِ بِهِ بَعْدَ إِذْنٍ مِنَ الْمُنْتَصِرِ بِذَلِكَ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمُؤَيَّدُ، وَقَالَ: يَا جَاهِلُ تَرَاهُمْ نَالُوا مِنْ أَبِيكَ - وَهُوَ هُوَ - مَا نَالُوا، ثُمَّ تَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ ؟ اخْلَعْ وَيْلَكَ، لَا تُرَاجِعْهُمْ ! فَقَالَ: وَكَيْفَ أَخْلَعُ وَقَدْ جَرَى فِي الْآفَاقِ ؟ فَقَالَ: هَذَا الْأَمْرُ قَتَلَ أَبَاكَ، وَهُوَ يَقْتُلُكَ، وَإِنْ كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ أَنْ تَلِيَ لَتَلِيَنَّ. فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَخَرَجَ الْمُؤَيَّدُ وَقَالَ: قَدْ أَجَابَ إِلَى الْخَلْعِ، فَمَضَوْا، وَأَعْلَمُوا الْمُنْتَصِرَ، وَعَادُوا فَشَكَرُوهُ، وَمَعَهُمْ كَاتِبٌ، فَجَلَسَ، فَقَالَ لِلْمُعْتَزِّ: اكْتُبْ بِخَطِّكَ خَلْعَكَ ! فَامْتَنَعَ، فَقَالَ الْمُؤَيَّدُ لِلْكَاتِبِ: هَاتِ قِرْطَاسَكَ ! أَمْلِلْ عَلَيَّ مَا شِئْتَ، فَأَمْلَى عَلَيْهِ كِتَابًا إِلَى الْمُنْتَصِرِ يُعْلِمُهُ فِيهِ ضَعْفَهُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ، وَأَنْ لَا يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَقَلَّدَهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَأْثَمَ الْمُتَوَكِّلُ بِسَبَبِهِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لَهُ، وَيَسْأَلُهُ الْخَلْعَ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ خَلَعَ نَفْسَهَ، وَأَحَلَّ النَّاسَ مِنْ بَيْعَتِهِ، فَكَتَبَ ذَلِكَ، وَقَالَ لِلْمُعْتَزِّ: اكْتُبْ ! فَأَبَى، فَقَالَ: اكْتُبْ وَيْلَكَ ! [ فَكَتَبَ ] وَخَرَجَ الْكَاتِبُ عَنْهُمَا، ثُمَّ دَعَاهُمَا، فَدَخَلَا عَلَى الْمُنْتَصِرِ، فَأَجْلَسَهُمَا وَقَالَ: هَذَا كِتَابُكُمَا ؟ فَقَالَا: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ لَهُمَا، وَالْأَتْرَاكُ وُقُوفٌ: أَتُرَانِي خَلَعْتُكُمَا طَمَعًا فِي أَنْ أَعِيشَ حَتَّى يَكْبُرَ وَلَدِي وَأُبَايِعَ لَهُ ؟ وَاللَّهِ مَا طَمِعْتُ فِي ذَلِكَ ( سَاعَةً ) قَطُّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ [ لِي ] فِي ذَلِكَ طَمَعٌ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَلِيَهَا بَنُو أَبِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَلِيَهَا بَنُو عَمِّي، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ، وَأَوْمَأَ إِلَى سَائِرِ الْمَوَالِي مِمَّنْ هُوَ قَائِمٌ عِنْدَهُ وَقَاعِدٌ، أَلَحُّوا عَلَيَّ فِي خَلْعِكُمَا، فَخِفْتُ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ أَنْ يَعْتَرِضَكُمَا بَعْضُهُمْ بِحَدِيدَةٍ فَيَأْتِيَ عَلَيْكُمَا، فَمَا تَرَيَانِي صَانِعًا [ إِذَنْ ] ؟ أَقْتُلُهُ ! فَوَاللَّهِ مَا تَفِي دِمَاؤُهُمْ كُلُّهُمْ بِدَمِ بَعْضِكُمْ، فَكَانَتْ إِجَابَتُهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوا أَسْهَلَ عَلَيَّ. فَقَبَّلَا يَدَهُ وَضَمَّهُمَا، وَخَطَبَ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بِحَضْرَةِ الْقُوَّادِ، وَالْقُضَاةِ، وَأَعْيَانِ بَنِي هَاشِمٍ وَالنَّاسِ عَامَّةً، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْآفَاقِ وَالْأَقَالِيمِ ; لِيَعْلَمُوا بِذَلِكَ وَيَخْطُبُوا لَهُ بِذَلِكَ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَيَتَوَالَى عَلَى مَحَالِّ الْكِتَابَةِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْلُبَهُمَا الْمُلْكَ وَيَجْعَلَهُ فِي عَقِبِهِ، وَالْأَقْدَارُ تُكَذِّبُهُ وَتُخَالِفُهُ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلْ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ سِوَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَفِي أَوَاخِرِ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَرَضَتْ لَهُ عِلَّةٌ، كَانَ فِيهَا حَتْفُهُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه