التاريخ 2605
ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ عَزْلِهِ عَنِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَكَانَ عَمَلُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فِيمَا قِيلَ. وهو خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَسَدِ بْنِ كُرْزِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْقَرِيٍّ، أَبُو الْهَيْثَمِ الْبَجَلِيُّ الْقَسْرِيُّ الدَّمَشْقِيُّ أَمِيرُ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ لِأَخِيهِ سُلَيْمَانَ، وَأَمِيرُ الْعِرَاقَيْنِ لِأَخِيهِمَا هِشَامٍ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: كَانَتْ دَارُهُ بِدِمَشْقَ فِي مُرَبَّعَةِ الْقَزِّ وَتُعْرَفُ الْيَوْمَ بِدَارِ الشَّرِيفِ الزَّيْدِيِّ وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الْحَمَّامُ الَّذِي دَاخِلُ بَابِ تَوْمَاءَ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: أَوَّلُ مَا عُرِفَ مِنْ رِيَاسَتِهِ أَنَّهُ أَوَطَأَ صَبِيًّا بِدِمَشْقَ بِفَرَسِهِ، فَحَمَلَهُ فَأَشْهَدَ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُهُ من آثار خالد بن عبد الله القسري قَالَ الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ: خَطَبَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَوْمًا، فَارْتَجَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَجِيءُ أَحْيَانًا، وَيَعْزُبُ أَحْيَانًا، فَيَتَسَبَّبُ عِنْدَ مَجِيئِهِ سَبَبُهُ، وَيَتَعَذَّرُ عِنْدَ عُزُوبِهِ مَطْلَبُهُ، وَقَدْ يُرَدُّ إِلَى السَّلِيطِ بَيَانُهُ، وَيُنِيبُ إِلَى الْحَصْرِ كَلَامُهُ، وَسَيَعُودُ إِلَيْنَا مَا تُحِبُّونَ، وَنَعُودُ لَكُمْ كَمَا تُرِيدُونَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ: خَطَبَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَوْمًا بِوَاسِطَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تَنَافَسُوا فِي الْمَكَارِمِ، وَسَارِعُوا إِلَى الْمَغَانِمِ، وَاشْتَرُوا الْحَمْدَ بِالْجُودِ، وَلَا تَكْتَسِبُوا بِالْمَطْلِ ذَمًّا، وَلَا تَعْتَدُّوا بِمَعْرُوفٍ لَمْ تُعَجِّلُوهُ، وَمَهْمَا يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ نِعْمَةٌ عِنْدَ أَحَدٍ لَمْ يَبْلُغْ شُكْرَهَا، فَاللَّهُ أَحْسَنُ لَهُ جَزَاءً، وَأَجْزَلُ عَطَاءً، وَاعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ نِعَمٌ فَلَا تَمَلُّوهَا فَتُحَوَّلَ نِقَمًا، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْمَالِ مَا أَكْسَبَ أَجْرًا وَأَوْرَثَ ذِكْرًا، وَلَوْ رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ لَرَأَيْتُمُوهُ رَجُلًا حَسَنًا جَمِيلًا يَسُرُّ النَّاظِرِينَ، وَيَفُوقُ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ رَأَيْتُمُ الْبُخْلَ لَرَأَيْتُمُوهُ رَجُلًا مُشَوَّهًا قَبِيحًا تَنْفِرُ مِنْهُ الْقُلُوبُ، وَتُغَضُّ دُونَهُ الْأَبْصَارُ، إِنَّهُ مَنْ جَادَ سَادَ، وَمَنْ بَخِلَ ذَلَّ، وَأَكْرَمُ النَّاسِ مَنْ أَعْطَى مَنْ لَا يَرْجُوهُ، وَمَنْ عَفَا عَنْ قُدْرَةٍ، وَأَوْصَلُ النَّاسِ مَنْ وَصَلَ مَنْ قَطَعَهُ، وَمَنْ لَمْ يَطِبْ حَرْثُهُ لَمْ يَزْكُ نَبْتُهُ، وَالْفُرُوعُ عِنْدَ مَغَارِسِهَا تَنْمُو، وَبِأُصُولِهَا تَسْمُو. وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْهَيْثَمِ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَدِمَ عَلَى خَالِدٍ فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَةً امْتَدَحَهُ بِهَا يَقُولُ فِيهَا: إِلَيْكَ ابْنَ كُرْزِ الْخَيْرِ أَقْبَلْتُ رَاغِبًا لِتَجَبُرَ مِنِّي مَا وَهَى وَتَبَدَّدَا إِلَى الْمَاجِدِ الْبُهْلُولِ ذِي الْحِلْمِ وَالنَّدَى وَأَكْرَمِ خَلْقِ اللَّهِ فَرْعًا وَمَحْتِدَا إِذَا مَا أُنَاسٌ قَصَّرُوا بِفِعَالِهِمْ نَهَضَتْ فَلَمْ تُلْفَى هُنَالِكَ مُقْعَدَا فَيَالَكَ بَحْرًا يَغْمُرُ النَّاسَ مَوْجُهُ إِذَا يُسْأَلُ الْمَعْرُوفَ جَاشَ وَأَزْبَدَا بَلَوْتُ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ فَأَلْفَيْتُ خَيْرَ النَّاسِ نَفْسًا وَأَمْجَدَا فَلَوْ كَانَ فِي الدُّنْيَا مِنَ النَّاسِ خَالِدٌ لِجُودٍ بِمَعْرُوفٍ لَكُنْتُ مُخَلَّدًا فَلَا تَحْرِمَنِّي مِنْكَ مَا قَدْ رَجَوْتُهُ فَيُصْبِحَ وَجْهِي كَالِحَ اللَّوْنِ أَرْبَدَا قَالَ: فَحَفِظَهَا خَالِدٌ فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ خَالِدٍ قَامَ الْأَعْرَابِيُّ يَنْشُدُهَا، فَابْتَدَرَهُ إِلَيْهَا خَالِدٌ فَأَنْشَدَهَا قَبْلَهُ، وَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ هَذَا شِعْرٌ قَدْ سَبَقْنَاكَ إِلَيْهِ. فَنَهَضَ الشَّيْخُ، فَوَلَّى ذَاهِبًا، فَأَتْبَعَهُ خَالِدٌ مَنْ يَسْمَعُ مَا يَقُولُ، فَإِذَا هُوَ يُنْشِدُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: أَلَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا كُنْتُ أَرْتَجِي لَدَيْهِ وَمَا لَاقَيْتُ مِنْ نَكَدِ الْجُهْدِ دَخَلْتُ عَلَى بَحْرٍ يَجُودُ بِمَالِهِ وَيُعْطِي كَثِيرَ الْمَالِ فِي طَلَبِ الْحَمْدِ فَخَالَفَنِي الْجَدُّ الْمَشُومُ لِشِقْوَتِي وَقَارَبَنِي نَحْسِي وَفَارَقَنِي سَعْدِي فَلَوْ كَانَ لِي رِزْقٌ لَدَيْهِ لَنِلْتُهُ وَلَكِنَّهُ أَمْرٌ مِنَ الْوَاحِدِ الْفَرْدِ فَرَدَّهُ إِلَى خَالِدٍ وَأَعْلَمَهُ بِمَا كَانَ يَقُولُ، فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ أَنْ يَمْلَأَ لَهُ جِرَابَهُ دَقِيقًا، فَأَمَرَ بِمَلْئِهِ لَهُ دَرَاهِمَ، فَقِيلَ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ: مَا فَعَلَ مَعَكَ ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُهُ مَا أَشْتَهِي، فَأَمَرَ لِي بِمَا يَشْتَهِي هُوَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَيْنَمَا خَالِدٌ يَسِيرُ فِي مَوْكِبِهِ إِذْ تَلَقَّاهُ أَعْرَابِيٌّ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ ! وَلِمَ ؟ أَقَطَعْتَ السَّبِيلَ ؟ أَأَخْرَجْتَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ؟ فَكُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا. قَالَ: فَلِمَ ؟ قَالَ: مِنَ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ. فَقَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ: ثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَقَالَ خَالِدٌ: مَا رَبِحَ أَحَدٌ مِثَلَ مَا رَبِحْتُ الْيَوْمَ ; إِنِّي وَضَعْتُ فِي نَفْسِي أَنْ يَسْأَلَنِي مِائَةَ أَلْفٍ، فَسَأَلَ ثَلَاثِينَ، فَرَبِحْتُ سَبْعِينَ أَلْفًا، ارْجِعُوا بِنَا الْيَوْمَ. وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " أَفْعَالِ الْعِبَادِ " وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ " السُّنَّةِ "، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ، أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ خَطَبَ النَّاسَ فِي عِيدِ أَضْحًى، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ. سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ قَالَ: رَأَيْتُ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ حِينَ أُتِيَ بِالْمُغِيرَةِ وَأَصْحَابِهِ، وَقَدْ وُضِعَ لَهُ سَرِيرٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ: أَحْيِهِ ! - وَكَانَ الْمُغِيرَةُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى، فَقَالَ: وَاللَّهِ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ، مَا أُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: لَتُحْيِيَنَّهُ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ أَمَرَ بِطُنِّ قَصَبٍ، فَأَضْرَمُوا فِيهِ نَارًا، ثُمَّ قَالَ لِلْمُغِيرَةِ: اعْتَنِقْهُ. فَأَبَى، فَعَدَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُغِيرَةِ فَاعْتَنَقَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَرَأَيْتُ النَّارَ تَأْكُلُهُ وَهُوَ يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ. قَالَ خَالِدٌ: هَذَا وَاللَّهِ أَحَقُّ بِالرِّئَاسَةِ مِنْكَ. ثُمَّ قَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: أُتِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِرَجُلٍ تَنَبَّأَ بِالْكُوفَةِ فَقِيلَ لَهُ: مَا عَلَامَةُ نُبُوَّتِكَ ؟ قَالَ: قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ قُرْآنٌ. قِيلَ: مَا هُوَ ؟ قَالَ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَمَاهِرْ، فَصْلِ لِرَبِّكَ وَلَا تُجَاهِرْ. وَلَا تُطِعْ كُلَّ كَافِرٍ وَفَاجِرْ. فَأَمَرَ بِهِ، فَصُلِبَ، فَقَالَ وَهُوَ يُصْلَبُ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْعَمُودْ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ عَلَى عُودْ، فَأَنَا ضَامِنٌ لَكَ أَنْ لَا تَعُودْ. وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: أُتِيَ خَالِدٌ بِشَابٍّ قَدْ وُجِدَ فِي دَارِ قَوْمٍ، وَادُّعِيَ عَلَيْهِ السَّرَقُ، فَسَأَلَهُ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ، فَتَقَدَّمَتْ فَتَاةٌ حَسْنَاءُ، فَقَالَتْ: أَخَالِدٌ قَدْ أَوَطَأْتَ وَاللَّهِ عُشْوَةً وَمَا الْعَاشِقُ الْمِسْكِينُ فِينَا بِسَارِقِ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يَجْنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ رَأَى الْقَطْعَ أُولَى مِنْ فَضِيحَةِ عَاشِقِ فَأَمَرَ خَالِدٌ بِإِحْضَارِ أَبِيهَا، فَزَوَّجَهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَتَى، وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ: كَانَ رَجُلُ سُوءٍ يَقَعُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ؓ. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وَذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ خَالِدًا حَفَرَ بِئْرًا بِمَكَّةَ ادَّعَى فَضْلَهَا عَلَى زَمْزَمَ. وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ تَفْضِيلُ الْخَلِيفَةِ عَلَى الرَّسُولِ. وَهَذَا كُفْرٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِكَلَامِهِ غَيْرَ مَا يَبْدُو مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَلَعَلَّ هَذَا لَا يَصِحُّ عَنْهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ صَاحِبَ " الْعِقْدِ " سَبَّ بِهِ، وَيُقَرِّرُهُ عَنْهُ ; لِأَنَّ صَاحِبَ الْعِقْدِ كَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ شَنِيعٌ، وَرُبَّمَا لَا يَفْهَمُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَقَدِ اغْتَرَّ بِهِ شَيْخُنَا الذَّهَبِيُّ فَمَدَحَهُ بِالْحِفْظِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَفْهَمْ تَشَيُّعَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حبس خالد بن عبد الله القسري زمن هشام بن عبد الملك ظلما وَلَمَّا عَزَلَهُ هِشَامٌ قَدِمَ عَلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ وَاسِطًا فَحَبَسَهُ بِهَا، ثُمَّ سَارَ يُوسُفُ إِلَى الْحِيرَةِ وَأَخَذَ خَالِدًا فَحَبَسَهُ بِهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مَعَ أَخِيهِ إِسْمَاعِيلَ وَابْنِهِ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ وَابْنِ أَخِيهِ الْمُنْذِرِ بْنِ أَسَدٍ. اسْتَأْذَنَ يُوسُفُ هِشَامًا فِي تَعْذِيبِهِ فَأَذِنَ لَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَأَقْسَمَ لَئِنْ هَلَكَ لَيَقْتُلَنَّهُ، فَعَذَّبَهُ يُوسُفُ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى حَبْسِهِ. وَقِيلَ: بَلْ عَذَّبَهُ عَذَابًا كَثِيرًا، وَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى يُوسُفَ يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِهِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَأَطْلَقَهُ، فَسَارَ فَأَتَى الْقَرْيَةَ الَّتِي بِإِزَاءِ الرُّصَافَةِ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَخَرَجَ زَيْدٌ فَقُتِلَ، فَكَتَبَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ: إِنَّ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ كَانُوا هَلَكُوا جُوعًا فَكَانَتْ هِمَّةُ أَحَدِهِمْ قُوتَ عِيَالِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ خَالِدٌ الْعِرَاقَ أَعْطَاهُمُ الْأَمْوَالَ، فَتَاقَتْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى الْخِلَافَةِ، وَمَا خَرَجَ زَيْدٌ إِلَّا عَنْ رَأْيِ خَالِدٍ. فَقَالَ هِشَامٌ: كَذَبَ يُوسُفُ ! وَضَرَبَ رَسُولَهُ وَقَالَ: لَسْنَا نَتَّهِمُ خَالِدًا فِي طَاعَةٍ. وَسَمِعَ خَالِدٌ فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ دِمَشْقَ وَسَارَ إِلَى الصَّائِفَةِ. وَكَانَ عَلَى دِمَشْقَ يَوْمَئِذٍ كُلْثُومُ بْنُ عِيَاضٍ الْقُشَيْرِيُّ، وَكَانَ يُبْغِضُ خَالِدًا، فَظَهَرَ فِي دُورِ دِمَشْقَ حَرِيقٌ كُلَّ لَيْلَةٍ يَفْعَلُهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْعَمَرَّسِ، فَإِذَا وَقَعَ الْحَرِيقُ يَسْرِقُونَ، وَكَانَ أَوْلَادُ خَالِدٍ وَإِخْوَتُهُ بِالسَّاحِلِ لَحَدَثٍ كَانَ مِنَ الرُّومِ، فَكَتَبَ كُلْثُومٌ إِلَى هِشَامٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ مَوَالِيَ خَالِدٍ يُرِيدُونَ الْوُثُوبَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ وَأَنَّهُمْ يُحْرِقُونَ الْبَلَدَ كُلَّ لَيْلَةٍ لِهَذَا الْفِعْلِ. فَكَتَبَ إِلَى هِشَامٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْبِسَ آلَ خَالِدٍ الصَّغِيرَ مِنْهُمْ وَالْكَبِيرَ وَمَوَالِيَهُمْ، فَأَنْفَذَ وَأَحْضَرَ أَوْلَادَ خَالِدٍ وَإِخْوَتَهُ مِنَ السَّاحِلِ فِي الْجَوَامِعِ وَمَعَهُمْ مَوَالِيهِمْ، وَحَبَسَ بَنَاتِ خَالِدٍ وَالنِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلِيُّ بْنُ الْعَمَرَّسِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ، فَكَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَامِلُ الْخَرَاجِ إِلَى هِشَامٍ يُخْبِرُهُ بِأَخْذِ ابْنِ الْعَمَرَّسِ وَأَصْحَابِهِ بِأَسْمَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمْ أَحَدًا مِنْ مَوَالِي خَالِدٍ. فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى كُلْثُومٍ يَشْتُمُهُ وَيَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِ آلِ خَالِدٍ، فَأَطْلَقَهُمْ وَتَرَكَ الْمَوَالِيَ رَجَاءَ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِمْ خَالِدٌ إِذَا قَدِمَ مِنَ الصَّائِفَةِ. موقف خالد بن عبد الله القسري من حبس حرمه وآل بيته ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ فَنَزَلَ مَنْزِلَهُ فِي دِمَشْقَ فَأَذِنَ لِلنَّاسِ، فَقَامَ بَنَاتُهُ يَحْتَجِبْنَ، فَقَالَ: لَا تَحْتَجِبْنَ فَإِنَّ هِشَامًا كُلَّ يَوْمٍ يَسُوقُكُنَّ إِلَى الْحَبْسِ، فَدَخَلَ النَّاسُ، فَقَامَ أَوْلَادُهُ يَسْتُرُونَ النِّسَاءَ، فَقَالَ خَالِدٌ: خَرَجْتُ غَازِيًا سَامِعًا مُطِيعًا فَخُلِفْتُ فِي عَقِبِي وَأُخِذَ حُرَمِي وَأَهْلُ بَيْتِي فَحُبِسُوا مَعَ أَهْلِ الْجَرَائِمِ كَمَا يُفْعَلُ بِالْمُشْرِكِينَ، فَمَا مَنَعَ عِصَابَةً مِنْكُمْ أَنْ تَقُولُوا عَلَامَ حُبِسَ حُرَمُ هَذَا السَّامِعِ الْمُطِيعِ ؟ أَخِفْتُمْ أَنْ تُقْتَلُوا جَمِيعًا ؟ أَخَافَكُمُ اللَّهُ ! ثُمَّ قَالَ: مَا لِي وَلِهِشَامٍ ؟ لَيَكُفُّنَّ عَنِّي أَوْ لَأَدْعُوَنَّ إِلَى عِرَاقِيِّ الْهَوَى، شَامِيِّ الدَّارِ، حِجَازِيِّ الْأَصْلِ، يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ أَنْ تُبْلِغُوا هِشَامًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَالَ: قَدْ خَرِفَ أَبُو الْهَيْثَمِ. طلب يوسف بن عمر يزيد بن خالد القسري وَتَتَابَعَتْ كُتُبُ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ إِلَى هِشَامٍ يَطْلُبُ مِنْهُ يَزِيدَبْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَرْسَلَ هِشَامٌ إِلَى كُلْثُومٍ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ يَزِيدَبْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ، فَطَلَبَهُ، فَهَرَبَ، فَاسْتَدْعَى خَالِدًا فَحَضَرَ عِنْدَهُ، فَحَبَسَهُ، فَسَمِعَ هِشَامٌ فَكَتَبَ إِلَى كُلْثُومٍ يَلُومُهُ وَيَأْمُرُهُ بِتَخْلِيَتِهِ، فَأَطْلَقَهُ. وَكَانَ هِشَامٌ إِذَا أَرَادَ أَمْرًا أَمَرَ الْأَبْرَشَ الْكَلْبِيَّ فَكَتَبَ بِهِ إِلَى خَالِدٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْأَبْرَشُ: إِنَّهُ بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَكَ يَا خَالِدُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِعَشْرِ خِصَالٍ: إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ وَأَنْتَ كَرِيمٌ، وَاللَّهُ جَوَادٌ وَأَنْتَ جَوَادٌ، وَاللَّهُ رَحِيمٌ وَأَنْتَ رَحِيمٌ، حَتَّى عَدَّ عَشْرًا، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَيَقْتُلَنَّكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ: إِنَّ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ كَانَ أَكْثَرَ أَهْلًا مِنْ أَنْ يَجُوزَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْفُجُورِ أَنْ يُحَرِّفَ مَا كَانَ فِيهِ، إِنَّمَا قَالَ لِي: يَا خَالِدُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ لِعَشْرِ خِصَالٍ: إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ كُلَّ كَرِيمٍ، وَاللَّهُ يُحِبُّكَ فَأَنَا أُحِبُّكَ، حَتَّى عَدَّ عَشْرَ خِصَالٍ. وَلَكِنْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ قِيَامُ ابْنِ شَقِيٍّ الْحِمْيَرِيِّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَوْلُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَلِيفَتُكَ فِي أَهْلِكَ أَكْرَمُ عَلَيْكَ أَمْ رَسُولُكَ فِي حَاجَتِكَ ؟ فَقَالَ: بَلْ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِي. فَقَالَ ابْنُ شَقِيٍّ: فَأَنْتَ خَلِيفَةُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُهُ، وَضَلَالُ رَجُلٍ مِنْ بَجِيلَةَ، يَعْنِي نَفْسَهُ، أَهْوَنُ عَلَى الْعَامَّةِ مِنْ ضَلَالِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا قَرَأَ هِشَامٌ كِتَابَهُ قَالَ: خَرِفَ أَبُو الْهَيْثَمِ ! حبس الوليد بن يزيد خالد القسري وتعذيبه فَأَقَامَ خَالِدٌ بِدِمَشْقَ حَتَّى هَلَكَ هِشَامٌ وَقَامَ الْوَلِيدُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ: مَا حَالُ الْخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ الَّتِي تَعْلَمُ ؟ فَاقْدَمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ وَهُوَ وَاقِفٌ بِبَابِ السُّرَادِقِ فَقَالَ: يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَيْنَ ابْنُكَ يَزِيدُ ؟ فَقَالَ: كَانَ هَرَبَ مِنْ هِشَامٍ وَكُنَّا نَرَاهُ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى اسْتَخْلَفَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا لَمْ نَرَهُ ظَنَنَّاهُ بِبِلَادِ قَوْمِهِ مِنَ السَّرَاةِ. وَرَجَعَ الرَّسُولُ وَقَالَ: لَا وَلَكِنَّكَ خَلَّفْتَهُ طَالِبًا لِلْفِتْنَةِ. فَقَالَ: قَدْ عَلِمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّا أَهْلُ بَيْتِ طَاعَةٍ. فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَتَأْتِيَنَّ بِهِ أَوْ لَأُرْهِقَنَّ نَفْسَكَ. فَرَفَعَ خَالِدٌ صَوْتَهُ وَقَالَ: قُلْ لَهُ: هَذَا أَرَدْتُ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمِي مَا رَفَعْتُهَا عَنْهُ. فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِضَرْبِهِ، فَضُرِبَ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَحَبَسَهُ حَتَّى قَدِمَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ مِنَ الْعِرَاقِ بِالْأَمْوَالِ فَاشْتَرَاهُ مِنَ الْوَلِيدِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَأَرْسَلَ الْوَلِيدُ إِلَى خَالِدٍ: إِنَّ يُوسُفَ يَشْتَرِيكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَإِنْ كُنْتَ تَضْمَنُهَا وَإِلَّا دَفَعْتُكَ إِلَيْهِ. فَقَالَ خَالِدٌ: مَا عَهِدْتُ الْعَرَبَ تُبَاعُ، وَاللَّهِ لَوْ سَأَلْتَنِي أَنْ أَضْمَنَ عُودًا مَا ضَمِنْتُهُ. فَدَفَعَهُ إِلَى يُوسُفَ، فَنَزَعَ ثِيَابَهُ وَأَلْبَسَهُ عَبَاءَةً وَحَمَلَهُ فِي مَحْمَلٍ بِغَيْرٍ وَطَاءٍ وَعَذَّبَهُ عَذَابًا شَدِيدًا، وَهُوَ لَا يُكَلِّمُهُ كَلِمَةً، ثُمَّ حَمَلَهُ إِلَى الْكُوفَةِ فَعَذَّبَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْمُضَرَّسَةَ عَلَى صَدْرِهِ فَقَتَلَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَدَفَنَهُ مِنْ وَقْتِهِ بِالْحِيرَةِ فِي عَبَاءَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ يُوسُفُ فَوُضِعَ عَلَى رِجْلَيْهِ عُودٌ وَقَامَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ قَدَمَاهُ وَمَا تَكَلَّمَ وَلَا عَبَسَ. ذكر سبب آخر في قتل خالد بن عبد الله القسري وَأَرَادَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ عَلَى الْبَيْعَةِ لِابْنَيْهِ فَأَبَى، فَغَضِبَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَخَافُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: كَيْفَ أُبَايِعُ مَنْ لَا أُصَلِّي خَلْفَهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ ؟ قَالُوا: فَتَقْبَلُ شَهَادَةَ الْوَلِيدِ مَعَ فِسْقِهِ ! قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ غَائِبٌ عَنِّي وَإِنَّمَا هِيَ أَخْبَارُ النَّاسِ. فَفَسَدَتِ الْيَمَانِيَّةُ عَلَيْهِ وَفَسَدَتْ عَلَيْهِ قُضَاعَةُ، وَهُمْ وَالْيَمَنُ أَكْثَرُ جُنْدِ أَهْلِ الشَّامِ، فَأَتَى حُرَيْثٌ وَشَبِيبُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ الْغَسَّانِيُّ وَمَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ الْكَلْبِيُّ وَابْنُ عَمِّهِ حِبَالُ بْنُ عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَحُمَيْدُ بْنُ مَنْصُورٍ اللَّخْمِيُّ وَالْأَصْبَغُ بْنُ ذُؤَالَةَ وَالطُّفَيْلُ بْنُ حَارِثَةَ وَالسَّرِيُّ زِيَادٌ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ فَدَفَعُوهُ إِلَى أَمْرِهِمْ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ. وَأَرَادَ الْوَلِيدُ الْحَجَّ فَخَافَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلُوهُ فِي الطَّرِيقِ فَنَهَاهُ عَنِ الْحَجِّ، فَقَالَ: وَلِمَ ؟ فَأَخْبَرَهُ فَحَبَسَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُطَالِبَ بِأَمْوَالِ الْعِرَاقِ ما ينقمه الناس على خالد بن عبد الله القسري وَكَانَتْ أُمُّ خَالِدٍ نَصْرَانِيَّةً رُومِيَّةً، ابْتَنَى بِهَا أَبُوهُ فِي بَعْضِ أَعْيَادِهِمْ فَأَوْلَدَهَا خَالِدًا وَأَسَدًا وَلَمْ تُسْلِمْ، وَبَنَى لَهَا خَالِدٌ بِيعَةً، فَذَمَّهُ النَّاسُ وَالشُّعَرَاءُ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: أَلَا قَطَعَ الرَّحْمَنُ ظَهْرَ مَطِيَّةٍ أَتَتْنَا تَهَادَى مِنْ دِمَشْقَ بِخَالِدِ فَكَيْفَ يَؤُمُّ النَّاسَ مَنْ كَانَتِ امُّهُ تَدِينُ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِوَاحِدِ بَنَى بِيعَةً فِيهَا النَّصَارَى لِأُمِّهِ وَيَهْدِمُ مِنْ كُفْرٍ مَنَارَ الْمَسَاجِدِ وَكَانَ خَالِدٌ قَدْ أَمَرَ بِهَدْمِ مَنَارِ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ شَاعِرًا قَالَ: لَيْتَنِي فِي الْمُؤَذِّنِينَ حَيَاتِي أَنَّهُمْ يُبْصِرُونَ مَنْ فِي السُّطُوحِ فَيُشِيرُونَ أَوْ تُشِيرُ إِلَيْهِمْ بِالْهَوَى كُلُّ ذَاتِ دَلٍّ مَلِيحِ فَلَمَّا سَمِعَ هَذَا الشِّعْرَ أَمَرَ بِهَدْمِهَا، وَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ النَّاسَ يَذُمُّونَهُ لِبِنَائِهِ الْبِيعَةَ لِأُمِّهِ قَامَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ دِينَهُمْ إِنْ كَانَ شَرًّا مِنْ دِينِكُمْ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ خَلِيفَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ أَفْضَلُ مِنْ رَسُولِهِ فِي حَاجَتِهِ، يَعْنِي أَنَّ الْخَلِيفَةَ هِشَامًا أَفْضَلُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.