MajelisNoteدليل

التاريخ 1549

غزوة تبوك

ذِكْرُ إِرَادَةِ بَعْضِ الْمُنَافِقِينَ الْفَتْكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الَّتِي بَيْنَ تَبُوكَ وَالْمَدِينَةِ وَإِطْلاَعِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ، وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ؓ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحَّاكِ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ شُيُوخِهِ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ مَكَرَ بِهِ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ  وَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوهُ مِنْ عَقَبَةٍ فِي الطَّرِيقِ. وَفِي رِوَايَةٍ كَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلُوا يَلْتَمِسُونَ غِرَّتَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَسَلُكَ الْعَقَبَةَ أَرَادُوا أَنْ يَسْلُكُوهَا مَعَهُ، وَقَالُوا: إِذَا أَخَذَ فِي الْعَقَبَةِ دَفَعْنَاهُ عَنْ رَاحِلَتِهِ فِي الْوَادِي، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِمَكْرِهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الْعَقَبَةَ نَادَى مُنَادِيهِ لِلنَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ الْعَقَبَةَ فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَدٌ، وَاسْلُكُوا بَطْنَ الْوَادِي، فَإِنَّهُ أَسْهَلُ لَكُمْ وَأَوْسَعُ، فَسَلَكَ النَّاسُ بَطْنَ الْوَادِي إِلَّا النَّفَرَ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ اسْتَعَدُّوا وَتَلَثَّمُوا، وَسَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَقَبَةَ، وَأَمَرَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَنْ يَأْخُذَ بِزِمَامِ النَّاقَةِ وَيَقُودَهَا وَأَمَرَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ أَنْ يَسُوقَ مِنْ خَلْفِهِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ مِنَ الْعَقَبَةِ إِذْ سَمِعَ حِسَّ الْقَوْمِ قَدْ غَشَوْهُ، فَنَفَّرُوا نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَقَطَ بَعْضُ مَتَاعِهِ وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعَقَبَةِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً مُظْلِمَةً، قَالَ حَمْزَةُ: فَنَوَّرَ لِي فِي أَصَابِعِي الْخَمْسِ، فَأَضَاءَتْ حَتَّى جَمَعْتُ مَا سَقَطَ مِنَ السَّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِمَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ حُذَيْفَةَ أَنْ يَرُدَّهُمْ، فَرَجَعَ حُذَيْفَةُ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ رَأَى غَضَبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ مِحْجَنٌ فَجَعَلَ يَضْرِبُ وُجُوهُ رَوَاحِلِهِمْ وَقَالَ: إِلَيْكُمْ إِلَيْكُمْ يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، فَعَلِمَ الْقَوْمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى مَكْرِهِمْ، فَانْحَطُّوا مِنَ الْعَقَبَةِ مُسْرِعِينَ حَتَّى خَالَطُوا النَّاسَ، وَأَقْبَلَ حُذَيْفَةُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: اضْرِبِ الرَّاحِلَةَ يَا حُذَيْفَةُ، وَامْشِ أَنْتَ يَا عَمَّارُ، فَأَسْرَعُوا حَتَّى اسْتَوَى بِأَعْلَاهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَقَبَةِ يَنْتَظِرُ النَّاسَ وَقَالَ لِحُذَيْفَةَ: هَلْ عَرَفْتَ أَحَدًا مِنَ الرَّكْبِ، الَّذِينَ رَدَدْتَهُمْ ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتُ رَوَاحِلَهُمْ، وَكَانَ الْقَوْمُ مُتَلَثِّمِينَ فَلَمْ أُبْصِرْهُمْ مِنْ أَجْلِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. قَالَ: "هَلْ عَلِمْتُمْ مَا كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ وَمَا أَرَادُوا" ؟ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَإِنَّهُمْ مَكَرُوا لِيَسِيرُوا مَعِي فَإِذَا طَلَعْتُ الْعَقَبَةَ زَحَمُونِي فَطَرَحُونِي مِنْهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ أَخْبَرَنِي بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَسَأُخْبِرُكُمْ بِهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى" قَالُوا: أَفَلَا تَأْمُرُ بِهِمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ النَّاسَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ ؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ وَيَقُولُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَضَعَ يَدَهُ فِي أَصْحَابِهِ فَسَمَّاهُمْ لَهُمَا ثُمَّ قَالَ: "اكْتُمَاهُمْ" فَانْطَلِقْ إِذَا أَصْبَحْتَ فَاجْمَعْهُمْ لِي، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مَنَعَكَ الْبَارِحَةَ مِنْ سُلُوكِ الْوَادِي ؟ فَقَدْ كَانَ أَسْهَلَ مِنَ الْعَقَبَةِ ؟ فَقَالَ: "أَتَدْرِي يَا أَبَا يَحْيَى أَتَدْرِي مَا أَرَادَ بِي الْمُنَافِقُونَ وَمَا هَمُّوا بِهِ" ؟ قَالُوا: نَتَّبِعُهُ مِنَ الْعَقَبَةِ، فَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ قَطَعُوا أَنْسَاعَ رَاحِلَتِي وَنَخَسُوهَا حَتَّى يَطْرَحُونِي عَنْ رَاحِلَتِي فَقَالَ أُسَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ وَنَزَلُوا، فَمُرْ كُلَّ بَطْنٍ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلَ الَّذِي هَمَّ بِهَذَا، فَيَكُونُ الرَّجُلُ مِنْ عَشِيرَتِهِ هُوَ الَّذِي يَقْتُلُهُ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ - وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ - فَنَبِّئْنِي بِأَسْمَائِهِمْ فَلَا أَبْرَحُ حَتَّى آتِيَكَ بِرُؤُوسِهِمْ. قَالَ "يَا أُسَيْدُ إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّ مُحَمَّدًا قَاتَلَ بِقَوْمٍ حَتَّى إِذَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ يَقْتُلُهُمْ". وَفِي رِوَايَةٍ "إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ إِنَّ مُحَمَّدًا لَمَّا انْقَضَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَضَعَ يَدَهُ فِي قَتْلِ أَصْحَابِهِ" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِأَصْحَابٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَيْسَ يُظْهِرُونَ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ " قَالَ: بَلَى [وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ] قَالَ: "أَلَيْسَ يُظْهِرُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ " قَالَ: بَلَى. وَلَا شَهَادَةَ لَهُمْ، قَالَ: "فَقَدْ نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ أُولَئِكَ". وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ: فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: "ادْعُ عَبْدَ اللَّهِ" قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَظُنُّ ابْنَ سَعْدِ بْنَ أَبِي سَرْحٍ، وَفِي الْأَصْلِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، لَمْ يُعْرَفْ لَهُ إِسْلَامٌ كَمَا نَبَّهَ إِلَيْهِ فِي زَادِ الْمَعَادِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأَبَا حَاضِرٍ الْأَعْرَابِيَّ، وَعَامِرًا وَأَبَا عُمَرَ، وَالْجُلَاسَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ الَّذِي قَالَ: لَا نَنْتَهِي حَتَّى نَرْمِيَ مُحَمَّدًا مِنَ الْعَقَبَةِ، وَلَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ خَيْرًا مِنَّا إِنَّا إِذًا لَغَنَمٌ وَهُوَ الرَّاعِي، وَلَا عَقْلَ لَنَا وَهُوَ الْعَاقِلُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ مُجَمَّعَ بْنَ جَارِيَةَ، وَفُلَيْحًا التَّيْمِيَّ وَهُوَ الَّذِي سَرَقَ طِيبَ الْكَعْبَةِ وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَانْطَلَقَ هَارِبًا فِي الْأَرْضِ فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ حُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ الَّذِي أَغَارُ عَلَى تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَسَرَقَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "وَيْحَكَ، مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ " قَالَ: حَمَلَنِي عَلَيْهِ أَنِّي ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُطْلِعْكَ عَلَيْهِ أَمَا إِذَا أَطْلَعَكَ عَلَيْهِ فَإِنِّي أَشْهَدُ الْيَوْمَ أَنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ، فَإِنِّي لَمْ أُؤْمِنْ بِكَ قَطُّ قَبْلَ السَّاعَةِ، فَأَقَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَفَا عَنْهُ بِقَوْلِهِ الَّذِي قَالَهُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حُذَيْفَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِطُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لِأَصْحَابِهِ: اشْهَدُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ تَسْلَمُوا الدَّهْرَ كُلَّهُ، فَوَ اللَّهِ مَا لَكُمْ أَمْرٌ دُونَ أَنْ تَقْتُلُوا هَذَا الرَّجُلَ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "وَيْحَكَ مَا كَانَ يَنْفَعُكَ مِنْ قَتْلِي لَوْ أَنِّي قُتِلْتُ يَا عَدُوَّ اللَّهِ ؟ " فَقَالَ عَدُوُّ اللَّهِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا أَعْطَاكَ اللَّهُ تَعَالَى النَّصْرَ عَلَى عَدُوِّكَ، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِاللَّهِ وَبِكَ فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ لِحُذَيْفَةَ ادْعُ مُرَّةَ بْنَ الرَّبِيعِ وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى عَاتِقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ثُمَّ قَالَ: تَمَطَّى، أَوْ قَالَ: تَمْطَطِي وَالنَّعِيمُ كَائِنٌ لَنَا بَعْدَهُ، نَقْتُلُ الْوَاحِدَ الْمُفْرَدَ فَيَكُونُ النَّاسُ عَامَّةً بِقَتْلِهِ مُطْمَئِنِّينَ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "وَيْحَكَ، مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَقُولَ الَّذِي قُلْتَ ؟ " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ قُلْتُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّكَ الْعَالِمُ بِهِ، وَمَا قُلْتُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. فَجَمَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِمْ وَمَنْطِقِهِمْ وَسِرِّهِمْ وَعَلَانِيَتِهِمْ، وَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى ذَلِكَ يُعْلِمُهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا [التَّوْبَةِ 74] وَمَاتَ الِاثْنَا عَشَرَ مُنَافِقِينَ مُحَارِبِينَ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ. قَالَ حُذَيْفَةُ - كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: وَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ ارْمِهِمْ بِالدُّبَيْلَةِ" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَمَا الدُّبَيْلَةُ ؟ قَالَ: "شِهَابٌ مِنْ نَارٍ يَقَعُ عَلَى نِيَاطِ قَلْبِ أَحَدِهِمْ فَيَهْلَكُ". وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فِي أَصْحَابِي اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ  ، ثَمَانِيَةٌ يَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ، سِرَاجٌ مِنْ نَارٍ يَظْهَرُ بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ حَتَّى يَنْجُمَ مِنْ صُدُورِهِمْ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَرَوَيْنَا عَنْ حُذَيْفَةَ ؓ أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ - أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ. فائدة عقب ابن القيم على سِيَاقِ مَا ذَكَرَهُ من رواية ابْنُ إِسْحَاقَ فقال: في روايته وَهْمٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسَرَّ إِلَى حذيفة أَسْمَاءَ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ  ، وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِمْ أَحَدًا غَيْرَهُ، وَبِذَلِكَ كَانَ يُقَالُ لحذيفة: إِنَّهُ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ عمر وَلَا غَيْرُهُ يَعْلَمُ أَسْمَاءَهُمْ، وَكَانَ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَشَكُّوا فِيهِ (يَقُولُ عمر: انْظُرُوا، فَإِنْ صَلَّى عَلَيْهِ حذيفة، وَإِلَّا فَهُوَ مُنَافِقٌ مِنْهُمْ ) الثَّانِي: مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ: فِيهِمْ عبد الله بن أبي، وَهُوَ وَهْمٌ ظَاهِرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ نَفْسُهُ أَنَّ عبد الله بن أبي تَخَلَّفَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ: وسعد بن أبي سرح وَهْمٌ أَيْضًا، وَخَطَأٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ سعد بن أبي سرح لَمْ يُعْرَفْ لَهُ إِسْلَامٌ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا ابْنُهُ عبد الله كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَلَحِقَ بِمَكَّةَ، حَتَّى اسْتَأْمَنَ لَهُ عثمان النَّبِيَّ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ فَأَمَّنَهُ، وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْبَتَّةَ، فَمَا أَدْرِي مَا هَذَا الْخَطَأُ الْفَاحِشُ الرَّابِعُ: قَوْلُهُ: وَكَانَ أبو عامر رَأْسَهُمْ، وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ دُونَ ابْنِ إِسْحَاقَ، بَلْ هُوَ نَفْسُهُ قَدْ ذَكَرَ قِصَّةَ أبي عامر هَذَا فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ أبا عامر لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ بِبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَمَاتَ بِهَا طَرِيدًا وَحِيدًا غَرِيبًا، فَأَيْنَ كَانَ الْفَاسِقُ وَغَزْوَةُ تَبُوكَ ذَهَابًا وَإِيَابًا ذِكْرُ إِخْبَارِهِ ﷺ بِمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ   قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَخْرُجُوا إِلَّا رَجَاءَ الْغَنِيمَةِ مِنْهُمْ: وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. وَالْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ. وَمِخْشَنُ بِالنُّونِ - قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَابْنُ هِشَامٍ مَخْشِيٌّ بِالتَّحْتِيَّةِ - ابْنُ حُمَيْرٍ مِنْ أَشْجَعَ، حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ، زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، عِنْدَ مُحَمَّدَ بْنِ عُمَرَ: فَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ: أَتَحْسَبُونَ جِلَادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَجِلَادِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، لَكَأَنِيٍّ بِكُمْ غَدًا مُقَرَّنِينَ فِي الْحِبَالِ، إِرْجَافًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِرْهَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَ الْجُلَاسُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ زَوْجَ أُمِّ عُمَيْرٍ، وَكَانَ ابْنُهَا عُمَيْرٌ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَقَالَ عُمَيْرٌ: فَأَنْتَ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَادِقٌ وَأَنْتَ الْكَاذِبُ، فَقَالَ مِخْشَنُ بْنُ حُمَيْرٍ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أُقَاضِيَ عَلَى أَنْ يَضْرِبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَإِنَّنَا نَنْفَلِتُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ ! !. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -: "أَدْرِكِ الْقَوْمَ فَإِنَّهُمْ قَدِ اخْتَرَقُوا، فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ بَلَى قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا" فَانْطَلَقَ عَمَّارٌ إِلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ وَقَدْ أَخَذَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ بِحِقْبِهَا وَرِجْلَاهُ تَسْفَيَانِ الْحِجَارَةَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ   [التَّوْبَةِ 65، 66] وَحَلَفَ الْجُلَاسُ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ   [التَّوْبَةِ 74]. وَقَالَ مِخْشَنٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَوْ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا وَلَا يُعْلَمَ بِمَكَانِهِ، فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ أَثَرٌ. فائدة في عدم قتله ﷺ المنافقين رغم إتيانهم بموجبات الكفر قال ابن القيم رحمه الله تعالى: تَرْكُهُ قَتْلَ الْمُنَافِقِينَ  ، وَقَدْ بَلَغَهُ عَنْهُمُ الْكُفْرُ الصَّرِيحُ، فَاحْتَجَّ بِهِ مَنْ قَالَ: لَا يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إِذَا أَظْهَرَ التَّوْبَةَ ; لِأَنَّهُمْ حَلَفُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ مَا قَالُوا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِنْكَارًا فَهُوَ تَوْبَةٌ وَإِقْلَاعٌ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَمَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ عَنْهُ بَعْدُ، وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: إِذَا جَحَدَ الرِّدَّةَ كَفَاهُ جَحْدُهَا، وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ قَالَ: هَؤُلَاءِ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ، وَالَّذِي بَلَّغَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ قَوْلَهُمْ لَمْ يُبَلِّغْهُمْ إِيَّاهُ نِصَابُ الْبَيِّنَةِ، بَلْ شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَاحِدٌ فَقَطْ، كَمَا شَهِدَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَحْدَهُ عَلَى عبد الله بن أبي، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ أَيْضًا إِنَّمَا شَهِدَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ، فَإِنَّ نِفَاقَ عبد الله بن أبي وَأَقْوَالَهُ فِي النِّفَاقِ كَانَتْ كَثِيرَةً جِدًّا كَالْمُتَوَاتِرَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَبَعْضُهُمْ أَقَرَّ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَقَدْ وَاجَهَهُ بَعْضُ الْخَوَارِجِ فِي وَجْهِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قِيلَ لَهُ: أَلَا تَقْتُلُهُمْ ؟ لَمْ يَقُلْ: مَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ بَيِّنَةٌ، بَلْ قَالَ: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ فَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ إِذَنْ، أَنَّهُ كَانَ فِي تَرْكِ قَتْلِهِمْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ مَصْلَحَةٌ تَتَضَمَّنُ تَأْلِيفَ الْقُلُوبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَجَمْعَ كَلِمَةِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِي قَتْلِهِمْ تَنْفِيرٌ، وَالْإِسْلَامُ بَعْدُ فِي غُرْبَةٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى تَأْلِيفِ النَّاسِ، وَأَتْرَكُ شَيْءٍ لِمَا يُنَفِّرُهُمْ عَنِ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ كَانَ يَخْتَصُّ بِحَالِ حَيَاتِهِ ﷺ، وَكَذَلِكَ تَرْكُ قَتْلِ مَنْ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ فِي قِصَّةِ الزبير وَخَصْمِهِ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ وَفِي قَسْمِهِ بِقَوْلِهِ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَقَوْلُ الْآخَرِ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَإِنَّ هَذَا مَحْضُ حَقِّهِ، لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهِ، وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ، وَلَيْسَ لِلْأُمَّةِ بَعْدَهُ تَرْكُ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمُ اسْتِيفَاؤُهُ، وَلَا بُدَّ وَلِتَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَوْضِعٌ آخَرُ، وَالْغَرَضُ التَّنْبِيهُ وَالْإِشَارَةُ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا