التاريخ 1591
ذكر سنة تسع وتسميتها سنة الوفود
وَفْدُ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ: بَابُ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ حَدَّثَنَا قُرَّةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ لِي جَرَّةً يُنْتَبَذُ لِي فِيهَا نَبِيذٌ فَأَشْرَبُهُ حُلْوًا فِي جَرٍّ، إِنْ أَكْثَرْتُ مِنْهُ فَجَالَسْتُ الْقَوْمَ فَأَطَلْتُ الْجُلُوسَ، خَشِيتُ أَنْ أَفْتَضِحَ. فَقَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا النَّدَامَى ". فَقَالَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَحَدِّثْنَا بِجُمَلٍ مِنَ الْأَمْرِ إِنْ عَمِلْنَا بِهِ دَخَلْنَا الْجَنَّةَ، وَنَدْعُو بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا. قَالَ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ; الْإِيمَانُ بِاللَّهِ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغَانِمِ الْخَمْسِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ; مَا يُنْتَبَذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ " وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ بِهِ، وَلَهُ طُرُقٌ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي حَمْزَةَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ ": حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مِمَّنِ الْقَوْمُ ؟ " قَالُوا: مِنْ رَبِيعَةَ. قَالَ: " مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرِ الْخَزَايَا وَلَا النَّدَامَى ". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَإِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّهُ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَصُلْ إِلَيْكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ ; عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ - وَرُبَّمَا قَالَ: وَالْمُقَيَّرِ - فَاحْفَظُوهُنَّ وَادْعُوا إِلَيْهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ ".. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِحَدِيثِ قِصَّتِهِمْ بِمِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ، وَعِنْدَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: " إِنْ فِيكَ لَخَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَلَّقْتُهُمَا أَمْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمَا ؟ فَقَالَ: " بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ". فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ.. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَنَا مَطَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَمِعْتُ هِنْدَ بِنْتَ الْوَزَّاعِ تَقُولُ: أَنَّهَا سَمِعَتِ الْوَزَّاعَ يَقُولُ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْأَشَجُّ الْمُنْذِرُ بْنُ عَامِرٍ أَوْ عَامِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مُصَابٌ، فَانْتَهَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَثَبُوا مِنْ رَوَاحِلِهِمْ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلُوا يَدَهُ، ثُمَّ نَزَلَ الْأَشَجُّ فَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ، وَأَخْرَجَ عَيْبَتَهُ فَفَتَحَهَا، فَأَخْرَجَ ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ مِنْ ثِيَابِهِ فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ أَتَى رَوَاحِلَهُمْ فَعَقَلَهَا، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا أَشَجُّ إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولُهُ ; الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا تَخَلَّقْتُهُمَا أَوْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمَا ؟ فَقَالَ: " بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ". قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَرَسُولُهُ. فَقَالَ الْوَازِعُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مَعِي خَالًا لِي مُصَابًا فَادْعُ اللَّهَ لَهُ. فَقَالَ: " أَيْنَ هُوَ ؟ ائْتِنِي بِهِ ". قَالَ: فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ الْأَشَجُّ ; أَلْبَسْتُهُ ثَوْبَيْهِ، وَأَتَيْتُهُ، فَأَخَذَ طَائِفَةً مِنْ رِدَائِهِ يَرْفَعُهَا حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ إِبِطِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِظَهْرِهِ فَقَالَ: " اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ ". فَوَلَّى وَجْهَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ بِنَظَرِ رَجُلٍ صَحِيحٍ. وَرَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ هُودِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ مَزِيدَةَ الْعَصَرِيَّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ أَصْحَابُهُ إِذْ قَالَ لَهُمْ: " سَيَطْلُعُ مِنْ هَاهُنَا رَكْبٌ هُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ ". فَقَامَ عُمَرُ فَتَوَجَّهَ نَحْوَهُمْ فَلَقِيَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَاكِبًا فَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ ؟ قَالُوا: مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ. قَالَ: فَمَا أَقْدَمَكُمْ هَذِهِ الْبِلَادَ ؟ التِّجَارَةُ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَمَا إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ ذَكَرَكُمْ آنِفًا فَقَالَ خَيْرًا. ثُمَّ مَشَوْا مَعَهُ حَتَّى أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ لِلْقَوْمِ: هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي تُرِيدُونَ. فَرَمَى الْقَوْمُ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ رَكَائِبِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَشَى، وَمِنْهُمْ مَنْ هَرْوَلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَعَى، حَتَّى أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذُوا بِيَدِهِ فَقَبَّلُوهَا وَتَخَلَّفَ الْأَشَجُّ فِي الرِّكَابِ حَتَّى أَنَاخَهَا، وَجَمَعَ مَتَاعَ الْقَوْمِ، ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حَتَّى أَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ". قَالَ: جَبْلٌ جُبِلْتُ عَلَيْهِ أَمْ تَخَلُّقٌ مِنِّي ؟ قَالَ: " بَلْ جَبْلٌ ". فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قُدُومِ الْجَارُودِ بْنِ الْمُعَلَّى، وَسَلَمَةَ بْنِ عِيَاضٍ الْأَسَدِيِّ إِلَيْهِ ﷺ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: قَدِمَ الْجَارُودُ الْعَبْدِيُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ عِيَاضٍ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ حَلِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَارُودَ قَالَ لِسَلَمَةَ بْنِ عِيَاضٍ الْأَسَدِيِّ: إِنْ خَارِجًا خَرَجَ بِتِهَامَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٍّ، فَهَلْ لَكَ أَنْ نَخْرُجَ إِلَيْهِ ؟ فَإِنْ رَأَيْنَا خَيْرَا دَخَلْنَا فِيهِ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلِلسَّابِقِ إِلَيْهِ فَضِيلَةٌ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. وَكَانَ الْجَارُودُ نَصْرَانِيًّا قَدْ قَرَأَ الْكُتُبَ. ثُمَّ قَالَ لِسَلَمَةَ: «لِيُضْمِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا ثَلَاثَ مَسَائِلَ يَسْأَلُهُ عَنْهَا، لَا يُخْبِرُ بِهَا صَاحِبَهُ، فَلَعَمْرِي لَئِنْ أَخْبَرَ بِهَا إِنَّهُ لَنَبِيٌّ يُوحَى إِلَيْهِ». فَفَعَلَا. فَلَمَّا قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ الْجَارُودُ: بِمَ بَعَثَكَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ ؟. قَالَ: «بِشَهَادَةِ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ نِدٍّ أَوْ وَثَنٍ يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ بِحَقِّهَا وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ، مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ [فُصِّلَتْ 46]». قَالَ الْجَارُودُ: إِنْ كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ نَبِيَّنَا فَأَخْبِرْنَا عَمَّا أَضْمَرْنَا عَلَيْهِ. فَخَفَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّهَا سِنَةٌ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَتَحَدَّرَ الْعَرَقُ عَنْهُ فَقَالَ: «أَمَّا أَنْتَ يَا جَارُودُ فَإِنَّكَ أَضْمَرْتَ عَلَى أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ وَعَنْ حِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ وَعَنِ الْمَنِيحَةِ، أَلَا وَإِنَّ دَمُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَحِلْفَهَا مَشْدُودٌ. وَلَمْ يَزِدْهَا الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، أَلَا وَإِنَّ الْفَضْلَ الصَّدَقَةُ أَنْ تَمْنَحَ أَخَاكَ ظَهْرَ دَابَّةٍ أَوْ لَبَنَ شَاةٍ، فَإِنَّهَا تَغْدُو بِرِفْدٍ، وَتَرُوحُ بِمِثْلِهِ. وَأَمَّا أَنْتِ يَا سَلَمَةُ فَإِنَّكِ أَضْمَرْتَ عَلَى أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَعَنْ يَوْمِ السَّبَاسِبِ وَعَنْ عَقْلِ الْهَجِينِ، فَأَمَّا عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الْأَنْبِيَاءِ 98] وَأَمَّا يَوْمُ السَّبَاسِبِ فَقَدْ أَعْقَبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ لَيْلَةً خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، فَاطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهَا لَيْلَةٌ بُلْجَةٌ سَمْحَةٌ لَا رِيحَ فِيهَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَتِهَا لَا شُعَاعَ لَهَا، وَأَمَّا عَقْلُ الْهَجِينِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يُجِيرُ أَقْصَاهُمْ عَلَى أَدْنَاهُمْ أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ». فَقَالَا: نَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ عَمَّنْ لَا يَتَّهِمُ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْجَارُودَ لَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلَّمَهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، وَدَعَاهُ إِلَيْهِ، وَرَغَّبَهُ فِيهِ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي كُنْتُ عَلَى دِينٍ وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ أَفَتَضَمَّنَ لِي دِينِي ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَعَمْ أَنَا ضَامِنٌ أَنْ قَدْ هَدَاكَ اللَّهُ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ». فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَصْحَابُهُ. ثُمَّ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحُمْلَانَ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضَوَالَّ مِنْ ضَوَالِّ النَّاسِ- وَفِي لَفْظٍ الْمُسْلِمِينَ- أَفَنَتَبَلَّغُ عَلَيْهَا إِلَى بِلَادِنَا ؟ قَالَ: «لَا، إِيَّاكَ وَإِيَّاهَا فَإِنَّمَا تِلْكَ حَرْقُ النَّارِ» انْتَهَى. فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ لَنَا أَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ قَوْمَنَا». فَقَالَ «اللَّهُمَّ اجْمَعْ لَهُمْ أُلْفَةَ قَوْمِهِمْ وَبَارِكْ لَهُمْ فِي بَرِّهِمْ وَبَحْرِهِمْ». فَقَالَ الْجَارُودُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمَالِ أَتَّخِذُ بِبِلَادِي ؟ قَالَ: «وَمَا بِلَادُكَ ؟ » قَالَ: مَأْوَاهَا وِعَاءٌ وَنَبْتُهَا شِفَاءٌ، وَرِيحُهَا صَبًا وَنَخْلُهَا غَوَادٍ. قَالَ: «عَلَيْكَ بِالْإِبِلِ فَإِنَّهَا حَمُولَةٌ وَالْحَمْلُ يَكُونُ عَدَدًا. وَالنَّاقَةُ ذَوْدًا». قَالَ سَلَمَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمَالِ أَتَّخِذَ بِبِلَادِي ؟ قَالَ: «وَمَا بِلَادُكَ ؟ » قَالَ: مَأْوَاهَا سِبَاحٌ وَنَخْلُهَا صُرَاحٌ وَتِلَاعُهَا فِيَاحٌ. قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْغَنَمِ فَإِنَّ أَلْبَانَهَا سَجْلٌ وَأَصْوَافُهَا أَثَاثٌ وَأَوْلَادُهَا بَرَكَةٌ وَلَكَ الْأَكِيلَةُ وَالرِّبَا». فَانْصَرَفَا إِلَى قَوْمِهِمَا مُسْلِمِينَ. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ الْجَارُودُ رَاجِعًا إِلَى قَوْمِهِ وَكَانَ حَسَنَ الْإِسْلَامِ صَلِيبًا عَلَى دِينِهِ حَتَّى مَاتَ وَقَدْ أَدْرَكَ الرِّدَّةَ فَثَبَتَ عَلَى إِيمَانِهِ، وَلَمَّا رَجَعَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ إِلَى دِينِهِ الْأَوَّلِ مَعَ الْغَرُورِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ قَامَ الْجَارُودُ فَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ وَدَعَا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ. وَقَالَ الْجَارُودُ: شَهِدْتُ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ بَنَاتُ فُؤَادِي بِالشَّهَادَةِ وَالنَّهْضِ فَأَبْلِغْ رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي رِسَالَةً بِأَنِّي حَنِيفٌ حَيْثُ كُنْتُ مِنَ الْأَرْضِ وَأَنْتَ أَمِينُ اللَّهِ فِي كُلِّ خَلْقِهِ عَلَى الْوَحْيِ مِنْ بَيْنِ الْقُضَيْضَةِ وَالْقَضِّ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَارِي بِيَثْرِبَ فِيكُمُ فَإِنِّي لَكُمْ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَالْخَفْضِ أُصَالِحُ مَنْ صَالَحْتَ مِنْ ذِي عَدَاوَةٍ وَأَبْغَضُ مَنْ أَمْسَى عَلَى بُغْضِكُمْ بُغْضِي وَأُدْنِي الَّذِي وَالَيْتُهُ وَأُحِبُّهُ وَإِنْ كَانَ فِي فِيهِ الْعَلَاقِمُ مِنْ بُغْضِي أَذُبُّ بِسَيْفِي عَنْكُمُ وَأُحِبُّكُمْ إِذَا مَا عَدَوْكُمْ فِي الرِّف?اقِ وَفِي النَّقْضِ وَأَجْعَلُ نَفْسِي دُونَ كُلِّ مُلِمَّةٍ لَكُمْ جَنَّةٌ مِنْ دُونِ عِرْضِكُمْ عِرْضِي وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ عِيَاضٍ الْأَسَدِيُّ ؓ: رَأَيْتُكَ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا نَشَرْتَ كِتَابًا جَاءَ بِالْحَقِّ مَعْلَمَا شَرَعْتَ لَنَا فِيهِ الْهُدَى بَعْدَ جَوْرِنَا عَنِ الْحَقِّ لَمَّا أَصْبَحَ الْأَمْرُ مُظْلِمَا فَنَوَّرْتَ بِالْقُرْآنِ ظُلُمَاتِ حِنْدِسٍ وَأَطْفَأْتَ نَارَ الْكُفْرِ لَمَّا تَضَرَّمَا تَعَالَى عُلُوُّ اللَّهِ فَوْقَ سَمَائِهِ وَكَانَ مَكَانُ اللَّهِ أَعْلَى وَأَكْرَمَا وَرَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ؓ أَنَّ الْجَارُودَ ؓ أَنْشَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدَمَ عَلَيْهِ فِي قَوْمِهِ: يَا نَبِيَّ الْهُدَى أَتَتْكَ رِجَالٌ قَطَعَتْ فَدْفَدًا وَآلًا فَآلَا وَطَوَتْ نَحْوَكَ الصَّحَاصِحَ طُرًّا لَا تَخَالُ الْكَلَالَ فِيهِ كَلَالَا كُلُّ دَهْنَاءَ يَقْصُرُ الطَّرْفُ عَنْهَا أَرْقَلَتْهَا قِلَاصُنَا إِرْقَالًا وَطَوَتْهَا الْجِيَادُ تَجْمَحُ فِيهَا بِكُمَاةٍ كَأَنْجُمٍ تَتَلَأْلَأَ تَبْتَغِي دَفْعَ بُوسٍ يَوْمٍ عَبُوسٍ أَوْجَلَ الْقَلْبَ ذِكْرُهُ ثُمَّ هَالَا فَصْلٌ الفوائد الفقهية في قصة وفد عبد القيس فَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ هُوَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْخِصَالِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، كَمَا عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعُونَ، وَتَابِعُوهُمْ كُلُّهُمْ، ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْمَبْسُوطِ "، وَعَلَى ذَلِكَ مَا يُقَارِبُ مِائَةَ دَلِيلٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَفِيهَا: أَنَّهُ لَمْ يَعُدَّ الْحَجَّ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ، وَكَانَ قُدُومُهُمْ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَهَذَا أَحَدُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْدُ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا فُرِضَ فِي الْعَاشِرَةِ، وَلَوْ كَانَ فُرِضَ لَعَدَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ، كَمَا عَدَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ. وَفِيهَا: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: رَمَضَانُ لِلشَّهْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا يُقَالُ: إِلَّا شَهْرُ رَمَضَانَ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": ( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ). وَفِيهَا: وُجُوبُ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَنَّهُ مِنَ الْإِيمَانِ. وَفِيهَا: النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ، وَهَلْ تَحْرِيمُهُ بَاقٍ أَوْ مَنْسُوخٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أحمد. وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى نَسْخِهِ بِحَدِيثِ بريدة الَّذِي رَوَاهُ مسلم وَقَالَ فِيهِ: ( وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا ). وَمَنْ قَالَ: بِإِحْكَامِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ، وَأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، قَالَ: هِيَ أَحَادِيثُ تَكَادُ تَبْلُغُ التَّوَاتُرَ فِي تَعَدُّدِهَا وَكَثْرَةِ طُرُقِهَا، وَحَدِيثُ الْإِبَاحَةِ فَرْدٌ، فَلَا يَبْلُغُ مُقَاوَمَتَهَا، وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، إِذِ الشَّرَابُ يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْإِسْكَارُ فِيهَا. وَقِيلَ: بَلِ النَّهْيُ عَنْهَا لِصَلَابَتِهَا، وَأَنَّ الشَّرَابَ يُسْكِرُ فِيهَا، وَلَا يُعْلَمُ بِهِ بِخِلَافِ الظُّرُوفِ غَيْرِ الْمُزَفَّتَةِ، فَإِنَّ الشَّرَابَ مَتَى غَلَا فِيهَا وَأَسْكَرَ انْشَقَّتْ، فَيُعْلَمُ بِأَنَّهُ مُسْكِرٌ، فَعَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ يَكُونُ الِانْتِبَاذُ فِي الْحِجَارَةِ وَالصُّفْرِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَحْرُمُ، إِذْ لَا يُسْرِعُ الْإِسْكَارُ إِلَيْهِ فِيهَا كَإِسْرَاعِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَلَى كِلَا الْعِلَّتَيْنِ، فَهُوَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، كَالنَّهْيِ أَوَّلًا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ التَّوْحِيدُ فِي نُفُوسِهِمْ، وَقَوِيَ عِنْدَهُمْ أَذِنَ فِي زِيَارَتِهَا، غَيْرَ أَنْ لَا يَقُولُوا هُجْرًا. وَهَكَذَا قَدْ يُقَالُ فِي الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ إِنَّهُ فَطَمَهُمْ عَنِ الْمُسْكِرِ وَأَوْعِيَتِهِ، وَسَدَّ الذَّرِيعَةَ إِلَيْهِ إِذْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِشُرْبِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ تَحْرِيمُهُ عِنْدَهُمْ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ نُفُوسُهُمْ، أَبَاحَ لَهُمُ الْأَوْعِيَةَ: مَدْحُ صِفَتَيِ الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ، وَأَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُمَا ، وَضِدُّهُمَا الطَّيْشُ وَالْعَجَلَةُ، وَهُمَا خُلُقَانِ مَذْمُومَانِ مُفْسِدَانِ لِلْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ مَا جَبَلَهُ عَلَيْهِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، كَالذَّكَاءِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْحِلْمِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُلُقَ قَدْ يَحْصُلُ بِالتَّخَلُّقِ وَالتَّكَلُّفِ؛ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: ( خُلُقَيْنِ تَخَلَّقْتُ بِهِمَا، أَوْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمَا ؟ "، فَقَالَ: " بَلْ جُبِلْتَ عَلَيْهِمَا ). وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَخْلَاقِهِمْ ، كَمَا هُوَ خَالِقُ ذَوَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ، فَالْعَبْدُ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ، وَمَنْ أَخْرَجَ أَفْعَالَهُ عَنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَقَدْ جَعَلَ فِيهِ خَالِقًا مَعَ اللَّهِ، وَلِهَذَا شَبَّهَ السَّلَفُ الْقَدَرِيَّةَ النُّفَاةَ بِالْمَجُوسِ، وَقَالُوا: هُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، صَحَّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْجَبْلِ لَا الْجَبْرِ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّهُ يَجْبِلُ عَبْدَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، كَمَا جَبَلَ الأشج عَلَى الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ، وَهُمَا فِعْلَانِ نَاشِئَانِ عَنْ خُلُقَيْنِ فِي النَّفْسِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي جَبَلَ الْعَبْدَ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ: نَقُولُ ( إِنَّ اللَّهَ جَبَلَ الْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَلَا نَقُولُ جَبَرَهُمْ عَلَيْهَا ) وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عِلْمِ الْأَئِمَّةِ، وَدَقِيقِ نَظَرِهِمْ، فَإِنَّ الْجَبْرَ أَنْ يُحْمَلَ الْعَبْدُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ، كَجَبْرِ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ عَلَى النِّكَاحِ، وَجَبْرِ الْحَاكِمِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ عَلَى أَدَائِهِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَقْدَرُ مِنْ أَنْ يَجْبُرَ عَبْدَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَلَكِنَّهُ يَجْبُلُهُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ الرَّبُّ بِإِرَادَةِ عَبْدِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَهَذَا لَوْنٌ، وَالْجَبْرُ لَوْنٌ. وَفِيهَا: أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالضَّالَّةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا كَالْإِبِلِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَوِّزْ للجارود رُكُوبَ الْإِبِلِ الضَّالَّةِ، وَقَالَ: ( ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ )، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِتَرْكِهَا، وَأَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا حِفْظًا عَلَى رَبِّهَا حَتَّى يَجِدَهَا إِذَا طَلَبَهَا، فَلَوْ جَوَّزَ لَهُ رُكُوبَهَا وَالِانْتِفَاعَ بِهَا، لَأَفْضَى إِلَى أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهَا رَبُّهَا، وَأَيْضًا تَطْمَعُ فِيهَا النُّفُوسُ وَتَتَمَلَّكُهَا، فَمَنَعَ الشَّارِعُ مِنْ ذَلِكَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه